دوامة "لا سلام ولا حرب" ترسم ملامح الصراع المتصاعد بين طهران وواشنطن
تتزامن الهجمات المتصاعدة في جنوب إيران مع استمرار المسار الدبلوماسي بين طهران وواشنطن، في مشهد يعكس تداخل الحرب والتفاوض ضمن صراع إقليمي واسع، وسط مخاوف من توسع المواجهة وتأثيراتها على أمن الخليج والاقتصاد العالمي.
مركز الأخبار ـ تتواصل الاتصالات غير المعلنة بين إيران وواشنطن رغم التصعيد العسكري في الخليج، في محاولة لضبط الأزمة ومنع انزلاقها إلى مواجهة شاملة، إذ يسعى الطرفان إلى تحسين شروط التفاوض وتثبيت موقعهما في أي تسوية محتملة خلال المرحلة المقبلة.
تزامن نشر التقارير حول الموجة الثالثة من الهجمات على جنوب إيران قبل ثلاثة أيام، وصباح اليوم الأحد 12 تموز/يوليو، مع تجدد التساؤلات بشأن أسباب عدم وصول الحرب إلى مرحلة حاسمة واستمرار المفاوضات رغم تصاعد العمليات العسكرية، وتشير المعطيات الواردة إلى سماع دوي انفجارات في بوشهر، عسلوية، بندر دير، كانجان، بندر عباس، قشم، جاسك، سيريك، كونارك، شابهار، هنديجان، ماهشهر، وفي الوقت نفسه تحدثت بعض وسائل الإعلام المحلية عن احتمال استهداف رصيف بندر دير، إلى جانب تقارير غير مؤكدة حول إطلاق صواريخ من البحرين باتجاه إيران وهي مزاعم لم تحظ بتأكيد رسمي حتى الآن.
وللوهلة الأولى، يبدو استمرار الهجمات العسكرية والجهود الدبلوماسية في آن واحد أمراً متناقضاً، لكن الحقيقة هي أن الأزمة بين إيران والولايات المتحدة قد دخلت مرحلة لم تعد فيها الحرب والتفاوض مسارين منفصلين، بل أصبحتا أداتين لتحقيق هدف مشترك: تغيير ميزان القوى دون الدخول في حرب شاملة.
الشرق الأوسط في نظام جديد
إن ما يحدث في الخليج العربي اليوم ليس مجرد استمرار للنزاع الطويل الأمد بين إيران والولايات المتحدة، فالمنطقة تشهد تحولاً نحو نظام جديد، نظام لا تستطيع فيه أي قوة بمفردها فرض قواعد اللعبة، لا تزال الولايات المتحدة اللاعب العسكري الأهم في المنطقة، لكن نفوذها لم يعد كما كان عليه قبل عقدين من الزمن، في المقابل تواجه الجمهورية الإسلامية ضغوطاً اقتصادية وعسكرية وسياسية غير مسبوقة في سعيها للحفاظ على شبكة نفوذها الإقليمي، وفي مثل هذه الظروف لا يتمثل الهدف الرئيسي لكلا الجانبين في تدمير بعضهما البعض، بل في تحديد مكانتهما في النظام المستقبلي للشرق الأوسط.
"إدارة إيران"
وعلى عكس حرب العراق عام 2003، لم تعد استراتيجية واشنطن تعتمد على تغيير النظام أو الاحتلال العسكري لإيران، فقد أظهرت تجربة أفغانستان والعراق أن انهيار الحكومة لا يؤدي بالضرورة إلى الاستقرار، بل قد يخلق فراغاً يُغرق المنطقة لسنوات طويلة في حالة من عدم الاستقرار وظهور الجماعات المسلحة، والأزمات الإنسانية.
من وجهة النظر الأمريكية، يتمثل الهدف الأكثر واقعية في احتواء القدرات الصاروخية الإيرانية، والحد من النفوذ الإقليمي للجمهورية الإسلامية، والحفاظ على أمن طرق الطاقة، وإجبار طهران على قبول اتفاق جديد؛ وليس الدخول في حرب تفوق تكاليفها فوائدها.
من أجل "البقاء" وليس من أجل النصر
تدرك الجمهورية الإسلامية أن هزيمة الولايات المتحدة عسكرياً أو إخراجها من المنطقة هدفٌ غير قابل للتحقق، لذلك ترتكز استراتيجيتها على رفع تكلفة المواجهة بالنسبة لواشنطن، وتتمثل أولويتها القصوى في الحفاظ على بقاء النظام، ومنع انهيار الردع، وتجنب الدخول في أي اتفاق من موقع ضعف، وعليه تُبقي طهران قنوات التفاوض مفتوحة بالتوازي مع ردّها على الهجمات.
