التشهير بالقيادات النسائية يعكس هيمنة العقلية الذكورية داخل المجالس المنتخبة

أعادت حادثة التشهير بنائبة برلمانية مغربية من قبل زميل لها، النقاش حول ظاهرة محاربة النساء سواء داخل الأحزاب السياسية أو النقابات أو الهيئات المنتخبة‫. ‬

رجاء خيرات

المغرب ـ ترى الناشطة الحقوقية والنائبة البرلمانية السابقة زكية المريني أن التشهير بالقيادات النسوية الظاهرة تعكس وجود ثقافة تمييزية ضد النساء اللواتي على الرغم من كفاءتهن وقدراتهن تبقين رهينة الهيمنة الذهنية الذكورية على المشهد السياسي.

على الرغم من وجود سياسيات تتمتعن بقدرات وكفاءات عالية، إلا أن مصيرهن يبقى رهين الذهنية الذكورية التي تهيمن على المشهد السياسي وتمنح الرجال كافة الصلاحيات التي تخولهم الاستفراد بالقرارات الرئيسية والمصيرية.

وعن صعوبة وصول النساء لمراكز صنع القرار وأهمية التوعية وتغيير العقليات وإقرار قوانين مناهضة لكافة أشكال التمييز ضد النساء، كان لوكالتنا حوار مع الناشطة الحقوقية زكية المريني.

 

أعادت حادثة التشهير بإحدى النائبات البرلمانيات ظاهرة العنف السياسي تجاه النساء إلى الواجهة، كيف ترين هذه الظاهرة التي لازالت متفشية على الرغم مما حققته النساء داخل الهيئات المنتخبة؟

أظن أن ما تعرضت له النائبة البرلمانية من تشهير من قبل زميل لها سببه مواقفها الرافضة لسياسته، وهذا في حد ذاته سلوك يعكس وجود ظاهرة تؤكد على أن الثقافة السائدة داخل المجتمع هي ثقافة تمييزية بين الجنسين، حيث يعتقد الرجال أنهم قوامون على النساء، وأن المرأة لا تملك ذات القدرات العقلية والبدنية حتى تستحق المساواة مع الرجل‫، وبالتالي هناك فئة تعتقد بأن المرأة يجب أن تبقى خاضعة للرجل وألا تملك الحق في مخالفته بوجهات النظر والموقف.

وما تعرضت له النائبة من تشهير ومساس بسمعتها ناتج عن اختلاف المواقف السياسية والقرارات، وهذا النوع من الشخصيات النسائية غالباً ما تجد صعوبات داخل المؤسسات الحزبية والسياسية بشكل عام، لأن هذه المؤسسات دائماً ذكورية بامتياز، والرجال يهيمنون على المناصب القيادية في الأحزاب والمؤسسات النقابية، حيث نلاحظ أن تشكيلة المكاتب السياسية ذكورية بنسبة عالية، وينعكس ذلك على المؤسسات المنتخبة، التي تتشكل بنسبة كبيرة من الرجال.

وبفضل مساعي الجمعيات والحركات النسائية، كانت هناك آليات تضمن على الأقل وصول نسبة لا بأس بها من النساء إلى مراكز صنع القرار، وقد خلق ذلك خللاً داخل المؤسسات بالنسبة لطرق التدبير السابقة، حيث لم يستطع الرجال أن يتأقلموا مع وجود نساء قياديات في المناصب وداخل المؤسسات المنتخبة، خاصة أن نسبة كبيرة من هؤلاء النساء أظهرت كفاءتها وقدرتها في تطوير هذه المؤسسات، وهذا يعكس ضعف بعض الرجال أمام قدرتهن القيادية، حيث بعضهم لم يجد الآلية الدفاعية المناسبة لذلك لجأوا للتشهير بهدف الانتقاص من مكانتهن وحضورهن.

