معرض الكتاب بتونس… بوابة الأطفال إلى القراءة والمتعة

يستقطب معرض الكتاب الدولي بتونس العاصمة يومياً الأطفال واليافعين بإعداد كبيرة ليدركوا قيمة الكتب وشراء ما أمكن من قصص وألعاب.

نزيهة بوسعيدي

تونس ـ لا يختلف اثنان حول الدور المحوري الذي يلعبه الكتاب في حياة الناشئة، فهو أداة أساسية لصقل المعارف، وتطوير المهارات، وتنمية القدرات الذهنية. كما يساعد على تعويد الطفل على التفكير والتدبر والتركيز والصبر، ويثري رصيده اللغوي والمعرفي. والطفل الذي لا يعتاد القراءة منذ الصغر قد يجد صعوبة في تدارك هذه المكتسبات لاحقاً.

انطلاقاً من هذا الوعي، حرص عدد من الأساتذة والمربين وأصحاب مؤسسات الطفولة، إلى جانب الأولياء، على اصطحاب الأطفال إلى معرض الكتاب الدولي الذي انطلق منذ 23 نيسان/أبريل الفائت ويستمر لغاية 3 أيار/مايو الجاري، ليعيشوا تجربة مباشرة مع عالم الكتب، ويتعرفوا على قيمتها من خلال التواصل مع الباعة وملاحظة كثافة الزوار.

كما خصصت إدارة المعرض فضاءً متكاملاً للأطفال واليافعين، يضم كتباً وقصصاً ومراجع متنوعة، وخاصة الكتب الموازية التي يحتاجها التلاميذ. ولم تغفل الجهة المنظمة جانب الترفيه، إذ وفرت ألعاباً مختلفة تتيح للصغار قضاء وقت ممتع يجمع بين التعلم والمتعة، في تجربة تجعل الكتاب جزءاً طبيعياً من يومهم.

 

أطفال الروضات

كانت ملامح الفرح ترتسم بوضوح على وجوه الأطفال وهم يغادرون المعرض، فقد اكتشفوا عالماً واسعاً من الكتب والقصص والألعاب التي لم تخطر لهم من قبل. شعروا بسعادة كبيرة بعد اقتناء بعض هذه الكتب أو الألعاب، وربما أدركوا للمرة الأولى أن هناك قصصاً كثيرة كُتبت خصيصاً لهم، تتجاوز تلك التي اعتادوا مطالعتها مع أمهاتهم.

كما لفت انتباههم وجود ألعاب تعليمية تنمّي الفكر وتفتح آفاق الخيال، على عكس ألعاب الهاتف المحمول التي ترهق العين وتضعف القدرة على التركيز. كانت التجربة بالنسبة لهم أشبه ببوابة جديدة نحو عالم أرحب، يجمع بين المتعة والمعرفة، ويجعل من الكتاب رفيقاً محبباً لا يُستبدل.

سامية بن عبد الرحمن، عضوة في أكاديمية عين زغوان الجنوبية، بينما كانت تنظم صفوف الأطفال استعداداً لمغادرة المعرض تقول "اليوم قمنا بزيارة معرض الكتاب مع أطفال الأكاديمية حتى يتعرّفوا عن قرب على هذا الفضاء الثقافي، ويشتروا قصصاً وألعاباً فكرية تناسب أعمارهم. كما حصلوا على هدايا من المعرض".

وأضافت "أنا وزميلاتي المعلمات أردنا أن يدرك الأطفال منذ الصغر أن الكتاب أفضل بكثير من الهاتف، وأن ينشؤوا على حب المطالعة"، مؤكدة أن الأطفال كانوا سعداء جداً بهذه الزيارة، مشيرة إلى أن الباعة سمحوا لهم بالاطلاع على الصور والكتب، رغم ما أحدثوه من ضجيج وإرباك بسيط في ترتيب الكتب.

 

أطفال المدارس

كان المعرض الدولي للكتاب فرصة ثمينة أيضاً لتلاميذ الإعداديات لزيارته، خاصة وأن أعمارهم ومستواهم التعليمي يسمحان لهم باكتشاف أنواع مختلفة من الكتب بلغات متعددة، مثل القصص القصيرة والروايات والمراجع العلمية. غير أن الإدمان على الهاتف المحمول حرم الكثير منهم من التمتع بهذه الثروة المعرفية والاستفادة مما توفره من متعة القراءة وتوسيع المدارك.

وتبقى مثل هذه الزيارات مناسبة مهمة لإعادة ربط الناشئة بالكتاب، وإحياء علاقة قد تبهت في ظل سيطرة الشاشات على يومياتهم. وقالت أميرة بشيني، أستاذة اللغة العربية بالمدرسة الإعدادية "حرصنا اليوم على اصطحاب التلاميذ المشاركين في ورشات الرسم والأدب داخل القسم لزيارة معرض الكتاب الدولي، حتى يكتشفوا هذا الفضاء الثقافي ويتعلقوا بالمطالعة وقراءة الكتب. أردنا أن يلمسوا الكتاب، ويقتنوا ما يناسبهم من قصص ومراجع، وأن يعيشوا تجربة مباشرة مع عالم القراءة".

