أزمة المياه في جوانرو حقٌّ للشعب أم ترخيص للمتميزين؟

حين تتحول المياه إلى شريان الحياة في جوانرو بشرق كردستان، إلى امتيازٍ لا يوزع بعدالة، فالتفاوت الصارخ لا يفسر إلا بغياب الإنصاف، وخللٍ عميقٍ في منظومة العدالة الاجتماعية.

سوما كرمي

جوانرو ـ أكدت نساء مدينة جوانرو بشرق كردستان على أن أزمة المياه ليست مجرد خلل تقني، بل نتيجة سوء إدارة وتوزيع غير عادل للموارد، مشيرات إلى أن النفوذ والفساد في منح التصاريح والبناء يزيدان من تفاقم الأزمة ويكرّسان الظلم الاجتماعي.

تواجه مدينة جوانرو اليوم تحديات متفاقمة، أبزرها أزمة نقص المياه التي باتت تهدد الحياة اليومية للسكان، وتفوق في حدّتها على أزمة انقطاع الكهرباء التي أضافت عبئاً جديداً، وعلى الرغم من تعدد الأزمات فإن الاحتجاجات الشعبية تتركّز حول المياه، باعتبارها مصدر للحياة التي لا غنى عنه، ومع حلول كل صيف تعاني القرى والأحياء ذات البنية التحتية الهشة مثل (سعدي، شورى، مسكن مهر) من شحّ المياه، لكن هذا العام امتدت الأزمة لتشمل المدينة بأكملها، وفي مشهد غير مسبوق لا يمكن اختزال هذه المشكلة في خلل تقني بل هي نتيجة تراكمات من سوء الإدارة وغياب التخطيط الاستراتيجي.

وحين تُحرم الأحياء من المياه لأيام، فذلك يشير إلى خلل في تصميم الشبكة، أو إلى توزيع غير منصف كما أن تحويل المياه العامة نحو المشاريع الخاصة ليست مجرد أزمة خدمات، بل انتهاك صارخ للكرامة الإنسانية وضربة تمس جوهر الحياة في المدينة.

تهمينة مرادي، إحدى سكان حي الشورى، تقول "لم نحصل على قطرة ماء واحدة طول ثلاثة أيام، اضطررنا لحمل الدلاء والذهاب إلى الحدائق أو منازل الأقارب فقط لنلبي احتياجاتنا الأساسية، كنت أقوم بذلك بنفسي حتى أصابني ألم في ظهري، ومع كل هذا العناء لم يكلفوا أنفسهم حتى بإرسال صهريج واحد".

وأشارت إلى أنهم يعيشون في أطراف المدينة وفي الأزقة ذات السلالم منذ سنوات طويلة "حتى قبل أن تتفاقم الأزمة لم تكن المياه تصلنا إلا لبضع ساعات يومياً خلال فصل الصيف، وكنا نعتمد عملياً على الصهاريج، هذا الوضع كان جزءاً من حياتنا اليومية لكن ما يزيد من مرارة التجربة هو أن أحياء مثل بهداري وهلاني لم تشهد انقطاعاً للمياه قط، هذا التفاوت لا يمكن تفسيره إلا بوجود خلل في العدالة وتجاهل واضح لأصواتنا ومعاناتنا".

وأكدت أنه عند توصيل المياه إلى الشقق ينقطع التيار الكهربائي ولا تعمل المضخات فلا تصل المياه إلا إلى الطابق الأرضي، مما يشكل معاناة يومية للعائلات التي لديها أطفال أو كبار في السن.

كما تشكو تهمينة مرادي من ارتفاع الفواتير، خاصة بعد أن أصبح الماء أكثر تكلفة "أشعر بالخجل من الذهاب إلى منازل الآخرين لجلب الماء، حتى الحدائق أحياناً لا تتوفر فيها المياه والعشب جاف، لكن الفلل التي تُقدر قيمتها بمليارات الدولارات مليئة بأحواض السباحة".

وتساءلت لماذا لا تصل الصهاريج في الوقت المحدد؟ لماذا تُصبح اجتماعات الأزمة مجرد كلام؟ والأهم من ذلك لماذا لا يتم محاسبة أي مسؤول؟

وفي ضواحي جوانرو، يتزايد بناء الفلل والبيوت ذات الحدائق لكن المشكلة الرئيسية تكمن في الفروع غير المرخصة لهذه الفلل، حيث يشتري أصحاب النفوذ حقوق الناس دون ترخيص بدفع المال، في حين تواجه العديد من العائلات نقصاً في المياه وانخفاضاً في ضغطها، تُستخدم موارد المياه في أحواض السباحة وسقي الحدائق، وغسل السيارات، وهو ما يُمثل رمزاً للظلم وضعف الرقابة، إن تجاهل هذا الوضع يُهلك البنية التحتية ويدمر ثقة الناس بالعدالة.

بالإضافة إلى ذلك، تُشكل مشاريع مثل حفر الأنفاق ونقل المياه من بني لافان إلى مدن مثل سربل ذهاب، دون مراعاة هشاشة موارد المياه إنذاراً خطيراً للبيئة، إن غياب الإدارة المستدامة وتجاهل حقائق المناخ يُؤديان إلى تدمير موارد المياه القيّمة في المنطقة.

من جانبها قالت هناء أحمدي، إحدى سكان صفي آباد "لم يعد نقص المياه مشكلة موسمية، بل تحول إلى جزء لا يتجزأ من حياتنا اليومية، عدد سكان القرية تضاعف بشكل كبير ومع ذلك لم يتم بناء خزان جديد، الخزان الحالي صمم لتلبية احتياجات 160 أسرة، واليوم يطلب منه أن يخدم عدداً يفوق ذلك بعشرة أضعاف وهو عاجز تماماً عن ذلك".

وأشارت إلى أنه "نشهد يومياً بناء مبانٍ من ستة أو سبعة طوابق، على الرغم من أن التصاريح الرسمية لا تسمح ببناء أكثر من ثلاثة طوابق، كثيرون يدفعون للمجلس المحلي أو لعمدة القرية للحصول على موافقة غير قانونية، لإضافة طوابق إضافية أو حتى للبناء دون أي ترخيص، والأسوأ أن مياه المدينة تُستخدم في عمليات البناء، بينما يُحرم السكان منها لصب الخرسانة"، مؤكدةً أنه على الرغم من الإيرادات الكبيرة والتي تُجنى من هذه الإنشاءات، لا يُخصص منها شيء يُذكر لمعالجة أزمة المياه، التصاريح تُمنح في الغالب لأصحاب النفوذ، وليس لمن هم في أمسّ الحاجة إليها.