تراجع تمثيل المرأة في البرلمان السوري يثير القلق بشأن مستقبل حقوقها السياسية

أكدت نائبة الرئيسة المشتركة لمجلس مدينة تل تمر بروج آفا، مادلين عبيد، أن مشاركة المرأة في العملية السياسية تُعد شرطاً أساسياً لبناء مجتمع عادل ومتوازن في سوريا، مشددةً على أن إبعادهن عن مراكز صنع القرار يضعف الديمقراطية ويهدد حقوقهن.

سوركل شيخو

تل تمر ـ في الانتخابات الأخيرة لمجلس الشعب السوري، أثار الانخفاض الملحوظ في نسبة المقاعد المخصصة للنساء مخاوف كبيرة بشأن مستقبل تمثيل المرأة في مواقع صنع القرار. ولا يقتصر هذا التراجع على مستوى التشريع فحسب، بل يعكس أيضاً إضعاف دور المرأة في المجالات الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والعسكرية. 

 

العوائق القانونية والتراجع في نسبة التمثيل

من الناحية القانونية، فإن غياب آليات مثل تخصيص نسبة (كوتا) محددة للنساء في قانون الانتخابات السوري يفتح المجال أمام استمرار ضعف التمثيل السياسي للمرأة. ويُعد هذا الوضع انتهاكاً مباشراً للالتزامات المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وكذلك اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، التي تُعد سوريا طرفاً فيها. كما أن الإطار القانوني القائم لا يوفر ضمانات كافية لتحقيق المساواة بين الجنسين في أعلى مؤسسات الدولة.

 

تهديد للمكتسبات التي تحققت عبر سنوات

يشكل التراجع الملحوظ في مراكز صنع القرار تهديداً كبيراً للمكتسبات التي حققتها النساء عبر سنوات من النضال. فالنساء في سوريا، ولا سيما نساء روج آفا، اللواتي ناضلن لسنوات في مواجهة الهيمنة والفقر والنزوح وجميع أشكال العنف الجسدي والنفسي، يواجهن اليوم خطر الإقصاء الكامل من المجالين السياسي والاجتماعي. وكلما جرى إبعاد النساء عن مراكز صنع القرار، أصبحت حماية حقوقهن الأساسية في القوانين الجديدة أكثر صعوبة وتعرضاً للخطر.

وحول أهمية مشاركة المرأة في العملية السياسية. قالت مادلين عبيد نائبة الرئيسة المشتركة لمجلس مدينة تل تمر، إن مشاركة النساء في العملية السياسية يعد أمراً بالغ الأهمية من أجل بناء مجتمع مسالم وعادل ومتوازن.

وأضافت "تلعب المرأة دوراً أساسياً في بناء المجتمع، لأن المرأة هي المجتمع بحد ذاته. إن وجود النساء ومشاركتهن السياسية يشكلان خطوة مهمة، ليس فقط من الناحية الشكلية، بل أيضاً من ناحية اتخاذ القرارات الحقيقية. فالنساء قادرات على فهم المشكلات الأسرية والاجتماعية وقضايا الأطفال، وإيصالها إلى مراكز صنع القرار. لذلك، إذا كان الهدف هو بناء مجتمع ديمقراطي، فيجب أن تشارك النساء في كل ما يتعلق بإدارة شؤون الحكم".

وأوضحت أن سوريا، بعد 14 عاماً من الحرب، تمر بمرحلة جديدة من الانتقال السياسي، وأعربت عن أملها في أن تكون مشاركة النساء أقوى من السابق "لقد أثبت وجود النساء في مختلف أنحاء العالم قدرتهن على تحقيق حلول مستدامة وسلمية. وإن وجودهن في هذا الإطار يؤدي دوراً أساسياً في بناء مجتمع أكثر تقدماً".

