النساء الأفغانيات بين أحكام المحكمة الدولية واستمرار انتهاكات طالبان
بعد عام من إصدار مذكرة التوقيف التي أصدرتها المحكمة الجنائية الدولية بحق قادة حركة طالبان هل تسلط الضوء على قضية العدالة والمساءلة عن الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في أفغانستان، أم أنها ذر للرماد في العيون لا أكثر؟
بهاران لهيب
فارياب ـ أعادت المحكمة الجنائية الدولية ملف الانتهاكات بحق النساء في أفغانستان إلى واجهة الاهتمام الدولي، بعد إصدارها منذ عام مذكرتي توقيف بحق اثنين من كبار قادة طالبان بتهم تتعلق بارتكاب جرائم ضد الإنسانية، من بينها الاضطهاد على أساس النوع الاجتماعي.
لكن هذه المذكرة مر عليها أكثر من عام ولم يتغير شيء من حال نساء أفغانستان بل إن سلطات طالبان تفرض بشكل مستمر قوانينها التي تستهدف المرأة.
في عام 2003 انضمت أفغانستان إلى نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، وفي ذلك الوقت، كان العديد من كبار مسؤولي الدولة من قادة الفصائل الجهادية وطالبان وشخصيات مرتبطة بالحكومات السابقة، وعندما طالب ناشطون في المجتمع المدني بالتحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، عارض هؤلاء المسؤولون هذه الخطوة لأنهم كانوا يرون أنفسهم معرضين للملاحقة القضائية.
وفي عام 2014، شُكلت لجنة بهدف التعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، إلا أن كثيراً من المدافعين عن حقوق الإنسان يرون أنها، بدلاً من الدفع باتجاه تحقيق العدالة، أعاقت التحقيق في الجرائم السابقة.
وبعد سنوات من المطالبة بالعدالة، أعلنت المحكمة أنها تملك الولاية القضائية للنظر في الجرائم المرتكبة في أفغانستان منذ 1 أيار/مايو 2003، استناداً إلى عضوية البلاد في نظام روما الأساسي، وخلال مرحلة جمع المعلومات، سُجلت أكثر من مليون شكوى ضد طالبان، وشبكة حقاني، والقوات الحكومية الأفغانية، والقوات الأجنبية، بما فيها القوات الأمريكية.
وفي 8 تموز/يوليو 2025، أصدرت المحكمة مذكرة توقيف بحق هبة الله أخوند زاده وعبد الحكيم حقاني بتهمة "ارتكاب جرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الاضطهاد على أساس النوع الاجتماعي والدوافع السياسية"، ومع ذلك، لم تُنفذ المذكرة حتى الآن، فيما واصلت طالبان، بموافقة هبة الله أخوند زاده، إقرار وتنفيذ قوانين تفرض مزيداً من القيود على النساء، من بينها لوائح وزارة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وتوضح المحامية الأفغانية فوزية نواب في حوار مع وكالتنا، الأبعاد القانونية لهذا القرار والتحديات التي تواجه تنفيذه.
من منظور القانون الدولي، ما أهمية إصدار مذكرة توقيف بحق قادة طالبان؟
يُعد إصدار مذكرة التوقيف من قبل المحكمة الجنائية الدولية خطوة قانونية مهمة، لأنه يؤكد أن الانتهاكات الواسعة والمنهجية لحقوق النساء في أفغانستان ليست مجرد قضية داخلية، بل يمكن النظر إليها باعتبارها جرائم دولية.
إن حرمان النساء من التعليم والعمل وحرية التنقل والمشاركة الاجتماعية وغيرها من الحقوق الأساسية، إذا تم بشكل واسع ومنظم، قد يشكل اضطهاداً قائماً على النوع الاجتماعي، وهو أحد أشكال الجرائم ضد الإنسانية.
وتكمن أهمية هذه المذكرة في أنها تبعث برسالة واضحة إلى مرتكبي انتهاكات حقوق الإنسان مفادها أن المسؤولين السياسيين أو العسكريين لا يمكنهم الاحتماء بالسلطة للإفلات من العدالة، كما أنها تمثل اعترافاً دولياً بمعاناة الضحايا، ولا سيما النساء الأفغانيات.
