نساء إيران بين قمع الداخل واستنزاف المنفى في إسطنبول
كانت إسطنبول بالنسبة لكثير من النساء الإيرانيات محطة مؤقتة في طريق الحرية، لكنها تحوّلت بالنسبة لعدد منهن إلى فضاء من اللايقين، والعمل غير الرسمي، والضغط النفسي، وانعدام الأمان؛ مكانٍ تصبح فيه الهجرة، بدلًا من الخلاص، تجربة مُنهِكة لا تنتهي.
ندى إميداور
إسطنبول ـ لم تعد هجرة النساء قراراً شخصياً أو رغبة في رفاه أكبر، بل شكلاً من أشكال الهروب من الحصار. الهروب من نظام لا يرى المرأة مواطنة، بل "مسألة" يجب ضبطها. لكن الكارثة أن هذا الهروب لا يقود كثيرات إلى الحرية، بل إلى منطقة بلا قانون من الاستنزاف.
تهطل أمطار ربيعية باردة على أرصفة أق سراي المبللة. تقف امرأة شابة، ترتدي معطفاً داكناً قصيراً وتحمل حقيبة صغيرة مهترئ حزامها، بجانب واجهة صرّاف، تراقب هاتفها باستمرار.
على بُعد بضعة أمتار، تتحدث امرأتان بالفارسية بصوت خافت، قصير وحذر، وكأنهما ما زالتا تخشيان أن يسمعهما أحد. تبدو مدينة إسطنبول التركية للوهلة الأولى المدينة النابضة بالحياة كما هي دائماً: سُياح، أضواء، مقاهٍ، سفن، موسيقى، وحركة لا تهدأ. لكن خلف هذه الصورة المفعمة بالحيوية، هناك مدينة أخرى؛ مدينة تعيش فيها نساء من إيران معلّقات بين النجاة والهلاك، في برزخ لا نهاية له.
خرجن من إيران بحقائب نصف ممتلئة، وبآلاف الدولارات المستدانة، وبجوازات سفر كانت أشبه بتذكرة طوارئ أكثر منها وثيقة سفر. بعضهن بعد احتجاجات كانون الأول/ديسمبر 2025 التي حولت الشوارع إلى ميادين مطاردة واعتقال؛ بعضهن بعد الانتفاضة الشعبية Jin Jiyan Azadî""؛ بعضهن بعد الاستدعاءات والضغوط الأمنية؛ وكثيرات في الأسابيع التي تلت الحرب بين إيران وإسرائيل والولايات المتحدة، حين وصل اقتصاد البلاد المنهار أصلاً إلى حافة الانهيار الكامل، واشتد شعور انعدام الأمن، وانسداد المستقبل، والاختناق الاجتماعي أكثر من أي وقت مضى.
بالنسبة لغالبية هؤلاء النساء، لم تكن إسطنبول مقراً للحياة، بل مجرد ممر، محطة قصيرة في طريقهن إلى أوروبا، ألمانيا، فرنسا، السويد، هولندا، كندا، الولايات المتحدة… كانت أسماء هذه الدول تلمع في أذهانهن كخريطة للخلاص، لكن هذا الممر تحوّل بالنسبة لمئات النساء الإيرانيات إلى غرفة احتجاز.

في أحد هذه البيوت المشتركة، تعيش إلهام. ق، البالغة ٣٤ عاماً وهي من مدينة كرج، مع امرأتين في غرفة بالطابق الأرضي. المدفأة لا تعمل جيداً كما الحال مع باقي الغرف، ورطوبة الجدران ترتفع حتى منتصفها. تقول "يوم خرجتُ من إيران، كنتُ أظن أنني أتجه نحو الحرية. الآن، بعد شهور، أشعر أن السجن فقط تغيّر شكله؛ هناك كان السجن جدراناً، وهنا السجن هو الفقر وانسداد الطريق".
تتكرر هذه الجملة بصيغ مختلفة على ألسنة كثير من النساء "كنا نظن أننا سنعبر، لكننا علقنا". الوقوع في فخ إسطنبول لا يعني فقط تأخر الرحلة، بل الغرق تدريجياً في حياة بلا استقرار، بلا حماية، وبلا أفق. وبحسب ما ترويه إلهام. ق، ففي أحياء فاتح، آق سراي، إسنيورت وزيتون بورنو الرخيصة، توجد شقق يكدس في كل غرفة منها عدد من النساء الإيرانيات؛ نساء بحقائب نصف مفتوحة دائماً، بأوراق ناقصة، وهواتف لا تهدأ ليلاً ونهاراً بحثًا عن عمل، أو عن مهرّب، أو عن زبون، أو فقط عن خبر يلمح إلى مستقبل أقل ظلمة. لكن في بعض هذه البيوت، لا يقتصر الانتظار على العمل أو طريق الخروج.
في أحد البيوت المشتركة في زيتون بورنو، تعيش أربع نساء إيرانيات وأحياناً يصل عددهن إلى عشر نساء مع حواسيب محمولة وهواتف لا تُطفأ. نساء يقضين جزءاً كبيراً من يومهن في أنشطة متفرقة لصالح مجموعات وشخصيات من المعارضة في الخارج، إدارة صفحات على مواقع التواصل، إعادة نشر الدعوات، المشاركة في البث المباشر؛ كلها بلا هدف واضح، فقط على أمل أن يراهنّ أحد، أن يسرّع أحد ملفهن، أن تُفتح لهن طريق نحو الأمان. في هذه الغرف، لم تعد السياسة خياراً واعياً، بل صارت شكلاً آخر من التمسّك بالنجاة. لم يدفعهنّ الانتماء التنظيمي إلى هذه الأنشطة، بل اليأس؛ على أمل أن القرب من وسيلة إعلام أو شخصية سياسية قد يضع أسماءهنّ في قوائم النقل أو الدعم. لكن ما حصلن لهن في النهاية كان استنزافاً ذهنياً، وتعلّقاً بوعود بلا أي أفق زمني لتحقيقها.
