مبادرة تعليمية تعيد الأمل لأطفال مخيم جباليا

على بعد عدة أمتار من الأليات الإسرائيلية، وبمحاذاة الخط الأصفر افتتحت مدرسة مدى التعليمية لتمنح أطفال المنطقة حقهم في التعلم من مرحلة الروضة حتى نهاية الإعدادية، في خطوة تعكس تمسك الأهالي بأرضهم، ومواجهة سياسات التجهيل والتهجير عبر التعليم.

رفيف اسليم

غزة ـ وسط ركام المنازل المدمرة في مخيم جباليا، بدأت مبادرة تعليمية صغيرة يقودها شبان وشابات رفضوا أن يُترك أطفال المخيم فريسة للجهل والحرمان. ففي ظل ظروف أمنية قاسية ونقصٍ حاد في المقومات الأساسية، تحولت إحدى البيوت شبه المدمرة إلى نقطة تعليمية تُعيد للأطفال حقهم الطبيعي في التعلم، وتمنحهم أملاً يتجاوز حدود الحرب والحصار.

المعلمة فداء الوحيدي أوضحت أن فكرة افتتاح المدرسة كانت جاءت بمبادرة من شبان وشابات المنطقة، الذين كانوا يشاهدون أطفال المخيم يكبرون دون تعليم، خاصة بعد امتداد الانقطاع من أيام إلى أشهر، وعدم رغبة الأهل بإرسال الأطفال إلى مراكز تعليمية تبعد عن المنطقة عدة كيلومترات، في ظل أوضاع أمنية متقلبة.

 

مدرسة على أنقاض منزل مدمر

وقالت "أنشأت المدرسة على أنقاض إحدى المنازل النصف مدمرة، وعلى بعد فقط ما يقارب 150 متر من الخط الأصفر، وقد تم تقسيمها إلى جزين أساسين الخيام للمرحلة الابتدائية، والمبنى الخرساني لطلاب المرحلة الإعدادية"، لافتة إلى أنها كنقطة تعليمة تفتقد لأبسط المقومات فلا مقاعد دراسية، ولا كتب، ولا حتى أقلام أو كراسات.

وبينت أن الطلاب يبحثون بين الركام عن الحجارة المناسبة لاستخدامها كبديل عن الطاولات، وهم يجلسون على الأرض، ما يسبب لهم أضرارً صحية، خاصة مع طول ساعات الدوام، لكنها تؤكد أن عزيمتهم تدفعهم لرفض الاستسلام وترك الدراسة "الجميع هنا يتدبر أمره بأقل الإمكانيات لتحصيل المهارات الأساسية في القراءة والكتابة باللغتين العربية والإنجليزية وإجراء العمليات الحسابية".

وأضافت "مشكلة كبيرة أن يبلغ الطفل 12 عاماً دون أن يعرف القراءة والكتابة والحساب، هذه ليست أزمة فردية بل مسؤولية جماعية، ويجب على الجميع المساهمة في حلها، فليس ذنب هؤلاء الأطفال أنهم أبناء مخيم جباليا الذي يرفض الخضوع لسياسات الاحتلال الهادفة إلى تفريغ الأرض، لتقام عليها مستوطنة الحرمان من التعليم"، مشيرة إلى أنه حتى الأطفال الصغار يتبنوا ذلك الفكر ويرفضون النزوح للمدينة أو جنوباً.

ولا تنكر تأثير الوضع الأمني على تركيز الطلبة، إذ تؤدي أصوات القصف وتحركات الآليات العسكرية إلى تشتت أذهانهن في اليوم التالي، وصعوبة في التركز واستيعاب المعلومات، لذلك تحرص المدرسة على تعزيز الأنشطة اللامنهجية، وتنظيم جلسات دعم النفسي فردية وجماعية للطلاب.

وأوضحت أن جميع المشاركين في دعم المبادرة التعليمة من المعلمين والمعلمات يحملون قصص فقد مؤلمة، فصاحب فكرة التأسيس فقد عائلته كاملة، وقد أوصته زوجته قبل وفاتها بعدم التخلي عن تعليم الأطفال، فأنشأ النقطة التعليمية وفاءً لذكراها، ويعمل في المدرسة 17 معلماً ومعلمة (5 معلمين و12 معلمة) دون رواتب أو مكافآت، على أمل انتهاء الأزمة وعودة المدراس إلى عملها الطبيعي.

وتطالب المعلمة فداء الوحيدي كافة المؤسسات المعنية بدعم النقاط التعليمية بغزة بما يلزمها من مقاعد وكتب دراسية، مبينة أن الأطفال صغار لا يستطيعون الاعتماد على أنفسهم لقطع مسافة 3 كيلو متر وهي أقرب نقطة تعليمية ومع عدم وجود الموصلات يبقى الحل الوحيد إنعاش النقطة التعليمة لمواجهة سياسة التجهيل.

 

بين حب الأرض وغياب المدارس

تقول الطالبة رغد المقيد من المرحلة الإعدادية، إنها منذ التحاقها بالنقطة التعليمة لاحظت تطوراً كبيراً في مهاراتها باللغة الإنجليزية، وقدرتها على حل المعادلات الرياضية، ما يؤهلها للانتقال إلى المرحلة الثانوية خلال عام، لكنها عبرت عن قلقها من عدم وجود مدرسة ثانوية قريبة.

وتبين أنها تكره الأيام التي تتدهور بها الأوضاع الميدانية ولا تستطيع الحضور للمدرسة، كون الإدارة تهيئ لهم كافة الظروف لتقديم الخدمات التعليمية والترفيهية المناسبة والرعاية النفسية أيضاً، لافتة إلى أن المدرسة تحتاج لمقاعد دراسية وأدوات تساعدهم على التعليم لتستطيع المزيد من الفتيات الحصول على حقهن في التعليم، والفصل بين المراحل الدراسية كون هناك أكثر من مرحلة دراسية تتعلم.

فيما تقطع فاطمة سالم، حديث سابقتها بالتأكيد على حق الفتيات في التعليم، مشيرة إلى أن المدرسة توفر المواد الأساسية الأربع عبر معلمين مختصين، وتساعد الطالبات على تنمية مهاراتهن في القراءة وكتابة الشعر، واصفة أنها تخشى العيش في تلك البقعة الجغرافية لكنها تحب بلادها ولا تفكر في مغادرتها، حتى لو توفرت فرص تعليمية أفضل في مكان آخر.