الحرب هي اللغة الجديدة للدبلوماسية
ومن أهم سمات الأزمة الحالية أن العمليات العسكرية لم تعد نهاية الدبلوماسية، بل أصبحت جزءاً منها، كل هجوم، وكل تحرك عسكري، وكل تهديد سياسي، يبعث برسالة إلى الطرف الآخر، والهدف من هذه الإجراءات هو تغيير موازين القوى قبل أي عودة محتملة إلى طاولة المفاوضات، وبعبارة أخرى، تلعب الصواريخ اليوم نفس الدور الذي لعبته التصريحات السياسية في الماضي وهي: زيادة القدرة على المساومة.
المفارقة الكبرى
ولعل أهم نقطة في فهم أزمة اليوم هي أن طهران وواشنطن، على الرغم من العداء العميق بينهما، تشتركان في قلق أساسي: لا يريد أي منهما حرباً تخرج عن سيطرتهما، تدرك الولايات المتحدة أن الحرب الشاملة قد تؤدي إلى زيادة حادة في أسعار الطاقة العالمية، وتهديد أمن حلفائها، وتعريض قواتها في جميع أنحاء المنطقة للهجوم، في الوقت نفسه تدرك الجمهورية الإسلامية أن الحرب واسعة النطاق قد تتسبب في أضرار لا يمكن إصلاحها للبنية التحتية الاقتصادية والعسكرية للبلاد وتزيد من الضغوط الداخلية، وقد تسبب هذا الخوف المشترك في تواجد كلا الجانبين في ساحة المعركة وخلف القنوات الدبلوماسية في نفس الوقت.
عقدة الاقتصاد العالمي والأمن الإقليمي
إذا كان البرنامج النووي هو المحور السياسي للنزاع، فإن مضيق هرمز يمثل المحور الجيوسياسي الأهم للأزمة، وتسعى إيران إلى زيادة تكلفة أي ضغط عسكري على الولايات المتحدة وحلفائها بالاعتماد على موقعها الاستراتيجي، في المقابل تعتبر واشنطن الحفاظ على أمن الملاحة وتدفقات الطاقة جزءاً من أمنها القومي، ولهذا السبب، فإن أي تطور عسكري في جنوب إيران ليس مجرد حدث أمني، ولكنه مرتبط بشكل مباشر بالاقتصاد العالمي.
إسرائيل فاعل يعقد المعادلة
وإلى جانب إيران والولايات المتحدة، تُعد إسرائيل أيضاً من اللاعبين المؤثرين في هذه الأزمة، وتعتبر تل أبيب إضعاف القدرات العسكرية والإقليمية للجمهورية الإسلامية جزءاً من استراتيجيتها الأمنية، وقد أدى ذلك إلى اتخاذ أي تطورات على الأرض أبعاداً إقليمية أوسع، ونتيجة لذلك لم تعد الأزمة مجرد مواجهة ثنائية، بل أصبحت منافسة متعددة المستويات بين مختلف الجهات الفاعلة في الشرق الأوسط.
أكبر المخاطر
مع أن كلا الطرفين لا يرغب في حرب شاملة، إلا أن الخطر الحقيقي يكمن في مكان آخر: سوء التقدير فاستهداف منشأة حيوية، أو مقتل عدد كبير من الجنود، أو سوء فهم تصرفات الطرف الآخر، قد يؤدي إلى سلسلة من ردود الفعل التي لا يستطيع أي من الطرفين احتواءها، لقد أظهر التاريخ أن العديد من الحروب الكبرى لم تبدأ بقرار القتال، بل بعدم القدرة على احتواء الأزمة.
المستقبل لا سلام ولا حرب بل تآكل
وتشير الأدلة المتاحة إلى أن طهران وواشنطن لا تسعيان لإنهاء هذا الصدام، على الأقل في المدى القريب، يحاول كلا الجانبين إضعاف الآخر دون تجاوز عتبة الحرب الشاملة، والدخول في أي اتفاق ممكن مع ضمان تفوق الطرف الآخر لهذا السبب، فإن ما يحدث في الشرق الأوسط اليوم ليس وقفاً دائماً لإطلاق النار ولا حرباً لتحقيق نصر نهائي، بل هو معركة استنزاف لتشكيل موازين القوى في النظام الجديد للمنطقة، وإلى أن يُحسم هذا التوازن ستستمر دوامة "لا سلام ولا حرب".
وفي غضون ذلك، يدفع الشعب ثمن هذه الدوامة من التآكل بين طهران وواشنطن أكثر من أي شيء آخر؛ شعب لا يشارك في قرارات الحرب أو الحسابات السياسية للقوى، ولكنه يتحمل تبعاتها في صورة انعدام الأمن، والضغوط الاقتصادية، وارتفاع تكاليف المعيشة، وتعطيل الحياة اليومية، والقلق الدائم من اتساع رقعة الصراع. وبينما يسعى كلا الجانبين إلى تعزيز مواقعه عبر الضغط العسكري والسياسي، فإن التكلفة الحقيقية لهذه المواجهة تقع على عاتق مجتمع عالق بين العقوبات، وخطر الحرب، وعدم الاستقرار الإقليمي.