إتلاف الأسلحة في كهف جاسنة... رسائل السلام بعيون من شهدوا الحدث

لطالما ناضل الشعب الكردي من أجل السلام، لكنه اضطر في أوقات الهجمات إلى حمل السلاح دفاعاً عن أرضه، وفي نهاية المطاف، وبمبادرة من القائد عبد الله أوجلان، أتلف أسلحته كرمز للسعي نحو السلام.

هيلين أحمد

السليمانية ـ لم يكن كهف جاسنة عبر التاريخ مجرد موقع جغرافي، بل في إحدى المراحل أصبح مكاناً ارتفع منه صوت المطالبة بالحقوق، وفي مرحلة أخرى أصبح مسرحاً لحدث مهم من أحداث التاريخ المعاصر.

بعض الأماكن ليست مجرد أراضٍ، بل تحمل ذاكرة وتاريخ الشعوب، ويُعد كهف جاسنة أحد هذه المواقع التي شهدت خلال قرن واحد حدثين بارزين من تاريخ كردستان، ففي بداية القرن الماضي، نشر الشيخ محمود الحفيد في هذا المكان أحد أعداد صحيفة (نداء الحق)، وهي صحيفة أصبحت صوتاً للمطالب والوعي القومي، وبعد قرابة قرن، وتحديداً في 11 تموز/يوليو 2025، عاد كهف جاسنة إلى واجهة الأحداث عندما أُقيمت فيه مراسم اتلاف أسلحة مجموعة من مقاتلي ومقاتلات حزب العمال الكردستاني (PKK)، ضمن إطار عملية السلام والمجتمع الديمقراطي التي أطلقها القائد عبد الله أوجلان.

في ذلك اليوم، حضر عدد من السياسيين والصحفيين والمراقبين، ودخل 30 مقاتلاً (15 امرأة و15 رجلاً) إلى موقع المراسم في تنظيمٍ متناسق، وبعد تلاوة رسالة، أُتلفت الأسلحة، ثم غادر المقاتلون والمقاتلات المكان.

 

شهادة من داخل مراسم إتلاف الأسلحة في كهف جاسنة

 

 

وصفت الصحفية تَوار عادل وهي من مدينة السليمانية في إقليم كردستان وكانت شاهدة وناقلة للحدث، عملية إتلاف الأسلحة بأنها رسالة سياسية واضحة تعكس استعداد الحزب للانخراط الجاد في مسار السلام، مؤكدة أن المبادرة حملت دلالات عميقة على مستوى المشهد السياسي.

وقالت "كنا شهوداً على حدث تاريخي للشعب الكردي، ومن خلال عملنا الإعلامي، واكبنا وغطينا عملية إحراق الأسلحة التي نفذها المقاتلون والمقاتلات، في مشهد يجسد التحول نحو مرحلة جديدة".

وأضافت أن مبادرة السلام التي طرحها القائد عبد الله أوجلان نجحت في استقطاب مختلف القوى والأحزاب السياسية، بل وجمعت حتى خصوم الشعب الكردي في مكان واحد، في خطوة عكست أهمية الحوار وإمكانية فتح صفحة جديدة قائمة على الحلول السياسية.

واستذكرت، بصفتها إحدى الصحفيات اللواتي شاركن في تغطية مراسم اتلاف الأسلحة في 11 تموز/يوليو 2025، الأجواء التي سبقت انطلاق الحدث، مشيرة إلى أن جميع الحاضرين، من مواطنين ونشطاء سياسيين وأمهات السلام في شمال كردستان، إلى جانب مراقبين سياسيين وممثلين عن جهاز الاستخبارات التركية، كانوا ينتظرون بدء المراسم دون معرفة ما سيجري خلالها. وأضافت أنه قبيل انطلاقها أُبلغ الجميع بعدم رفع الشعارات أو إلقاء البيانات، إلا أن أنصار حركة الحرية وأمهات السلام، ومع ظهور المقاتلين والمقاتلات، وقفوا مرددين شعار "عاش القائد عبد الله أوجلان".

