الأزمة الاقتصادية تهدد عرش السلطة في إيران
بقلم الكاتبة والصحفية هيفيدار خالد
تجتاح إيران موجةٌ متصاعدة من الاحتجاجات في مدن ومناطق عديدة بينها العاصمة طهران ومدينة مشهد وأصفهان وكرمانشان، سنه، مهاباد، زنجان، همدان، أراك، قم، شيراز، وكرمان، وعشرات المدن الأخرى.
وبحسب مراقبين للشأن الإيراني فإن الاحتجاجات الشعبية التي يقودها التجار وأصحاب المحلات، اندلعت إثر الانهيار الحاد لقيمة العُملة وارتفاع الأسعار غير المسبوق، وسوء إدارة الحكومة للأزمات المعيشية، كما جاءت كرد قوي على الوضع الاقتصادي المزري والمتدهور الناجم عن السياسات الاقتصادية الخاطئة للسلطة الحالية، والظروف المعيشية الصعبة التي تعيشها البلاد بالوقت الحالي، وعدم توفير فرص العمل حيث بات الكل يعيش حالة من اليأس والظلم بسبب عدم الحصول على وظيفة مناسبة يستطيع من خلالها مداومة حياته. المتظاهرون رددوا خلال الاحتجاجات شعارات مناهضة للمرشد الأعلى ومنها: الموت لغلاء المعيشة، سنواصل حتى إسقاط النظام.
الهتافات التي صدحت بها حناجر المحتجين كشفت لنا أن مطالب اليوم تجاوزت المطالب الاقتصادية، وبدأت تأخذ طابعاً سياسياً واضحاً، من انتقادات مباشرة للقادة السياسيين إلى المعارضة لسياسات إيران الإقليمية، ما يعكس غضب الطبقة الوسطى والفئات محدودة الدخل.
هذه ليست المرة الأولى التي تشهد فيها إيران احتجاجات شعبية واسعة النطاق، ففي عام 2022 وتحديداً في منتصف شهر أيلول شهدت البلاد جولة احتجاجات عارمة إثر مقتل الشابة الكردية جينا أميني على يد السلطات الأمنية الإيرانية بحجة أنها خالفت ارتداء ما يسمى الزي الشرعي. وتوسعت رقعة الاحتجاجات حينها تحت شعار "المرأة، الحياة، الحرية" المقتبس من فلسفة القائد عبد الله أوجلان، وامتدت إلى جميع المدن والمناطق الإيرانية وخرق هذا الشعار، حدود الدول والقارات وأصبحت ثورة المرأة ملك لجميع الشعوب والنساء، وتردد بعشرات اللغات من حول العالم.
نعم تشهد إيران اليوم جولة جديدة من الاحتجاجات الشعبية الواسعة والسلمية، حيث إنها باتت على صفيح ساخن، في الوقت الذي يعاني فيه النظام من أزمة سياسية حقيقية لا سيما بعد الضربات الأمريكية التي استهدفت العمق الإيراني، وقتل على إثرها العشرات من القادة البارزين في السلطة، رغم تباهي طهران بقوتها في المنطقة، إلا أن ذلك قلص من دورها وتراجع نفوذها وتمددها وخلقت أزمات اقتصادية واجتماعية حقيقية بين المجتمع وتداعيات كارثية، لم تستطع مواجهتها على الرغم من محاولتها التغطية عليها وطمسها ودون الإعلان عنها خشية على نفوذها وكيانها ووجودها.
الشعب الإيراني يعيش منذ سنوات تحت حكم استبدادي قمعي يتخذ من الدين شماعة لترهيب المجتمع وفرض سيطرته بالقوة والعنف لا بالأساليب الديمقراطية العصرية، ولا سيما النساء الإيرانيات اللواتي يعانين من سياسات السلطة الحالية ويتطلب منهن النضال أكثر من أجل وضع حد لكل هذه الممارسات والتشريعات والقوانين المجحفة التي تطبق بحقهن، بالإضافة إلى زجهن في السجون وإعدامهن دون محاكمة عادلة وسط إجراءات وقرارات ظالمة لا أحد يعلم عنها شيئاً.