لماذا لا يزال تنفيذ مذكرة التوقيف صعباً رغم مرور عام على صدورها؟ وعلى عاتق من تقع مسؤولية تنفيذها؟
لا تمتلك المحكمة الجنائية الدولية قوة تنفيذية مستقلة، مثل شرطة دولية، ويعتمد تنفيذ أحكامها على تعاون الدول والمجتمع الدولي.
وعندما تصدر مذكرة توقيف بحق شخص ما، تكون الدول الأطراف في نظام روما الأساسي ملزمة باعتقاله إذا دخل أراضيها وتسليمه إلى المحكمة، لكن تنفيذ هذه المذكرات يواجه في الواقع عقبات سياسية ودبلوماسية وأمنية.
كما أن غياب الإرادة السياسية، والعلاقات التي تربط بعض الدول بطالبان، والاعتبارات الإقليمية، كلها عوامل تؤدي إلى إبطاء مسار العدالة، ومع ذلك، فإن صعوبة تنفيذ المذكرة لا تعني أنها بلا قيمة، بل تظل وثيقة قانونية مهمة للمساءلة في المستقبل.
إلى أي مدى غيّرت القوانين واللوائح التي أصدرتها طالبان، مثل قانون الأمر بالمعروف ولوائح الأسرة والنظام الداخلي للمحاكم، واقع النساء في أفغانستان؟ وما أبرز الآثار القانونية والاجتماعية التي ترتبت عليها؟
من الناحية القانونية، فإن أي قانون يحرم النساء من حقوقهن الأساسية بسبب جنسهن يتعارض مع مبادئ المساواة وحظر التمييز في القانون الدولي.
لقد فرضت قوانين ولوائح طالبان خلال السنوات الأخيرة قيوداً واسعة على الحريات الفردية والاجتماعية والتعليمية والاقتصادية للنساء، ولم تقتصر هذه القوانين على تقييد وصولهن إلى حقوقهن الأساسية، بل أوجدت أيضاً بنية قانونية تمنح النساء فرصاً محدودة للغاية للدفاع عن حقوقهن.
وعندما يفتقر النظام القضائي إلى الاستقلال، ولا تتمكن النساء من الوصول إلى العدالة على قدم المساواة، يزداد خطر تعرضهن لمزيد من الانتهاكات.
لماذا رغم إثارة قضية النساء الأفغانيات على المستوى الدولي، لم يحدث تغيير عملي في حياتهن؟
إن الاعتراف الدولي بأي قضية يمثل الخطوة الأولى فقط، أما التغيير الحقيقي فيتطلب إجراءات سياسية وقانونية وتنفيذية، فحقوق الإنسان لا تُصان بمجرد إصدار بيانات التضامن أو الإدانات، وإنما تحتاج إلى ضغوط مستمرة، ومحاسبة مرتكبي الانتهاكات، ودعم عملي للضحايا.
وتعيش النساء الأفغانيات اليوم حالة من التناقض؛ فمن جهة، يتحدث العالم عن أوضاعهن، ومن جهة أخرى، تتزايد القيود المفروضة عليهن يوماً بعد يوم، ولهذا تتساءل كثير من النساء: إذا كانت حقوقنا معترفاً بها في القوانين الدولية، فلماذا لا نحصل على دعم عملي وفعّال؟
ما الذي يمكن أن يفعله المجتمع الدولي والمؤسسات الدولية لتحقيق العدالة؟
ينبغي للمجتمع الدولي أن ينتقل من مرحلة الإدانة اللفظية إلى استخدام الأدوات القانونية والسياسية المتاحة، ومن بين الإجراءات التي يمكن أن تكون مؤثرة: دعم مسارات القضاء الدولي، وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان، ومساندة الضحايا، وممارسة الضغوط الدبلوماسية، ومنع تطبيع سياسة الإفلات من العقاب.
العدالة بالنسبة للنساء الأفغانيات لا تعني فقط معاقبة المسؤولين عن الانتهاكات، بل تعني أيضاً تهيئة الظروف التي تمكن النساء من استعادة حقوقهن الأساسية، مثل التعليم والعمل وحرية الاختيار والمشاركة في المجتمع.
وفي نهاية المطاف، يبقى الاختبار الحقيقي للمجتمع الدولي هو ما إذا كانت مبادئ حقوق الإنسان ستظل حبراً على ورق، أم أنها ستترجم إلى إجراءات عملية في مواجهة إحدى أكبر أزمات حقوق النساء في العالم.