ورغم محاولات المراقبين الإشارة إلى ضرورة التزام الصمت، فإن الحاضرين، بعيون ممتلئة بالدموع ومشاعر مختلطة بين الفرح والتأثر، استقبلوا المشهد بالتصفيق والهتافات، وبعد ذلك، أُعلن عن اتلاف الأسلحة والرسالة التي يحملها هذا الحدث، وتقدمت مجموعات من المقاتلين والمقاتلات، بقيادة بسي هوزات، وقاموا بإتلاف أسلحتهم، وبعد انتهاء المراسم، عاد المقاتلون والمقاتلات إلى عمق الجبال.

 

صدى ظهور المقاتلات بقيادة بسي هوزات

ظهور بسي هوزات ومجموعة من رفاق القائد عبد الله أوجلان خلال المراسم شكّل صدمة كبيرة بالنسبة للمراقبين الأتراك وأجهزة الاستخبارات التركية بحسب ما قالته توار عادل "ظهور المجموعة بقيادة بسي هوزات كان أمراً غير متوقع، فقد تحدثت السلطات التركية والعديد من المراقبين عن احتمال تسليم الأسلحة تحت إشراف الولايات المتحدة، بحيث يتم تسلم رموز الأسلحة ومن ثم تسليمها، لكن المقاتلين والمقاتلات اختاروا إحراق أسلحتهم".

وأضافت "إن رسالة النزول إلى الساحة، وإحراق السلاح، وإشعال النار، تحمل لدى الشعب الكردي معنى التجدد والقوة، ثم إن عودتهم إلى الجبال بعد ذلك أصابت الحاضرين والعالم بالدهشة"، موضحةً أن الشعب الكردي، عبر تاريخه، اضطر في مراحل كثيرة إلى التحالف مع قوى كبرى أو جهات مختلفة لحماية نفسه، لكنه اعتبر أن مقاتلي الحرية، عبر اتلاف أسلحتهم، وجهوا رسالة مفادها أنهم لا يبحثون عن حماية من أحد، بل يعتمدون على نضالهم الذاتي.

وأشارت كذلك إلى أن دولاً غربية تحركت بعد المراسم ودعت الحكومة التركية إلى تنفيذ مسار السلام، كما طالبت بفتح مسار يتعلق بحقوق القائد عبد الله أوجلان "لدينا أيضاً الشعب الإيزيدي، الذي تعرض الآلاف من أبنائه للمجازر، لكن مع وجود قضية السلام اليوم، هناك أمل بوقف المجازر وبأن تعيش الشعوب معاً، وهذا بحد ذاته يحمل صدى وتأثيراً كبيراً".

 

اتلاف الأسلحة... رسالة أخرى في مسار السلام

وفي مواصلة حديثها، قالت الصحفية تَوار عادل إن انسحاب مقاتلي الحرية من المشهد الإعلامي بعد مراسم اتلاف الأسلحة له رسالة أخرى ضمن مسار السلام "الابتعاد عن الأضواء هدفه عدم تحويل الحدث إلى مادة للدعاية"، موضحةً أن "انسحاب المقاتلين من نطاق التغطية الإعلامية هو الرسالة الثانية أو الإضافية لمسار السلام، فهذا التصرف يؤكد أن الشعب الكردي والمقاتلين يريدون الوصول إلى السلام والتعايش"، مشيرةً إلى أن حركة الحرية لا تزال تظهر في وسائل الإعلام تتحدث عن مسار السلام، وعن دعم القائد عبد الله أوجلان، وأنها مستعدة لأي قرار يخدم مصلحة شعوب المنطقة.

إن استمرار ترسيخ مسار السلام له صدى وتأثير، كما تؤكد محدثتنا فهذه العملية ليست مساراً يستمر يوماً أو يومين ثم يقال إن هذا هو الإنجاز "مسار السلام هو عملية طويلة من النضال والعمل المتواصل للشعب الكردي"، مضيفةً أن الناس ينتظرون يومياً صدور القوانين اللازمة من البرلمان التركي، وتنفيذ خطوات تتعلق بحقوق الأمل، إضافة إلى الإفراج عن المعتقلين في شمال كردستان، وإنهاء العزلة المفروضة على القائد أوجلان.

وترى أن الصعوبات التي واجهها مقاتلو الحرية تثبت أن قضية السلام والوصول إليه "ليست أمراً سهلاً"، لأنها بدأت عبر نضال طويل وتضحيات من أجل حقوق شعب كامل.