وأضافت "نطمح من خلال هذه الزيارة إلى غرس حب المطالعة والكتابة في نفوسهم، وتشجيعهم على الابتعاد قليلاً عن الاستعمال المفرط للهواتف المحمولة".

وأوضحت أن "المربي يربي ويعلم ويوجه، خاصة في هذا الزمن الذي تحاصر فيه التكنولوجيا التلميذ من كل جانب، وتبعده عن الكتاب. لذلك يصبح دورنا مضاعفاً في إعادة ربطه بالقراءة"، مختتمة بالقول "نحاول قدر المستطاع أن نقربهم من الكتب، وأن نعيد ربطهم بعائلاتهم أيضاً، حتى يناقشوا معهم أهمية المطالعة ويجعلوها جزءاً من حياتهم اليومية".

أيمن البجاوي، تلميذ بالسنة الثامنة أساسي قال "جئنا اليوم لزيارة معرض الكتاب للتعرف على مختلف أنواع الكتب وشرائها، واكتشاف معارف ومكتسبات جديدة"، مضيفة "أنصح زملائي التلاميذ بالمطالعة وقراءة الكتب الأدبية والثقافية، لأنها تثري الزاد اللغوي وتطور المعارف وتساعد على تعلم لغات ومهارات جديدة".

وعن ميوله القرائية، أوضح "أنا أفضل القصص العلمية، فهي بالنسبة لي الأهم والأكثر فائدة"، وختم بنصيحة لزملائه "أدعو التلاميذ إلى عدم الإفراط في استعمال الهاتف المحمول، ويمكنهم الاستعانة بتطبيقات تحد من مدة الاستخدام. كما أنصحهم بالاهتمام بواجباتهم المنزلية واستعداداتهم للامتحانات، إلى جانب قراءة الكتب والروايات الأدبية".

بدورها قالت نورس حامدي، تلميذة بالمدرسة الإعدادية "جئت إلى معرض الكتاب مع أستاذتي لاكتشاف هذا الفضاء الثقافي والتعرف على الكتب الجديدة التي لم نكن نعرفها من قبل"، مضيفة "المطالعة شيء مهم جداً، فهي تملأ وقت الفراغ وتساعد على تنمية مهارات الكتابة".

وعن تجربتها الشخصية، قالت "بفضل المطالعة بدأت أكتب الشعر والخواطر، وتساعدني أختي في تحسين ما أكتبه وتشجعني دائماً على المواصلة".

 

للأمهات دور هام

قالت سوسن صفر، وهي أم لطفلة تبلغ خمس سنوات ونصف وتستعد للالتحاق بالمدرسة السنة المقبلة، إن "للعائلة دوراً كبيراً في ترغيب الأطفال في المطالعة، وخاصة الأم التي تُعد القدوة الأولى في هذا المجال".

وأضافت أن "معرض الكتاب يمثل فرصة مهمة للاطلاع على مختلف العناوين، خصوصاً الكتب الموازية، إذ تجتمع فيه كل دور النشر، مما يتيح للأولياء اختيار ما يناسب أبناءهم، بل واقتناء مجموعات كاملة بأسعار مخفّضة".

وأوضحت أن اختيار القصة يجب أن يراعي "المستوى التعليمي للطفل، نوعية الكتابة، جودة الصور، ومدى تقبّل الطفل لها". وقدمت مثالاً ابنتها قائلة "ابنتي قليلة الحركة، لذلك أحرص على اختيار القصص والألعاب التي تناسب احتياجاتها. المعرض يوفر خيارات واسعة، وأحياناً يعرفك على أشياء مهمة لطفلك لم تكن تخطر ببالك".

 

صعوبات ولكن...

قالت كريمة الساحلي المسؤولة عن التسويق بدار المعارف سوسة، إن الإقبال على كتب وقصص الأطفال خلال هذه الدورة كان متوسطاً مقارنة بالدورات السابقة، لكنها عبرت عن أملها في توافد المزيد من الأطفال والأولياء خلال الأيام القادمة.

وأضافت أن "الهواتف واللوحات الإلكترونية ساهمت في تراجع الإقبال على الكتاب الورقي"، لكنها شددت على أن "الكتاب يظل الأصل"، مشيرة إلى أن الكثير من الأولياء أصبحوا أكثر وعياً بمخاطر الاستعمال المفرط للهاتف، خصوصاً لدى الأطفال بين ثلاث وست سنوات.

وأكدت أنه من الأفضل أن يتعلق الطفل بالكتاب منذ الصغر، قائلة "من دون جيل يقرأ، لا يمكن أن نحافظ على البلاد"، مشددة على أن "المربي مطالب بإعادة الاعتبار لحصة المطالعة" داخل القسم، لأنها أساسية في إعادة الطفل إلى عالم الكتب وتنمية مهاراته اللغوية والفكرية.

وختمت حديثها بالإشارة إلى أن "دور النشر تواجه صعوبات عديدة، خاصة على مستوى التسويق"، لكنها تواصل عملها رغم ذلك، محافظة على رسالتها الثقافية من خلال توفير نصوص جيدة وصور جذابة تشجع الأطفال على المطالعة، مع التأكيد على أهمية دور الولي والمربي في هذا المسار.