بين حكايات الفقد يتجدد الوفاء... أمهات الشهداء في السويداء يحيين ذكرى شهداء براق

أحيت أهالي مدينة السويداء الذكرى السنوية لشهداء براق، في فعالية شهدت حضوراً لافتاً لأمهات الشهداء وذويهم الذين جسّدوا بصمودهم معنى الوفاء والتضحية، تخللت الفعالية شهادات مؤثرة روت فيها عائلات الشهداء تفاصيل الفقد ولحظات الوداع الأخيرة.

روشيل جونيور

السويداء ـ أكدت المشاركات في الفعالية التي شهدتها مدينة السويداء، أن أبناءهم لبوا نداء النخوة والدفاع عن أهلهم في صحنايا وجرمانا والأشرفية قبل أن يقعوا في كمين الغدر، معبرات عن فخرهن بتضحيات الشبان الذين قاتلوا حتى اللحظات الأخيرة.

في مشهد مفعم بالوفاء ومعاني التضحية، تقدّمت أمهات الشهداء اليوم الخميس 30 نيسان/أبريل صفوف الحضور، وهن يحملن وجع الفقد بقلوب ثابتة، ويجسدن بصبرهن وصمودهن معنى التضحية الحقيقية، خلال إحياء الذكرى السنوية لشهداء براق الذين ارتقوا دفاعاً عن أهلهم في صحنايا وجرمانا والأشرفية، وتحوّل حضورهن إلى شهادة حيّة على ألم لا يغيب، وذاكرة لا تنطفئ.

وأقيمت الفعالية في المركز الثقافي بمدينة السويداء، حيث اجتمعت الأمهات وذووهم لاستحضار تضحيات أبنائهم وتخليد ذكراهم التي ما زالت تنبض في وجدانهم، وتزيّنت المنصة بالصور، فيما أُضيئت الشموع تكريماً لأرواحهم، وسط أجواء امتزج فيها الحزن بالفخر، والدمعة بالعزّة.

         


        

"لبى النداء"

ومن بين الأصوات التي عبرت عن حجم الفاجعة والألم، كانت مهانة شهيب والدة أحد الشهداء التي روت قصة فقدان ابنها، مشيرةً إلى أنه كان على أعتاب الفرح، إذ كان يوم زفافه قريباً، إلا أنّه عندما طلبوا "الفزعة" كان من أوائل من لبوا النداء، دون تردد لكنه لم يعد بعدها.
 

"خرجوا فزعة"

من جانبها تحدثت إخلاص الوقية، وهي عمة لأحد الشهداء، عن تفاصيل الفاجعة، قائلة إن الشبان خرجوا "فزعة" بعد نداء استغاثة كما جرت العادة بين أبناء الدروز، إلا أنهم تعرضوا لكمين، مضيفةً أن الضحية كان سنداً لهم جميعاً وعرف بشجاعته وجرأته "عاش شجاعاً واستشهد بطلاً"، مشيرةً إلى أن الثلاثين من نيسان/أبريل، كان من أقسى الأيام التي مرت عليهم، وأنه رغم مرور الوقت لم يخفف من ألم الفقد.
 

"أصعب ما يمكن تحمله"

ومن جهتها، قالت رائدة أبو منصور، والدة أحد الشهداء إن ابنها كان من شباب النخوة والكرامة، وأباً لطفلين، ومن شباب صلخد الذين وقفوا وقفة عز، مؤكدة أنها ترفع رأسها به رغم الألم الكبير، وأنه كان دائماً يقول لها "ولادي بيربوا، بس ما منترك أرضنا إذا نحنا ما دافعنا عنها مين بدو يدافع"، مضيفةَ أن فراقه كان قاسياً جداً، وأن العام التي مر كان من أصعب ما يمكن تحمله، وسط شوق لا ينتهي له.

         


        

"الغدر باغتهم"

وأكدت لين شلغين شقيقة أحد الشهداء الذين ارتقوا في كمين براق أثناء توجههم "فزعة" إلى صحنايا، أن الغدر باغتهم رغم أنهم خرجوا بدافع النخوة والواجب، لافتةً إلى أن شقيقيها كانا من بين الشباب الذين قاوموا حتى اللحظات الأخيرة، وبقوا يقاتلون حتى نفدت الذخيرة، في مشهد يعكس شجاعتهم وصلابتهم.

وأضافت أنّ ما ميزهم كان "نخوتهم"، معتبرةً أن العائلة خسرت سنداً كبيراً، وأن الألم لا يزال حاضراً رغم مرور الوقت، مشيرةً إلى أنهم يرون أنفسهم فيهم وبشجاعتهم "أن ذكراهم تبقى حاضرة في كل تفاصيل الحياة اليومية، وأن فقدانهم كان خسارة لا تعوض".
 

"النداء كان أقوى من التحذير"

بدورها روت شذى مكارم شقيقة أحد الشهداء تفاصيل اللحظات التي سبقت الفقد، قائلة إنها كانت على تواصل دائم مع شقيقها وتنتظر عودته، قبل أن يخبرها بأنهم "محاصرون في كمين براق" برفقة عدد كبير من الشباب الذين خرجوا لتلبية نداء الفزعة، مشيرةً إلى خطورة المنطقة، إلا أن النداء كان أقوى من التحذير.

وأضافت أن اللحظة كانت قاسية جداً، خاصة بعد انقطاع الأخبار وتأخر تسليم الجثامين لأيام، ما أبقاها بين الأمل والألم، قبل أن تتأكد الحقيقة تدريجياً عبر المشاهد التي كانت تصل عن طريق التواصل الافتراضي والتي وصفتها بالمؤلمة والموجعة، مؤكدة أن شعور الانتظار كان من أصعب ما مر عليها، وأنها ستبقى تنتظره في قلبها "ليس عام أو سنوات بل مدى العمر".
 

"لم يتأخر يوماً عن أي نداء"

قالت سامية سيف، زوجة والد أحد الشهداء، إن الشاب كان يدرس الهندسة ولم يتبقَّ له سوى مادتين للتخرج، واصفةً إياه بالشجاع والمثقف والمحبوب، مضيفةً أنه كان يعتبر الجبل وأهله مسؤولية شخصية، فكان يترك جامعته أحياناً ليشارك في الفزعات دون تردد، مؤكدةً أنه لم يتأخر يوماً عن أي نداء.

والجدير بالذكر أن مجموعة من الشبان من أبناء السويداء خرجوا في 30 نيسان/أبريل 2025 استجابةً لنداء "الفزعة" للدفاع عن أهالي صحنايا وجرمانا والأشرفية بعد ورود معلومات عن خطر يهدد المنطقة، أثناء توجههم، وقعوا في كمين في منطقة براق، ما أدى إلى مقتل عدد كبير منهم، في حادثة تركت أثراً عميقاً في المجتمع المحلي، وأصبحت تُعرف باسم "كمين براق".