وتحدثت تَوار عادل عن مشاعرها كصحفية اثناء تغطيتها لمراسم إتلاف السلاح "تتحدث الأجيال السابقة دائماً عن أحداثها التاريخية، بينما نشعر أننا لا نملك حدثاً كبيراً نتحدث عنه، لكننا رأينا أن عجلة التاريخ الكردي تدور من جديد، وهذه المرة عبر قضية السلام والتعايش بين الشعوب، لقد أصبحنا شهوداً على حدث تاريخي سيُتحدث عنه خلال المئة عام القادمة".

واعتبرت أن ما حدث يعد إنجازاً "اليوم نتحدث عن إنجازات الشعب الكردي، وكان هذا بالنسبة لي ولجميع الحاضرين شعوراً مميزاً، فقد كانت المرة الأولى التي نرى فيها مجموعة من المقاتلين عن قرب، بأسلحتهم التي حملوها لسنوات، والتي شاركوا بها في العديد من المعارك وحافظوا عليها فوق أكتافهم".

 

خطوة مهمة نحو ترسيخ السلام

 

 

الصحفية شوخان ميرزا كانت أيضاً حاضرة في مراسم اتلاف الأسلحة، وتستذكر مع وكالتنا الظروف التي أدت إلى ذلك القرار، وتقول إن دعوة القائد عبد الله أوجلان في 27 شباط/فبراير تضمنت قراراً يقضي بضرورة عقد مؤتمر لحزب العمال الكردستاني، وبعد ذلك اتخذت حركة الحرية الخطوات اللازمة لإظهار حسن النية من أجل إنجاح مسار السلام.

وذكرت يوم تمت دعوتها للتغطية الإعلامية "في 11 تموز، وُجّهت دعوة إلى وسائل الإعلام لتغطية خطوة تاريخية ستتخذها حركة حرية كردستان، ولم يكن المكان والزمان محددين حينها، ونحن في إعلام آزادي أُبلغنا بأن نستعد للذهاب إلى المكان وتغطية هذه الخطوة المهمة بشكل مباشر".

والدعوة جاءت بعد فترة طويلة من التوترات والاعتداءات التي تعرض لها الشعب الكردي من قبل الدولة التركية، وفتحت باباً للنقاشات، وعززت كما تقول بعض العلاقات الدبلوماسية في تلك المرحلة، وكانت خطوة مهمة بالنسبة للأطراف السياسية في إقليم كردستان وداخل تركيا.

وتابعت "عدد كبير من الصحفيين من مختلف الدول كان موجوداً هناك، ولم يكن هناك سوى دعوة للإعلاميين للحضور، ولم تُمنح لهم تفاصيل أو معلومات دقيقة حول ما سيحدث، لذلك تركنا لفضولنا خصوصاً بعد فشل مسار السلام عام 2013، وكان العالم كله ينتظر لمعرفة ما الخطوة التي ستتخذها حركة حرية كردستان لإظهار حسن نيتها".

وأشارت إلى أن الخطوة الأولى من العملية بدأت في مدينة السليمانية، حيث جرى التحضير لإعلان بيان حول اتلاف الأسلحة، لكن المكان تغير لاحقاً، وهو أمر أثار الانتباه، موضحةً أن السبب ارتبط بالوضع الأمني في المنطقة.

وأضافت "أُقيمت المراسم في كهف جاسنة، حيث قادت المراسم الرئيسة المشتركة للمجلس التنفيذي لمنظومة المجتمع الكردستاني بسي هوزات مع مجموعة ضمت 30 مقاتلاً ومقاتلة، لتبدأ هناك الخطوات العملية في مشهد شكّل محطة تاريخية في مسار حركة الحرية"، مشيرةً إلى أن المراسم رافقها ترقب وتساؤلات بشأن آلية اتلاف الأسلحة، وقد أوضحت حركة الحرية أن الخطوة تأتي لإثبات حسن النية تجاه مسار السلام، مؤكدة استمرار نضالها عبر الوسائل السياسية والدبلوماسية والمجتمعية والفكرية.