وما إن بدأت الاحتجاجات في البلاد قبل أيام حتى أقدم النظام الإيراني على تعيين أحمد وحيدي نائباً لقائد الحرس الثوري الإيراني أحد أبرز منتهكي حقوق الإنسان، وله سجل أسود في قمع الاحتجاجات قبل الآن. من هنا يبرز مدى عجر السلطة عن تلبية مطالب المحتجين السلميين فبدل من أن تسمع إلى مطالبهم تحاول قمع الاحتجاجات كما عملت في السابق.
من الواضح أن السلطة تفقد الاستراتيجية لمعالجة المشكلات ويظهر للعلن مرة أخرى بأن خيارات النظام محدودة جداً في الوقت الحالي، لا سيما أن الحلول الحقيقية للأزمات المعقدة لن تكون سهلة وبطبيعة الحال وكما هو معروف فإن ما يحدث في إيران سيؤثر مباشرة على الأمن العالمي واقتصاده بشكل مطلق والسياسة الدولية في المنطقة، لأن إيران لها تدخل في العديد من دول المنطقة وعلاقات مع دول فعالة.
في المقابل ترد قوات الأمن الإيرانية على المحتجين وتكثف عمليات إطلاق النار باتجاههم باستخدام أسلحة حربية، بحسب تقارير إعلامية مما أدلى إلى وقوع قتلى وجرحى في صفوف المدنيين، إلا أنها حتى الآن لم تستطع السيطرة على اتساع رقعة التظاهرات، رغم استخدام القوة المفرطة والانتشار الأمني الكثيف من قبل النظام الإيراني، الذي اعتمد لأكثر من أربعة عقود على الترهيب، والعنف المنظم ومازال يتبع النهج ذاته دون توقف بحق التنوع السكاني الذي يعيش في هذه الجغرافية العريقة.
نعم إيران اليوم أمام مرحلة مهمة وحساسة للغاية ربما تأثيراتها ستتجاوز حدود البلاد والمنطقة برمتها أيضاً. يتضح لنا جلياً أن المتغيرات والمستجدات المتسارعة الراهنة في العمق الإيراني، ليست مجرد احتجاجات اعتيادية تحمل طابعاً اقتصادياً أو موجة غضب ضد ممارسات السلطة، بل ربما تصبح سبباً رئيسياً ومساراً جديداً لإجبار النظام الإيراني على التنازل، ولو لبضع المطالب الشعبية، والتي ليست بالسهولة التي نتصورها أو مقارنتها بالدول أخرى في المنطقة، لا سيما أن طهران تواجه ضغوطات كبيرة ليس من الداخل فقط، بل في الخارج أيضاً، رأينا التصريحات الصادرة عن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي هدد بالتدخل العسكري في إيران لحماية المحتجين وقال "إذا أطلقت إيران النار على المتظاهرين السلميين وقتلتهم فإن الولايات المتحدة ستتدخل لإنقاذهم". في تصريح واضح وصريح على أننا ربما بتنا أمام مواجهة بين الدولتين اللتين تتبادلان التصريحات بشكل متواصل.
ومع استمرار الاحتجاجات توالت ردود فعل منددة بآلة القمع التي تستهدف المدنيين العزل فقد، أعرب حزب الحياة الحرة الكردستاني عن دعمه الكامل للنضال الديمقراطي ضد الذهنية الديكتاتورية وقال أن نجاح الانتفاضة الشعبية ممكن من خلال الوحدة الديمقراطية. وإنهاء النظام الديكتاتوري الحاقد على صدور الأبرياء.
نعم يتطلب من النظام الإيراني تلبية المطالب الشعبية والاستجابة لمطالبهم لا الرد بالعنف والقوة، لأن عصر كل ذلك قد انتهى. إذ يتوجب على النظام تغيير ذاته وترسيخ الأسس الديمقراطية والعيش الكريم بعيداً عن الظلم والاستبداد وعمليات الإعدام الذي ذاع صيتها ووقف حملات الاعتقال الممنهجة والقيود المجحفة، وإنهاء السياسات التي تخلق الفقر والجوع والقتل في المجتمع بكافة مكوناته وفئاته وشرائحه. وتحقيق المطالب المشروعة للشعب في الحياة والحرية والعيش بهويته، وحماية حقوقه ولا سيما المرأة في إيران المعروفة بنضالها المتواصل ضد نهج النظام الحالي وانتهاكاته التعسفية بحقها.