 

ما رأيك بدور القانون 103-13 لمناهضة العنف ضد النساء ومدى جدواه في مكافحة العنف السياسي ضدهن؟

منذ صدور القانون 103ـ13، قبل ست سنوات، وهو يجرم العنف ضد النساء، والحركة النسائية المغربية تعتبر أنه قانون تشوبه الكثير من النواقص، أهمها أنه لا يعترف بالعنف النفسي الذي تتعرض له النساء، وكذلك العنف المؤسساتي الذي يعتبر العنف السياسي جزءاً منه‫، هذا العنف المؤسساتي تعيشه النساء داخل كل المؤسسات، بسبب الثقافة التمييزية وغلبة الرأي الذكوري في كل المجالات، حيث تعيش النساء داخل هذه المؤسسات برمتها إدارية أو ثقافية أو سياسية، وحتى في القطاع الخاص نفس الإقصاء والتمييز المبني على النوع الاجتماعي‫، هذا الوضع الذي تعاني منه أغلب النساء لا يسمح بوصولهن إلى مراكز صنع القرار وبلوغ المراتب التي تستحققنها‫.

ومع الأسف هذا القانون لا يعترف بهذا النوع من العنف، مما دفعنا داخل الجمعيات النسائية للعمل على هذا الملف، حيث يعد واحد من القضايا التي نرافع من أجلها لتغيير هذا القانون‫، وتضمينه لكل أشكال العنف الأخرى ضد النساء.

 

برأيك ما سبب تعرض العديد من المرشحات في الاستحقاقات الانتخابية للضغوط والمساومات حين تبدين رغبتهن في الترشح لمناصب تدبير الشأن العام أو رئاسة بعض اللجان؟

أرى أن المرأة التي تمتلك الرغبة والقدرة على العمل في المجال السياسي ينبغي أن تحظى بمسؤوليات شأنها شأن الرجل وأن يكون لها حق الوصول إلى مراكز صنع القرار والمناصب العليا، بعد أن تخضع لمعايير معقولة يغيب فيها نوع الجنس وتحضر القدرات والكفاءات‫، هذا المنطق ينبغي أن يكون سائداً داخل مؤسسات تدافع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان وقضايا العاملين/ات، للأسف إن هذه المؤسسات نفسها تغيب عنها ثقافة المساواة وحقوق الإنسان‫، ما نعيشه اليوم هو أن المغرب عرف تطوراً في تواجد النساء داخل المؤسسات المنتخبة بفضل "الكوتا" التي عملت عليها الحركة النسائية منذ ما يزيد عن عقدين، وهذه النسبة في ارتفاع متزايد، حيث تشكل اليوم النساء نسبة مهمة داخل الجماعات الترابية وحتى مجلس النواب.

ومع العمل الدائم لبلوغ المناصفة، يبقى حضور النساء رهيناً بالإرادة والثقافة التي يحملها الرجال، لأن الأحزاب السياسية في المغرب ما زالت مسيرة من قبلهم، والمسؤوليات المهمة داخل المكاتب السياسية لهذه الأحزاب يتحملها الرجال، ويتحكمون في حضور النساء داخل الحزب وترشحهن لمختلف المناصب والمهام داخل المؤسسات المنتخبة، وبالتالي فمصيرهن بغض النظر عن قدراتهن، رهين بالرجال وبقناعاتهم ومكانتهم داخل الحزب، إذا كانوا ديمقراطيين متشبعين بثقافة المساواة وحقوق الإنسان، تكون لهن نفس حظوظ أقرانهن، أما إذا كان المسؤول الأول لا يؤمن بالمساواة وحقوق الإنسان، لاعتقاده بأن المساواة ليست في مصلحته، فإن تقلد النساء لمناصب صنع القرار يبقى أمراً مزعجاً بالنسبة له.

وهنا استحضر أمثلة كثيرة تعيشها النساء داخل الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة، حيث تخضعن لما يسمى بالرشوة الجنسية التي تعد من القضايا الراهنة التي تعمل عليها بعض الجمعيات المناهضة للرشوة وكذلك الجمعيات النسائية التي أصبحت مطالبة بالعمل على مناهضة الرشوة الجنسية داخل الأحزاب السياسية والمؤسسات المنتخبة، وذلك من أجل حماية هؤلاء النساء والدفاع عن حقهن في الترشح للمناصب العليا.

