اليوم الثامن للاحتجاجات في إيران… قمع متصاعد واعتقالات واسعة
في اليوم الثامن من الاحتجاجات التي عمّت مختلف أنحاء إيران، اتسعت رقعة التحركات لتشمل عشرات المدن، وشهدت مواجهات عنيفة أسفرت عن قتلى واعتقالات طالت نساءً وطلاباً وقاصرين، إضافة إلى محاولات لاقتحام مستشفيات واحتجاز مصابين، في مشهد يعكس تصاعد الغضب الشعبي.
مركز الأخبار ـ تشهد إيران انتشاراً متسارعاً في رقعة الاحتجاجات الشعبية، إذ امتدت التحركات خلال الأيام الأخيرة إلى عشرات المدن، وسط مواجهات عنيفة وارتفاع في أعداد القتلى والمعتقلين، وترافق هذا التصعيد مع استخدام مفرط للقوة ومحاولات لاقتحام مستشفيات واعتقال مصابين.
امتدت موجة الاحتجاجات التي انطلقت من سوق علاء الدين في طهران لتشمل في يومها الثامن أمس الأحد الرابع من كانون الثاني/يناير، أكثر من 222 موقعاً موزعة على 78 مدينة ضمن 26 مدينة، وتنوّعت أشكال هذه التحركات بين التجمعات الشعبية في الشوارع، وإضرابات نقابية، ومسيرات احتجاجية، وهتافات علنية مناهضة للحكومة، ويعكس هذا الانتشار الواسع وتعدد أساليب التعبير عن الغضب الشعبي استمرار زخم الاحتجاجات، إضافة إلى تداخل المطالب الاقتصادية مع المطالب السياسية والمدنية.
وفي مقاطعة مالكشاهي بمحافظة إيلام، أفادت مصادر محلية بأن قوات الأمن استخدمت الذخيرة الحية ضد المتظاهرين، ما أدى إلى مقتل ما لا يقل عن أربعة مدنيين وإصابة نحو ثلاثين آخرين، وقد تحوّلت الجنازة التي أقيمت لاحقاً إلى تظاهرة حاشدة وفعل من العصيان المدني واحتجاج سياسي وردد المشاركون شعارات مناهضة للسلطة مثل "الموت للجمهورية الإسلامية" و"الموت لخامنئي"، لتتحول مراسم الدفن إلى عصيان مدني واحتجاج سياسي.
ويرى كثيرون أن مثل هذه الطقوس الجنائزية تتجاوز وظيفتها التقليدية، إذ تتحول إلى مساحة للتعبير عن المقاومة الجماعية، حيث ينفجر الغضب الشعبي المكبوت في شكل حداد احتجاجي.
ويرى الخبراء والمحامون أن الحضور الكبير في هذا الحدث ليس مجرد تعبير عن التعاطف، بل هو استهتار علني بالنظام الأمني المفروض، لحظةٌ يُعلن فيها جهاراً في الأماكن العامة عن عدم شرعية النظام السياسي، ويؤكدون أنه إذا تكررت هذه الاحتجاجات في مدن مختلفة، فإنها ستتحول إلى محرك للتعبئة الاجتماعية وبناء ذاكرة جماعية ضد القمع.
وفي إيلام، أشارت التقارير المحلية ومقاطع الفيديو إلى أن قوات الأمن حاولت التسلل إلى غرفة الطوارئ في مستشفى الخميني/الفتاحي لاعتقال المصابين أو سرقة جثث القتلى، وقالت مصادر حقوق الإنسان إن هذا العمل قوبل بمقاومة من المتظاهرين والطاقم الطبي.
في جعفر آباد، بمدينة كرماشان، أفادت شبكة حقوق الإنسان في كردستان، نقلاً عن مصادر محلية، بمقتل شقيقين رمياً بالرصاص خلال الاحتجاجات، توفي الأول في مستشفى طالقاني، بينما توفي الثاني بعد ساعات قليلة في وحدة العناية المركزة، ولم تسلم السلطات الأمنية جثمانيهما إلى عائلتيهما بعد.
وفي جميع أنحاء ولاية إيلام، نشرت مصادر إعلامية غير حكومية هويات العديد من المحتجزين، بمن فيهم مراهقون وطلاب، وتشير التقارير إلى اعتقال ما لا يقل عن 17 شخصاً في إيلام بينهم طفل يبلغ من العمر 14 عاماً والعديد من الطلاب.
من جهة أخرى وخلال احتجاجات الأيام الأخيرة، أفاد شهود عيان ومصادر محلية باعتقالات واسعة النطاق طالت نساءً وطالبات بل وحتى مراهقين في مدن أخرى من شرق كردستان، وقد جرت هذه الاعتقالات في الغالب أثناء تجمعات الشوارع أو خلال الجنازات الاحتجاجية، أو حتى المداهمات الليلية للمنازل، وبحسب مصادر مطلعة نُقل بعض المعتقلين دون مذكرة قضائية وباستخدام العنف الجسدي، ولا تعلم عائلاتهم بمكان وجودهم.
وفي مدن أخرى في إيران، نُشرت العديد من مقاطع الفيديو والتقارير الإخبارية التي توثق اعتقال الطلاب والنساء والأطفال خلال الاحتجاجات، مما أثار مخاوف بشأن انتهاكات حقوق الإنسان واسعة النطاق وتصاعد القمع.
