وقائع صادمة ترويها إحدى الشاهدات على مجازر كانون الثاني في طهران
بعد مرور ستة أشهر على القمع الدموي لاحتجاجات كانون الثاني/يناير في العاصمة الإيرانية طهران لا تزال الكثير من روايات تلك الأيام طيّ الكتمان.
هالة أميري
طهران ـ بعد مرور ستة أشهر على المجزرة التي شهدتها العاصمة الإيرانية طهران يومي 18 و19 كانون الثاني/يناير 2026 لا تزال هناك شهادات كثيرة لم تُروَ بعد، فالانقطاع الواسع لخدمة الإنترنت، إلى جانب حجم الانتهاكات التي رافقت قمع الاحتجاجات، حال دون توثيق العديد من التجارب والأسماء والذكريات.
إلهام كريمي (اسم مستعار) هي إحدى النساء اللواتي شاركن في احتجاجات كانون الثاني/يناير في طهران، ومن خلال شهادتها، يحاول هذا التقرير نقل جانب من التجربة المشتركة للنساء في تلك الاحتجاجات، وإبراز مشاعرهن ورؤيتهن لما جرى.
"لم يبقَ أحد في المنزل"
تعتبر إلهام كريمي أن يومي 18 و19 كانون الثاني/يناير لم يكونا بداية الاحتجاجات، بل امتداداً لموجة من التحركات الشعبية السابقة "بعد انطلاق الاحتجاجات في سوق طهران، كنا جميعاً تقريباً نتوقع أن يحدث شيء كبير، وعندما قُطع الإنترنت وبدأت الهتافات تُسمع، خرج معظم سكان الحي، من الأطفال إلى كبار السن، ففي 18 كانون الثاني كان عدد المحتجين أقل، لكن في اليوم الذي تلاه لم يبقَ أحد في مجمعنا السكني داخل منزله".
"النساء في طليعة الاحتجاجات"
وأشارت إلى الحضور البارز للنساء في الاحتجاجات التي شهدتها شوارع طهران، قائلةً "شاركت أعداد كبيرة من النساء في التظاهرات، بل إن كثيرات منهن وقفن في الصفوف الأمامية وكنّ يهتفن. وفي اليوم الأول، اجتمعت نساء الحي مع أطفالهن على أسطح المنازل، واستخدمنا مكبر صوت لإطلاق الهتافات. وفي اليوم التالي، نزل الجميع إلى الشوارع، بينما بقيت النساء اللواتي لديهن أطفال صغار عند مداخل المباني. وعندما بدأ إطلاق النار، تمكنّ من إنقاذ حياة كثيرين، إذ كان الجرحى يُنقلون إلى داخل المباني، وتُضمد جراحهم باستخدام الأوشحة".
وتضيف "في ذلك اليوم انتشرت قوات الأمن في الشوارع وسيطرت على الأحياء، وبعد قطع الإنترنت، لم يعد لدينا أي وسيلة لمعرفة ما يجري سوى القنوات الفضائية، كما وصلت رسائل نصية تحذيرية، وحتى التلفزيون الرسمي كان يبث تهديدات الدولة، لكن بعد الدعوات إلى التظاهر، تغيرت الأجواء تماماً، وكأن الناس كانوا مقتنعين بأن التغيير قادم".
وتابعت "في اليوم الثاني اكتظت الشوارع بالمحتجين في مختلف الأحياء، وكنت برفقة ابنتي البالغة من العمر تسع سنوات عندما سمعنا فجأة إطلاق النار، عندها بدأ الجميع يركضون نحو الأزقة، وطلبت من ابنتي أن تركض أمامي مباشرة، حتى أكون درعاً لها إذا جاءت الرصاصات من جهتي، في تلك اللحظة كان من الصعب تصديق أننا نتعرض لإطلاق نار حقيقي؛ كنا وسط ساحة حرب لا نعرف من أي اتجاه تأتي الطلقات".
"بقع الدم غطت الشوارع"
وفي وصفها لتلك الليلة قالت "كانت الجثث منتشرة في الشوارع والأزقة، ولم يكن يُسمع سوى صوت الرصاص والصراخ، وفي صباح اليوم التالي كانت شاحنات كبيرة تجمع الجثث من الطرقات، لم تكن الهواتف تعمل، والجميع في حالة صدمة، ومع ذلك استؤنفت الاحتجاجات وإنما على نطاق أضيق، فقد كانت المدينة أشبه بمنطقة عسكرية، ومع ذلك خرج من فقدوا أبناءهم إلى الشوارع بالحجارة والغضب، وفي الصباح تركزت الاحتجاجات أمام المستشفيات وبرادات الموتى، لكن في تلك الليلة أيضاً سقط قتلى وجرحى".
وعن حجم الخسائر وآثارها النفسية تقول "تضرر الناس من جميع النواحي. كانت بقع الدم تغطي الشوارع، وظلت ظاهرة لأيام. امتلأت المستشفيات بالمصابين، لكن الجراح لم تكن جسدية فقط. أحد الرجال الذين توفوا في تلك الليلة أصيب بسكتة قلبية بعدما شاهد ابنيه الشابين وقد قُتلا، كما أن ابن أحد معارفنا، وبعد اعتقاله، اتصل بأسرته وأخبرهم بمكان احتجازه، لكن بعد ساعات فقط كانت جثته هناك، لقد امتلأت المنازل والمستشفيات بالضحايا مجهولي الهوية. بعض الأهالي نقلوا الجرحى سراً خارج طهران إلى مدن أخرى، وهناك من ظل يحمل جثمان أحد أقاربه حتى الصباح، ثم تنقل بين المقابر بحثاً عن مكان لدفنه، وظلت شوارع طهران وكرج، طوال شهرين، مليئة بصور الضحايا وإعلانات العزاء. لقد تركت هذه الأحداث آثاراً عميقة، حتى إن الخوف ترسخ في نفوس الأطفال، والجميع يعيشون حالة من الحداد والصدمة النفسية".
"المطلب الوحيد كان الحرية والتغيير"
وفي ختام شهادتها، تقول إلهام كريمي أن "معظم الشباب الذين قُتلوا أو جُرحوا طالبوا فقط بالحرية والتغيير، لكن ما حصلنا عليه مختلف تماماً فلقد غيّرت هذه الاحتجاجات نظرة كثيرين إلى بعض وسائل الإعلام والجماعات السياسية في الخارج، التي حاولت توظيف الاحتجاجات أو التقليل من حجم مقتل الشباب، ولكن رغم كل الجرائم والمعاناة والدماء التي رأيناها، ما زلت آمل أن يصل صوت إيران إلى العالم، وأن نعيش يوماً الحرية الحقيقية".