 

طالبت الهيئات الحقوقية والنسائية وما تزال بقوانين انتخابية تراعي مبدأ المناصفة، حيث تعد "الكوتا" مرحلة انتقالية فقط، فما مصير المرأة من قوانين انتخابية تضمن المساواة والمناصفة؟

كفاعلات حقوقيات أثناء الاستحقاقات الانتخابية نقوم برفع وعي الرأي العام حول ثقافة المساواة وأهمية وصول النساء لمراكز صنع القرار‫، إنه عمل مهم في توجيه الرأي العام والقضاء على نظرته الدونية تجاه المرأة‫، ثم هناك العمل على تمتع النساء بحقوقهن السياسية حيث يتطلب العمل على القوانين من جهة باعتبار أنها تضمن وصولهن لهذه المؤسسات، وذلك بالتزامن مع العمل على إقرار مبدأ المناصفة، حيث أنه إذا كانت النساء تشكلن 50% من المجتمع، فينبغي أن تشكلن نصف الفئة المنتخبة في جميع الهيئات السياسية، وهو مبدأ ديمقراطي لا محيد عنه‫، وفي المقابل علينا خلال العمل على المناصفة، أن نعي بأن تواجد النساء بنسبة 50%، ليس كافياً، بل يجب أن تصلن إلى مراكز صنع القرار‫ كرئيسات أحزاب ورئيسات داخل مجلس النواب، وطبعاً ذلك من شأنه أن يقلص من الهيمنة الذكورية داخل هذه المؤسسات.

 

كيف يمكن تحقيق المساواة وبلوغ المناصفة داخل الهيئات المنتخبة في ظل الهيمنة الذكورية، حتى تعديل مدونة الأسرة؟

المساواة مهمة في كافة المجالات ولا تقتصر فقط على المجال السياسي، ولتحقيق ذلك، هناك من يطالب بتغيير العقليات، حيث ما زالت نسبة الأمية مرتفعة في صفوف الأهالي، ونسبة الفقر والتهميش مرتفعة كذلك، والمجتمع ما زال يسوده ثقافة يختلط فيها ما هو ديني مع ما هو حضاري ومؤسساتي، وتغيير ذلك يتطلب وقتاً طويلاً، ولا يمكننا الانتظار حتى تتغير هذه العقليات السائدة داخل المجتمع لتنال النساء حقوقهن كاملة، وبالتالي ينبغي العمل إلى جانب التوعية ورفع الوعي في المجال الحقوقي والقانوني، باعتبار أن هذا الأخير هو الضامن لمواطنة كاملة لكافة على قدم المساواة، إذن نعيش اليوم على تغيير جذري وشامل لمدونة الأسرة، بعد عشرين عام من تطبيقها، بعد أن تبين وجود نواقص وخلل، ونعيش في الوقت الراهن نقاشاً عمومياً.

وقد تم الاستماع لكل وجهات النظر واقتراحات كل الهيئات المعنية من طرف الهيئة المكلفة بالتعديل، وبالتأكيد المدونة الجديدة ستضمن كافة الحقوق لكل أفراد الأسرة، بمن فيهم النساء والأطفال وستحميهم من كل أشكال التمييز والدونية، إذن هذه الروح التي تسود اليوم داخل تعديل قانون الأسرة، نأمل أن تسود كافة المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية، إلا أن قوانين المجال السياسي بحاجة إلى تغيير حتى يدرك الناس أهمية المشاركة السياسية وعلاقتها بتغيير حياتهم اليومية ليتحقق حضورهم، ويتمتع كل أفراد المجتمع بالحق في التدبير والمساهمة في الحياة السياسية، دون أن نغفل التمكين الاقتصادي للنساء الذي بدونه يصعب أن تتمتع النساء بحقوقهن السياسية.