منصة الفعاليات المشتركة تختتم حملتها وتؤكد استمرار الدفاع عن حقوق المرأة
أكدت منصة الفعاليات المشتركة للحركات والتنظيمات النسائية في إقليم شمال وشرق سوريا، على أن انتهاء حملة مناهضة العنف زمنياً هو بداية مرحلة جديدة للدفاع المستمر عن حقوق المرأة وبناء مجتمع ديمقراطي عادل يضمن حقوقها كاملة.
الرقة ـ شكلت الحملة التي أطلقتها منصة الفعاليات المشتركة للحركات والتنظيمات النسائية في إقليم شمال وشرق سوريا، مساحة صوت مشتركة وإرادة جماعية لمناهضة جميع أشكال العنف والتمييز والإقصاء ضد المرأة.
اختتمت منصة الفعاليات المشتركة للحركات والتنظيمات النسائية في إقليم شمال وشرق سوريا، اليوم الأحد 30 تشرين الثاني/نوفمبر، حملتها التي انطلقت تحت شعار "معاً نبني مجتمعاً ديمقراطياً كومينالياً لإنهاء العنف"، بمنتدى حواري في مقاطعة الرقة شاركت فيه 100 امرأة من مختلف الحركات والتنظيمات النسائية.
الحملة التي شملت ندوات تثقيفية، مسيرات جماهيرية، فعاليات ثقافية ومنصات إعلامية، أكدت أن المرأة ليست تابعاً ولا ظلاً، بل شريكة أساسية في المقاومة والبناء وصناعة القرار، كما شددت على أن إقصاء المرأة من المجال السياسي والاجتماعي يعد شكلاً من أشكال العنف لا يقل خطورة عن العنف الجسدي والنفسي.
وخلال المنتدى الختامي، استذكرت المشاركات تضحيات الشهيدات اللواتي قدمن حياتهن دفاعاً عن القيم الإنسانية وحق المرأة في الوجود الحر، مؤكدات أن دماءهن تبقى حاضرة في الوجدان وتلزم الجميع بمواصلة النضال حتى تتحقق الحرية الكاملة للنساء.
وشهد المنتدى إلقاء كلمة من قبل نائبة إدارية هيئة المرأة التابعة للإدارة الذاتية لإقليم شمال وشرق سوريا عدالت عمر التي رحبت بالحضور مؤكدة أن هذا اللقاء يمثل محطة إنسانية كبرى للدفاع عن كرامة المرأة وحقوقها.
وقالت إن هذا اليوم لا يعد مجرد مناسبة رمزية، بل هو صرخة ضمير عالمي ودعوة لكسر جدار الصمت ومواجهة ثقافة العنف بكل أشكالها، مشددة على أن العنف ضد المرأة ليس فعلاً فردياً، بل انعكاس لبنية اجتماعية تحتاج إلى إصلاح عميق ووعي جماعي يعيد للمرأة مكانتها الطبيعية كشريكة في الحياة وصانعة للأمل وحافظة لذاكرة الأجيال.
وأشارت إلى أن فلسفة القائد عبد الله أوجلان حول "Jin Jiyan Azadî" تحولت من شعار إلى رؤية عالمية ألهمت حركات نسوية واجتماعية في مناطق متعددة وأسهمت في إعادة تعريف العلاقة بين المرأة والمجتمع وبين الحرية والحياة، مستذكرة النساء المقاومات في السويداء اللواتي حملن على أكتافهن ثقل الأرض وصوت الحرية، وجعلن من صبرهن جداراً يحمي الكرامة، مؤكدة أنهن كتبن تاريخاً لا يُمحى بالكلمة والفعل.
وأضافت أن هذا الاستذكار يمتد ليشمل النساء الأمميات اللواتي واجهن الاستعمار والقهر والعنف، وجعلن من التضحية لغةً مشتركة بين الشعوب ومن الأمل جسراً يعبر القارات، لتؤكد أن المقاومة ليست فعلاً محلياً بل وعداً إنسانياً يتجدد في كل جيل.
واختتمت عدالت عمر كلمتها بالدعوة إلى جعل هذا اليوم بداية جديدة تُكتب فيها فصول أكثر عدلاً وإنسانية في تاريخ سوريا، تُصان فيها كرامة النساء ويُبنى فيها مجتمع ديمقراطي يليق بالمرأة الحرة والإنسانية جمعاء.
أهم ما تداوله المحور الأول
وقدمت عضوة منسقية مؤتمر ستار لإقليم شمال وشرق سوريا جيان إبراهيم حسين، المحور الأول بعنوان "العنف ضد المرأة بين المفهوم والواقع"، حيث تناولت فيه الجذور التاريخية والاجتماعية لهذه الظاهرة وأبعادها المتعددة.
