الحياة في الريف... تمسك بالجذور والأصالة والحياة البسيطة

لا تزال نساء قرى سهل كوي تجدن صحتهن وراحتهن النفسية في استخدام الحطب للطهي وإعداد الخبز، وتعتقدن أن الإنسان خُلق لحياة الطبيعة والحركة، لا للحبس في الحياة المدنية.

شيا كويه

كويه ـ رغم الأعباء الكثيرة التي تلقيها الحياة في القرية على النساء خصوصاً، والتي تتمثل بعمل مستمر طيلة اليوم من خبز وحلب وزراعة، إلا أن الضغوط النفسية التي تصاحبها أقل، وكذلك الأمراض الجسدية فالمسنات أكثر نشاطاً من شابات في المدينة، والفضل بذلك يعود لطبيعة القرية الخالية من الملوثات.

"ماء وهواء القرية والعمل فيها يجعل حياتك صحية"، هذه حكمة امرأة قروية ترفض الانتقال للمدينة، وحتى التطور الحاصل الذي سلب الإنسان سعادته كما ترى. لالي حمد جمعة من أهالي قرية تيماروكي التابعة لكوي بإقليم كردستان معروفة كامرأة قوية وماهرة، وما تزال حتى اليوم تخبز على الحطب مع نساء القرية.

وتقول إن "الحياة الآن أصبحت أسهل وأفضل من الماضي، وقد توفرت الكثير من وسائل الراحة في العمل، لأننا في السابق كنا نحن النساء نتعب كثيراً، وكل أعمالنا اعتمدت على الحطب، أما اليوم فكل شيء متوفر وأسهل، ومع ذلك لسنا سعداء كما كنا في الماضي".

في السابق كما تبين "كنا متعبات ولم تكن الأشياء متوفرة كما الآن، لكننا كنا سعيدات فهمومنا أقل، وننعم ببساطة الحياة"، وهي تضع رغيفاً آخر في التنور تقول "عندما تتناول عشاءك، لم تكن تفكر في همّوم الغد، لأن القناعة كانت موجودة".

نساء القرية تستيقظن في الساعة الخامسة صباحاً وتبدأن العمل؛ فيقمن بحلب الأغنام والأبقار، وغلي الحليب وصنع اللبن، ولا تتوقفن حتى المساء. سواء برعاية المواشي أو بالعمل الزراعي تنقضي ساعات النهار كاملة.

حياة القرية أفضل لصحة الإنسان فسكانها وحتى الكبار في السن يتمتعون بصحة جيدة "من الناحية النفسية، فإن مشاهدة تلك المناظر الطبيعية تزيل الهموم. لدي جدة عمرها 80 عاماً، تذهب بنفسها لجمع النباتات البرية، وجسدها ما زال قوياً، وأنا أيضاً أقضي يومي بالعمل والحركة. حياة القرية صحية، وللماء والهواء دور كبير في ذلك، والأهم هو الحركة ففي المدينة يُؤكل الخبز ثم يجلس الناس دون نشاط، وتكون حركة النساء داخل المنزل أقل مقارنة بنساء القرية".

وفي القرية أعباء الحياة أقل "نشعر بالراحة عند رؤية الخضار الكثيفة والنباتات، وهذا ينسينا الهموم، وأنا نفسي أشعر براحة أكبر في هذه الطبيعة مقارنة بالمدينة".

تبين لالي حمد جمعة أنه قبل زواجها كانت تعد نحو مئة رغيف خبز في اليوم "كنت أستيقظ باكراً، وأبقى أخبز حتى الساعة التاسعة صباحاً، وأعدّ قرابة مئة رغيف من الخبز ففي السابق كان استهلاك الخبز كبيراً، ليس كما هو الحال اليوم، لأن الناس كانوا يبذلون جهداً أكبر في العمل كما أن أصناف الطعام كانت أكثر غنى".

وبعد أعمال البيت "كنا نذهب إلى الحقول للحصاد والزراعة، ونبقى حتى المساء، ثم نعود لنبدأ من جديد بأعمال المنزل، والروتين الصباحي يشمل حلب الأغنام والأبقار وتحضير الطعام. في ذلك الوقت لم يكن الأرز متوفراً إلا في الأعياد، وحتى حينها لم يكن متاحاً للجميع، كان الطعام تقليدياً".

وتضيف أن زوجها من ضحايا الأنفال، وحين اختفى زوجها كانت حاملاً في شهرها الثالث، ولديها طفل في الثالثة من عمره، وبعد خمسة أشهر أنجبت فتاة، فقامت بتربيتهما بمفردها "بقينا ست سنوات في بيت والدي، حيث قاموا برعايتنا، ثم استقللنا في بيتنا، وربيت أطفالي، والآن أعيش مع ابني".

 

"الحياة الاجتماعية في القرية ما زالت مستمرة"

ديمان صابر، جارة لالي حمد، تقول إنهم يقضون معظم الوقت معاً، وهي تعدّ خبز الكوليرة في التنور "رغم أن لدينا بيتاً في القرية وآخر في المدينة، إلا أننا نحب حياة القرية، ولولا دراسة الأطفال لما ذهبنا إلى المدينة، لقد اعتدنا على العيش هنا منذ الصغر، صحيح أن الحياة في القرية متعبة، لكن النساء سواء في المدينة أو القرية يتعبن، إلا أن نساء الريف يتعبن أكثر لأن العمل هنا كثير، وكله بالحطب، وحتى الآن ما زلت أعدّ الخبز بالحطب ولم أستخدم الغاز أبداً، لذلك أزمة الغاز التي نسمع عنها لم تؤثر علينا".

وأضافت "نقضي معظم وقتنا في القرية ولا نذهب إلى المدينة، وأحياناً تمر أسابيع دون أن نزورها، خاصة إذا لم يكن هناك دوام، لأن حياة المدينة لا تعجبنا، نشعر وكأنها سجن. نحن متعلقون بالقرية منذ طفولتنا ونرتاح فيها. أتمنى أن تعود حياة الريف كما كانت في السابق، وأن نعود للزراعة، وإذا توفرت الفرصة لتربية المواشي، لأن العمل الحر جميل ولا يجعل الإنسان يعتمد فقط على الراتب، فالقرية مليئة بالبركة من كل جانب".

وتعلمت منذ صغرها إعداد خبز التنور، وأشارت إلى تنورها قائلةً أن عمره تجاوز العشر سنوات، وتضيف "جارتنا لعلي بمثابة أخت كبيرة لي، ونحن متفاهمتان جداً وغالباً ما نعمل معاً. هي تعدّ خبز التير، وأنا أخبز الكوليرة في التنور. الحياة الاجتماعية في القرية لا تزال قائمة".