 

المرأة قادرة على تحقيق التوازن

وأشارت مادلين عبيد إلى أن المجتمع يحاول إبقاء المرأة في الخلفية، رغم أن النساء قادرات على تحقيق التوازن داخل الأسرة والمجتمع "إن المرأة التي تستطيع بناء أسرة قادرة أيضاً على بناء أمة، لأنها تمتلك الطاقة والقدرة على معالجة وتحقيق التوازن في العديد من الملفات، سواء كانت سياسية أو اجتماعية أو صحية أو تعليمية أو مرتبطة بحقوق الإنسان".

وترى أن مشاركة النساء من جميع المذاهب والقوميات في العملية السياسية أمر بالغ الأهمية "هذه المشاركة تعزز وحدة أكبر، وتقدم حلولاً أكثر للمستقبل، ولا شك أنها تقوي المجتمع".

وتابعت "يشهد التاريخ على إنجازات النساء السوريات، بدءاً من المقاتلات والقيادات وصولاً إلى المعلمات والمهندسات والمحاميات والعالمات والطبيبات. ولذلك، فإنهن قادرات اليوم أيضاً على اتخاذ القرارات المصيرية".

 

"يجب أن يكون هناك توازن عادل في التمثيل السياسي"

وذكّرت مادلين عبيد بضرورة وجود توازن عادل في التمثيل السياسي للنساء في البرلمان السوري "لقد رأينا أن نسبة تمثيل الرجال في البرلمان أكبر بكثير من نسبة تمثيل النساء، رغم أنهن قادرات أيضاً على شغل هذه المناصب في البرلمان".

وحول الأسباب الكامنة وراء إقصاء النساء من المجال السياسي في سوريا، قالت "إن إبعاد النساء وحرمانهن من دورهن السياسي يأتي ضمن مسعى لإقصائهن عن السياسة، حيث تحاول الحكومة المؤقتة بناء مجتمع أبوي بالكامل من دون مشاركة النساء. وهذا الأمر يمنع سوريا أيضاً من منافسة الدول المتقدمة التي تحترم النساء وحقوقهن وتعمل على تمكينهن، ويبعدها عن تحقيق مثل هذا التقدم".

وتابعت "نحن نرى أن العديد من النساء في سوريا، ومن بينهن طبيبات ومحاميات ومهندسات وحتى عالمات، يتعرضن للقتل. والهدف من قتل هؤلاء هو تقليص دورهن في أماكن العمل والمجال العام وتقليص وجودهن".

 

ماذا سيضيع من دون مشاركة النساء؟

ولفتت مادلين عبيد الانتباه إلى عدم مشاركة النساء والنتائج السلبية التي قد تترتب على ذلك "من دون مشاركة النساء في العملية السياسية، لا يمكن أن تتحقق لا الديمقراطية ولا التنمية ولا اتخاذ قرارات ذات معنى. فالمرأة تمتلك رؤية للمستقبل، ولا سيما فيما يتعلق بالأطفال والأسرة والصحة والتعليم، ومن دون المشاركة السياسية للنساء، لن يتم الاعتراف بهويتهن ولا بحقوقهن من الناحية القانونية أو الاجتماعية أو الاقتصادية، كما لن يتم الاعتراف بدورهن داخل الأسرة".

وأوضحت أن "سوريا دخلت مرحلة سياسية جديدة، ولذلك يجب أن تشارك النساء في هذه العملية بشكل أوسع، لأنها لا تزال في مراحلها الأولى"، لافتةً إلى أنه "في الوقت الراهن، يتم تقليص حقوق النساء ودورهن داخل العملية السياسية بشكل تدريجي. إن حقيقة تخصيص غالبية مقاعد البرلمان للرجال تُظهر الموقف السياسي للحكومة السورية المؤقتة. لذلك، من المهم أن تتدخل الدول المشاركة في الأزمة السورية لمنع تراجع حقوق النساء، سواء في الوقت الراهن أو في المستقبل".

اختتمت مادلين عبيد حديثها بتوجيه نداء إلى النساء "أطالب جميع النساء السوريات بتنظيم أنفسهن في المظاهرات والاحتجاجات للمطالبة بحقوقهن، سواء أمام البرلمان السوري أو أمام أي مؤسسة تحاول تهميشهن أو إقصاءهن".