 

كهف جاسنة... ملجأ هادئ لمقاتلي الكريلا

وقالت شوخان ميرزا إن اختيار كهف جاسنة يحمل أهمية جغرافية وتاريخية كبيرة، إذ كان لهذا المكان دور خاص في تاريخ نضال الحرية في إقليم كردستان، كما صدرت فيه أول صحيفة كردية، مما منحه قيمة تاريخية مميزة "مقاتلي حرية كردستان خاضوا لسنوات طويلة نضالهم داخل الكهوف، وخروج المقاتلين من الكهف هو رسالة واضحة بأن نية الكريلا ونية حركة حرية كردستان نقل النضال من الجبال إلى المدن، وخوض مرحلة جديدة من العمل الدبلوماسي والسياسي".

وأوضحت أن المشهد الذي ظهر فيه عدد من المقاتلين والمقاتلات وهم ينزلون من الكهف بقيادة بسي هوزات يحمل دلالات مهمة "وجود امرأة في قيادة هذه العملية يحمل رسالة بأن المرأة تستطيع أن تكون في طليعة مسار السلام والديمقراطية الذي يدعو إليه القائد أوجلان، كما يوجه رسالة إلى العالم بأن الشعب الكردستاني يريد إنهاء العنف والحرب المستمرة منذ سنوات بين الشعب الكردي والدولة التركية، وأن يستمر النضال عبر الحوار والعمل السياسي".

 

خطوة نحو ترسيخ السلام والديمقراطية

وأوضحت الصحفية شوخان ميرزا أن الشعب الكردي يريد أن تكون له هويته السياسية، وأن تُثبت حقوقه الدستورية والثقافية في قوانين الدول التي قسمت كردستان فيها، وأن يمتلك شعب كردستان إطاراً سياسياً يعبر عن وجوده.

ولفتت إلى إن قيادة بسي هوزات للعملية كان لها صدى عالمي "تمتلك المرأة إرادة قوية وصلابة كالجبال، وقد اتخذت قراراً مهماً في هذا المسار"، مشيرةً إلى أن استعداد المقاتلين والمقاتلات لهذه الخطوة لم يكن أمراً سهلاً، لأن إتلاف السلاح الذي حملوه لسنوات كان قراراً صعباً، وأن الخلفية الحقيقية لهذا النضال تتمثل في العمل الفكري والسياسي والاجتماعي الذي تقوم به الحركة "حركة حرية كردستان لا تعتمد استراتيجية تقوم فقط على العمل المسلح، بل هي حركة سياسية وفكرية واجتماعية ذات أبعاد متعددة في إطار نضال الحرية الكردستاني".

 

اختلاف التفسيرات حول رسالة اتلاف الأسلحة

وانتقدت بعض وسائل الإعلام التابعة للسلطات في إقليم كردستان، معتبرةً أنها تعاملت بشكل غير مسؤول مع القضية الكردية، وأنها قدمت الأمر وكأن الحركة انتهت بعد 50 عاماً من النضال وسلمت سلاحها للدولة التركية "بعض الأشخاص رأوا في هذه الخطوة فرصة مهمة لمعرفة ما الخطوة التي ستتخذها الدولة التركية في المقابل".

وقالت أيضاً أن حركة حرية كردستان تدرك أن الدولة التركية قامت تاريخياً على سياسات تهدف إلى إنكار الكرد وشعوب أخرى داخل تركيا، واليوم تريد الحركة والقائد أوجلان تغيير ذلك، وبناء جمهورية ديمقراطية تحصل فيها جميع شعوب تركيا على حقوقها، ويجد الشعب الكردي حقوقه السياسية والقانونية ومكانته داخل تركيا.

 

مشاعر متناقضة بعد المراسم

وتحدثت شوخان ميرزا عن الأثر النفسي الذي تركته المراسم لدى الناس، قائلةً إن مشاعر مختلطة ظهرت بين الحاضرين، حيث كان هناك الحزن والحماس في آن واحد "حتى اليوم بقي ذلك المشهد في أذهان وذاكرة كل شخص من إقليم كردستان. رأينا دموع الفرح والقلق، ورأينا الابتسامات المليئة بالأمل، حول مسار العملية".

وختمت الصحفية شوخان ميرزا حديثها بالقول "هذه الخطوة كانت تعبيراً عن حسن نية حركة الحرية، وأنهم لم يتراجعوا عن مبادرتهم للسلام، بل يريدون أن تسير الخطوات بشكل جيد، لكن للأسف ما زالت الدولة التركية متمسكة بعقلية لم تتغير، فقد مر عام على بدء هذا المسار دون اتخاذ خطوات جدية كافية بشأن القضية".