مريم. ن، البالغة من العمر ٣١ عاماً، كانت سابقاً موظفة في القسم الإداري لشركة تأمين خاصة في طهران. الآن تعمل في مطعم إيراني في منطقة فاتح، تغسل الصحون. يداها متشققتان من مواد التنظيف، تقول "في إيران كنتُ على الأقل أظن أن لديّ مستقبلاً، ولو سيئاً. هنا كل يوم أفكر فقط من أين سأدفع إيجار الغرفة".
في الجوار من أحد البيوت المشتركة، تعيش شابة مع طفلها البالغ ثلاث سنوات. يقضي ابنها معظم يومه وهو يلعب بجهاز لوحي مطفأ لم يبقَ فيه سوى بعض الصور القديمة. تقول الأم إنها جاءت من أجل مستقبل طفلها "كنتُ أظن أننا سنبقى هنا بضعة أشهر ثم نرحل، الآن زوجي يبحث عن طريقة للعودة، وأنا لا أريد أن نعود".
تعمل ليلاً في ورشة لصنع الحلويات، وتقضي نهاراها بين الأرق والقلق. تقول إنها منذ أشهر لا تستطيع النوم من دون مهدئات، فحبوب الأعصاب في كثير من هذه البيوت أصبحت عادية مثل الخبز والشاي. نساء يبقين مستيقظات ليلاً خوفاً من المستقبل، من الإيجار، من كوابيس العودة، أو من اتصالات الزبائن، ويبدأن صباحهن بعيون منتفخة وأعصاب منهكة. لكن بالنسبة لبعضهن، حتى هذه الأعمال المرهقة لا تتوفر.
تروي إلهام. ق عن امرأة باعت ذهبها لتدفع ثمن قارب إلى اليونان، لكن الشرطة التركية أعادتها في اللحظة الأخيرة بالضرب "عندما عادت، كانت تحدق في الجدار فقط. لم تتكلم ثلاثة أيام، وفي النهاية قالت إنها تريد أن ترمي نفسها في البحر".
والمجتمع المضيف ليس دائماً ملجأ. كثير من النساء يتحدثن عن الإهانة في استئجار البيوت، في العمل، وفي الشارع. الإيرانيات المهاجرات خصوصاً إن كن وحدهن، ينظر إليهن في الغالب كقوة عمل رخيصة، أو موضوع للاستغلال، أو جسد قابل للشراء. لكن لو اكتفينا بالنظر إلى إسطنبول، نكون قد رأينا نصف الحقيقة فقط؛ النصف الآخر في إيران. فهؤلاء النساء لسن ضحايا هجرة فاشلة فقط، بل ضحايا مباشرة لبنية جعلت المرأة في إيران مواطنة من الدرجة الثانية، قوة عمل رخيصة، جسداً تحت السيطرة، وصوتاً مقموعاً.
لقد حرمتهنّ الجمهورية الإسلامية عبر قوانين تمييزية، وقمع اجتماعي، وتضييق مهني، ليس فقط من الحرية، بل من القدرة على التخطيط للمستقبل. المرأة الإيرانية في هذا النظام مضطرة للقتال ضد التمييز الجندري، وانعدام الأمن الاقتصادي، والضغط الثقافي، والتهديد السياسي الدائم. والنتيجة الطبيعية لهذا الاستنزاف المزمن هي رغبة واسعة في الفرار.
سنوات من التمييز الجندري، الحجاب الإجباري، القيود المهنية، قمع الاحتجاجات، الملفات الأمنية، الأزمة الاقتصادية، التضخم، البطالة، ثم الحرب التي جعلت البقاء بالنسبة لآلاف الشابات مرادفاً للاختناق. لقد وضعت الجمهورية الإسلامية جيلاً من النساء المتعلمات والمستقلات والراغبات في حياة عادية أمام خيارين، إما البقاء والاستنزاف في الداخل، أو الرحيل والاستنزاف في المنفى. وهذا ليس خياراً حقيقياً، بل صياغة سياسية لمأزق مفروض.
إسطنبول اليوم مليئة بنساء هنّ نتاج مباشر لهذا الخنق؛ نساء طردتهنّ الجمهورية الإسلامية من بيوتهن، وابتلعتهنّ سوق الهجرة القاسي، وحتى جزء من المعارضة غير المنظمة في الخارج استغلّ أملهنّ المعلّق كقوة عمل مجانية. هنا، الفشل ليس فشل مشروع هجرة فقط، بل فشل حق إنساني أساسي: الحق في أن يكون للإنسان مستقبل.
وعندما تنعكس أضواء السفن على البوسفور ليلاً، وتمتلئ شارع الاستقلال والمقاهي المزدحمة بالضحك والموسيقى، هناك في جنوب المدينة غرف تحدّق فيها نساء إيرانيات في السقف، يحسبن الإيجار، والإقامة، والطعام، وجبة الغد، والثمن الذي يُستنزف كل يوم من أجسادهنّ ونفوسهنّ. إسطنبول بالنسبة لهن ليست مدينة عبور، بل ورشة صامتة للاستنزاف، مكاناً يتآكل فيه حلم النجاة يوماً بعد يوم.