وتشير تقارير من منظمات حقوق الإنسان ومصادر مستقلة إلى أنه بحلول اليوم الثامن من الاحتجاجات، وصل عدد القتلى إلى حوالي 20، بينما أكدت مؤسسات أخرى في تقاريرها العامة وقوع حوالي 17 حالة وفاة في عدة مدن إيرانية، بما في ذلك إيلام وكرماشان وهارسين ومدن أخرى، في الأسبوع الأول.
وسرعان ما أصبحت الجنازات الاحتجاجية في مالكشاهي ومدن أخرى رمزاً للمقاومة، حيث ردد المشاركون شعارات ضد القيادة الإيرانية والمؤسسات الأمنية، محولين المراسم إلى لحظة وحدة جماعية، ورددت وسائل الإعلام المحلية ومستخدمو وسائل التواصل الافتراضي هذا الأمر.
وتعد محاولة دخول المستشفيات واحتجاز المصابين دليل على استراتيجية السلطات للسيطرة على مصادر الرواية (بما في ذلك مقاطع الفيديو والصور للمصابين والضحايا) قبل انتشارها، ووفقاً لمراقبي حقوق الإنسان، قد يؤدي هذا التكتيك إلى مزيد من التوتر بين المجتمع والمؤسسات الطبية، ويسلط الضوء على حقيقة أن مرافق الإغاثة عالقة في دوامة القمع.
رغم أنّ الشرارة الأولى للانتفاضة التي تشهدها إيران بدت في ظاهرها نتيجة ضغوط اقتصادية ومعيشية خانقة، فإنّ جذورها الحقيقية كانت سياسية بالدرجة الأولى، فقد عكست الشعارات والبيانات والمواقف الصادرة عن الأحزاب الكردية والنقابات العمالية في مختلف أنحاء البلاد انتقال الحركة من إطار المطالب المعيشية إلى فضاء المطالب السياسية والحقوقية الأوسع.
وفي البيانات المنشورة برزت مفاهيم مثل "الحق في الحياة"، و"حرية الاحتجاج"، و"القضاء على الفقر والفساد"، و"إنهاء القمع المنظم" وغيرها، هذا التعقيد في المطالب لا يوسع نطاق الانتفاضة فحسب، بل يحولها أيضاً إلى حركة متعددة الأبعاد وأكثر استدامة.
لم تعد السلطات، في مثل هذا الوضع، قادرة على احتواء الغضب المتصاعد عبر الوعود الاقتصادية وحدها، إذ أصبحت المطالب متجذرة في البنية السياسية والقانونية للنظام، هذا التعقيد في المطالب، واتساع نطاقها، يضع السلطة القمعية أمام تحديات تتجاوز مجرد ضبط الشارع.
إن استمرار الاحتجاجات على مستوى البلاد، واتساع رقعتها الجغرافية، وتزايد الضغوط الأمنية، كلها عوامل ترسم مشهداً أكثر قتامة للمجتمع، فالأحداث تتراوح بين ارتفاع أعداد الضحايا وتصاعد موجات الاعتقال، وصولاً إلى اضطرابات خطيرة في الحصول على الخدمات الطبية، ولا سيما بالنسبة للمصابين خلال الاحتجاجات.
وفي ظل هذه الظروف، يصبح التباين الواضح بين الروايات الرسمية والتقارير الميدانية المستقلة عاملاً مضاعفاً لأهمية التحقق الدقيق من المعلومات والبيانات المتداولة.
من جهة أخرى، يؤكد نشطاء حقوق الإنسان أن التحليل المفصل والمستقل لأبعاد العنف والمطالب الشعبية أمر حيوي ليس فقط لتسجيل الحقيقة التاريخية، ولكن أيضاً للمتابعة القانونية والدولية ومنع تكرار الجرائم، وأن الصمت أو التشويه في مثل هذه اللحظات الحرجة ليس فقط في صالح السلطة، بل أيضاً على حساب المجتمع والذاكرة الجماعية.
وتجدر الإشارة إلى أنه بالإضافة إلى الأحزاب الكردية والناشطين المدنيين في شرق كردستان، اكتسبت موجة الدعم للاحتجاجات أبعاداً أوسع، ففي الأيام الأخيرة أصدرت مجموعة من السجناء السياسيين في سجن إيفين، ومنظمات عمالية، ونشطاء من خمس جامعات رئيسية في طهران، ونقابات عمالية للمعلمين في شرق كردستان وبعض المدن الأخرى، ونقابة سائقي الشاحنات، والعديد من نقابات المحامين، وعدد من المحامين المستقلين، ورابطة الكتاب، وغيرها، بيانات منفصلة أو مشتركة لدعم الاحتجاجات التي عمت البلاد في يناير من هذا العام.
وفي السياق نفسه يؤكد الإجماع بين القوى المدنية والنقابية والأكاديمية والسياسية على ترابط المطالب الاقتصادية والاجتماعية بالمطالب السياسية والقانونية، في بيئة تسعى فيها الحكومة إلى تشويه أو طمس خطاب الاحتجاجات عبر القمع، يمكن لوحدة هذه المؤسسات والأفراد أن تلعب دوراً محورياً في تمثيل الصوت الحقيقي للمجتمع، يوفر هذا التضامن متعدد الأوجه إمكانية تشكيل كتلة اجتماعية مقاومة للقمع.