وأوضحت أن العنف ضد المرأة شكل تحولاً جوهرياً في مسار التاريخ البشري، إذ انتقلت المجتمعات من نمط حياة قائم على الشراكة والتعايش السلمي بقيادة "الآلهة الأم"، إلى هيمنة ذكورية كرست علاقات قائمة على السيطرة والإخضاع. هذا التحول لم يكن مجرد تغيير عابر، بل مثل انفصالا عن الجوهر الإنساني الأصيل، حيث تحولت المرأة من شريك وجودي إلى كائن مُستلب، وفقدت الإنسانية توازنها مع انتقال العلاقة من الانسجام مع الطبيعة إلى محاولة السيطرة عليها.
وأكدت أن هذا العنف ليس مجرد أفعال فردية، بل هو بنية ثقافية متراكمة عبر العصور، جعلت من المرأة "أول مستعمرة في التاريخ"، وفق رؤية القائد عبد الله أوجلان، الذي يعتبر أن تحرر المرأة هو بوابة تحرر المجتمع بأكمله. فالعنف، بحسب جيان حسين، نظام متكامل من الممارسات والرموز والعلاقات التي أعادت إنتاج نفسها عبر الأجيال.
أشكال العنف
وتطرقت إلى أشكال العنف المختلفة، من الجسدي واللفظي والرقمي والنفسي والجنسي والاقتصادي، وصولاً إلى العنف الأسري وزواج القاصرات والعنف المجتمعي والسياسي، مشيرة إلى خطورة تداخل هذه الأشكال وتشابكها، حيث يعزز بعضها بعضاً ويخلق نسيجاً معقداً من القمع، ولفتت إلى أن العنف اللفظي يمهّد للعنف الجسدي، وأن العنف الاقتصادي يبقي المرأة في حالة تبعية، فيما يمنح العنف المجتمعي الشرعية لهذه الممارسات تحت غطاء العادات والتقاليد.
كما بينت أن جذور العنف تعود إلى نظرة دونية للمرأة وثقافات مجتمعية تكرس التمييز، إضافة إلى تربيات عنيفة تولد شخصيات ضعيفة أو عدوانية، وعادات تجعل من العنف ضد المرأة أمرًا مقبولاً بل أحياناً مرغوباً، مشيرةً إلى إحصاءات الأمم المتحدة التي تكشف عن مقتل 137 امرأة وفتاة يومياً على يد أزواجهن أو أفراد عائلاتهن.
واستعرضت جيان حسين رؤية القائد أوجلان الذي يعتبر المرأة مفتاح الحرية والمساواة، ويصفها بأنها "طاقة متجددة للحياة"، مؤكدة أن تحررها هو حجر الأساس لتحرر المجتمع، مشيرةً إلى أن القائد أوجلان قدم في عام 1998 "أيديولوجية تحرير المرأة" كهدية للنساء، داعياً إلى كتابة تاريخ المرأة وتنفيذ ثورتها عبر بناء تحالف نسائي وتأسيس نظام كونفدرالي نسائي، يقوم على الدفاع عن الذات وتطوير السياسة الديمقراطية وبناء اقتصاد كومونالي وتحقيق العدالة الاجتماعية، ونشر فلسفة "Jin Jiyan Azadî" لتصبح شعاراً عالمياً.
وفي ختام المحور الأول قالت جيان حسين إن مواجهة العنف ضد المرأة ليست مهمة النساء وحدهن، بل هي مسؤولية جماعية تتطلب تحرير الوعي والفكر قبل تحرير الجسد، وبناء سرديات بديلة تعيد الاعتبار للشراكة الأصيلة بين الرجل والمرأة، مؤكدة أن تحرر المرأة ليس مجرد هدف، بل مشروع حياة وشرط أساسي لأي ديمقراطية حقيقية أو سلام مستدام، وأن المجتمع لا يمكن أن يكون حراً ما دامت نصفه تعيش تحت وطأة العنف، فيما يبدأ التحرر الحقيقي عندما تتحول المرأة من موضوع للعنف إلى فاعل في التغيير ومحرك للتحول المجتمعي.
المحور الثاني
فيما قدمت ريما بركات الرئيسة المشتركة لمجلس العدالة الاجتماعية في إقليم شمال وشرق سوريا، المحور الثاني مسلطة الضوء على العنف ضد المرأة في ضوء المعاهدات والقرارات الدولية، حيث استعرضت خلاله الأطر القانونية والحقوقية التي تناولت هذه القضية على المستوى العالمي.
