فيلم "زاري"… أول بصمة في تاريخ السينما الكردية

يستعيد فيلم "زاري" ذاكرة السينما الأولى لدى الكرد، موثقاً حياة الإيزيديين وتفاصيل مجتمعهم في عشرينيات القرن الماضي، ومقدماً عملاً صامتاً تحول لاحقاً إلى أحد أهم الشواهد البصرية على تاريخهم.

مركز الأخبار ـ تم إنتاج فيلم "زاري" في أرمينيا عام 1926، وقد استند سيناريو العمل إلى القصة القصيرة للكاتب والمثقف الأرمني هاكوب غازاريان بعنوان "مصير زاري".

تولى إخراج الفيلم هامو بيك نازاريان، أحد أبرز رواد ومؤسسي السينما الأرمنية. وفي عام 2011، عُرض الفيلم للمرة الأولى في تركيا ضمن مهرجان إسطنبول السينمائي، ليعود إلى الواجهة بعد عقود طويلة من إنتاجه.

كان الفيلم في نسخته الأولى عملاً صامتاً، لكن في سبعينيات القرن الماضي جرى تحويله إلى نسخة ناطقة بفضل جهود الباحث الكردي في الاتحاد السوفييتي جاسم جليل وابنته الموسيقية جميلة جليل. وقد عرضت النسخة المدبلجة في أرمينيا، بينما قدمت في تركيا مصحوبة بترجمتين كردية وتركية.

 

التراث والهيكل الاجتماعي لدى الإيزيديين الكرد

يُظهر فيلم "زاري"، الذي ينتمي إلى حقبة الأفلام الصامتة، حياة الإيزيديين الكرد وتراثهم وبنيتهم الاجتماعية. يروي قصة "زاري" فتاة إيزيدية، والصعوبات الاجتماعية التي تواجهها. وبهذا المعنى، لا يقدم الفيلم قصة حب فقط، بل يشكل أيضاً وثيقة بصرية عن المجتمع الكردي في تلك الحقبة.

يبرز الفيلم أسلوب الحياة والملابس والعادات والتقاليد الكردية في ذلك الزمن، ويُعد بداية تاريخ السينما الكردية. كما يظهر تأثير السلطة الدينية داخل البنية الإقطاعية، وكيف استخدمت كأداة للظلم واستغلال الناس. ومن جانب آخر، نرى كيف يمكن لأصحاب النفوذ استخدام أي وسيلة لخدمة مصالحهم، سواء عبر الضغط المباشر أو عبر التلاعب ببعض المعتقدات التقليدية.

يُظهر الفيلم كيف يستغل تيمور بيك، وهو أحد الإقطاعيين الأتراك، قسوة السلطة وظلمها ضد الشعب الكردي، مستفيداً من جهل الناس وعدم وعيهم. ومن خلال قصة الحب بين زاري والراعي سعيد، يتناول الفيلم موضوعات مثل الزعامة، ومفهوم المهر، والطبقية الاجتماعية.

 

 

الحياة اليومية للكرد

لا يقتصر الفيلم على كونه قصة حب، بل يشكل أيضاً توثيقاً بصرياً للحياة اليومية لدى الكرد. فعلى الرغم من محدودية التقنيات السينمائية في ذلك الزمن، نجح العمل في تسجيل مشاهد حية تعكس تفاصيل العيش اليومي، وهي مشاهد تكفي وحدها لتقديم قراءات واضحة عن الثقافة الكردية وأساليب الحياة آنذاك. ويحمل الفيلم في نسخته الأصلية عنواناً فرعياً لافتاً: فيلم من سبعة أجزاء عن حياة الكرد.

جانب مهم آخر في الفيلم هو إظهار تأثير القادة الدينيين على المجتمع، وهي حقيقة تاريخية، وكيف استُخدم هذا التأثير من قبل أصحاب السلطة كأداة للهيمنة.

فيلم "زاري" عبارة عن ذكرى تمتد من عام 1926 حتى اليوم. لحظة الميلاد الأولى بين الإنسان والشاشة البيضاء، وما زال صداها حاضراً في الذاكرة السينمائية حتى الآن.