وأوضحت ريما بركات أن العنف ضد المرأة ظاهرة قديمة متجذرة في التاريخ الإنساني، ارتبطت بعدم المساواة وتطورت من ممارسات اجتماعية وثقافية إلى قضية حقوقية عالمية تناقش في القوانين والاتفاقيات الدولية.
وبينت أن الأمم المتحدة عرفت العنف ضد المرأة بأنه أي فعل يقوم على أساس الجنس ويؤدي إلى أذى جسدي أو نفسي أو جنسي أو اقتصادي، بما في ذلك التهديد أو الحرمان أو تقييد الحرية، مؤكدة أنه يعد أكثر انتهاكات حقوق الإنسان انتشاراً في العالم وله عواقب خطيرة على المستويات الفردية والمجتمعية.
وتطرقت إلى أبرز أشكال العنف ومنها الإيذاء البدني، الاعتداء الجنسي، التعذيب، الحرمان من العلاج أو الغذاء، التقييد البدني، الضرب والقتل، مشيرة إلى أن انتشاره الواسع دفع القوانين الوطنية والاتفاقيات الدولية إلى اعتباره جريمة وانتهاكاً لحقوق الإنسان، واستعرضت إعلان الأمم المتحدة للقضاء على العنف ضد المرأة الصادر عام 1992.
كما تناولت ريما بركات تطور منظومة حقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية، مشيرة إلى أن ضغوط الحركات النسوية أسهمت في اعتماد اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) عام 1979، والتي دخلت حيز التنفيذ عام 1981 وصادقت عليها أكثر من 189 دولة.
وأكدت أن الاتفاقية تلزم الدول الموقعة بإدماج مبدأ المساواة في الدساتير والتشريعات، إلغاء القوانين التمييزية، وضمان حقوق المرأة في المشاركة السياسية، التعليم، العمل، الصحة، الزواج والطلاق، إضافة إلى حماية حقوق المرأة الريفية.
وأشارت إلى أن الاتفاقية تعتبر أداة قانونية ملزمة، تخضع لمتابعة دورية عبر تقارير الدول، إلا أن النزاعات المسلحة كشفت قصور القوانين السابقة مثل اتفاقيات لاهاي التي لم تمنح النساء حماية خاصة، ما دفع المجتمع الدولي إلى إدراج حماية النساء في القانون الدولي الإنساني باعتبارهن الفئة الأكثر عرضة للانتهاكات.
واختتم المحور بفتح باب النقاش أمام الحضور لتبادل الرؤى حول سبل مواجهة العنف وتعزيز دور المرأة في بناء مجتمع ديمقراطي، على أن تعلن في نهاية الندوة نتائج الحملة التي أطلقتها المؤسسات النسوية في هذا السياق.
أبرز التوصيات الختامية
واختتمت منصة الفعاليات المشتركة للحركات والتنظيمات النسائية في شمال وشرق سوريا، المنتدى الحواري ببيان ومجموعة من التوصيات.
وأكد البيان أن المرأة ليست تابعاً ولا ظلاً، بل شريكة أساسية في المقاومة والبناء وصناعة القرار، مشدداً على أن إقصاء المرأة من المجال السياسي والاجتماعي يُعد شكلاً خطيراً من أشكال العنف لا يقل عن العنف الجسدي والنفسي.
كما شدد على أن تمكين المرأة وتعزيز حضورها في مختلف مناحي الحياة هو الطريق الحقيقي لإنهاء العنف وبناء مجتمع ديمقراطي قائم على العدالة والمساواة، مع استذكار تضحيات الشهيدات اللواتي قدمن حياتهن دفاعاً عن القيم الإنسانية وحق المرأة في الوجود الحر.
ومن أبرز التوصيات الختامية تشديد العقوبات على مرتكبي جرائم العنف وضمان عدم الإفلات من العقاب، وتطوير المناهج التعليمية لترسيخ قيم المساواة والاحترام، ونشر الوعي المجتمعي بمخاطر العادات الضارة وتغيير الصور النمطية.
بالإضافة إلى تعزيز مشاركة المرأة في العمل السياسي والاقتصادي، وتمكين منظمات المجتمع المدني وإشراكها في جهود التوعية ومناهضة العنف، وكذلك تدريب كوادر متخصصة للتعامل مع قضايا العنف نفسياً وقانونياً واجتماعياً، وتوحيد الجهود النسوية عبر بناء جبهة مشتركة ترفع صوت المرأة في المحافل كافة.
وركز على ضرورة تفعيل الآليات القانونية والحقوقية لضمان بيئة آمنة للنساء، وتطبيق الاتفاقيات الدولية الخاصة بحقوق المرأة كمرجعية تشريعية وأخلاقية، واعتبار مناهضة العنف عملاً دائماً ومستداماً عبر خطط سنوية منظمة.