أزمة الغذاء في إيران... حين يتحول التضخم إلى تهديد للصحة والمستقبل

لم تعد أزمة التضخم في إيران تُقاس فقط بارتفاع الأسعار في الأسواق، بل بما تتركه من آثار فمع تراجع القدرة الشرائية تتسع دائرة انعدام الأمن الغذائي، وتجد النساء والأطفال أنفسهم في مواجهة تداعيات اقتصادية وصحية قد تمتد آثارها لسنوات.

برشنك دولتياري

مركز الأخبار ـ لم يعد التضخم في إيران مجرد مؤشر اقتصادي يُقرأ في التقارير الرسمية، بل تحول إلى عبء يومي يفرض نفسه على تفاصيل حياة الملايين. فالأرقام التي تظهر تكشف عن تسارع خطير في وتيرة ارتفاع الأسعار، خصوصاً في قطاع الغذاء، حيث بات تأمين الاحتياجات الأساسية معركة يومية للعديد من الأسر.

ووفق بيانات مركز الإحصاء الإيراني، بلغ معدل التضخم السنوي في آذار/مارس ونيسان/أبريل نحو 73.5%، فيما قفز تضخم المواد الغذائية إلى 115%. وكانت سلع أساسية مثل الزيت والأرز والدجاج من بين أكثر المواد التي شهدت ارتفاعات حادة، ما جعلها تخرج تدريجياً من متناول شرائح واسعة من ذوي الدخل المحدود.

أما على المستوى الاقتصادي العام، فيتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ متوسط التضخم في إيران خلال عام 2026 نحو 68.9%، مع انكماش حقيقي في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 6.1%-. وهذه الأرقام لا تعكس أزمة أسعار فقط، بل تشير إلى تراجع القدرة على تأمين الغذاء، وتآكل مستوى الصحة العامة، وانكماش مساحة الحياة الطبيعية للأسر.

وفي السياق ذاته، يحذر التقرير المشترك لمنظمة الأمم المتحدة للطفولة (اليونيسف) ومنظمة الصحة العالمية لعام 2025 من أن استمرار التضخم الغذائي المرتفع يهدد قدرة ملايين الأشخاص على الوصول إلى غذاء صحي ومتوازن، وأن النساء والأطفال يتحملون العبء الأكبر من هذه الأزمة.

ويشير التقرير إلى أن ارتفاع أسعار الغذاء بنسبة 10% يرتبط بزيادة معدلات انعدام الأمن الغذائي وارتفاع خطر الهزال الشديد الناتج عن سوء التغذية لدى الأطفال دون سن الخامسة. كما يلفت إلى أن النساء أكثر عرضة لتبعات هذه الصدمات بسبب الفجوات الاقتصادية والاجتماعية، وضعف الوصول إلى الموارد، وتحملهن الجزء الأكبر من أعباء الرعاية.

 

التضخم يثقل كاهل النساء والأسر

وفي هذا السياق تقول شيوا. ر، الباحثة في مجال دراسات الرفاه الاجتماعي من طهران، إن "ما يحدث ليس مجرد ارتفاع في أسعار بعض المواد، بل هو تفكك تدريجي لسلة غذائية كانت في السابق ضمن قدرة الأسر على التحمل. فعندما يتجاوز تضخم الغذاء التضخم العام، تبدأ الأسر أولاً بحذف الأغذية الأعلى تكلفة مثل اللحوم ومنتجات الألبان والفواكه والخضروات، ثم تنتقل إلى تقليص جودة مصادر البروتين وتنوع الوجبات، وفي المرحلة الأكثر قسوة تبدأ الأمهات بالتخلي عن جزء من حصتهن الغذائية حتى يبقى الطعام متاحاً لأطفالهن".

وأضافت "خلال الأشهر الأولى من العام الجاري، أصبح هذا الفارق واضحاً؛ فبينما كان التضخم العام مرتفعاً بشكل غير مسبوق، كانت أسعار الغذاء ترتفع بسرعة أكبر، ما أدى إلى خروج عدد من السلع الأساسية فعلياً من دائرة الاستهلاك لدى الطبقات الفقيرة".

وأوضحت أن النساء أول من يدفعن ثمن تلك الأزمات "لأنهن غالباً ما يكنّ خط الدفاع الأول داخل الأسرة في مواجهة الأزمات. فهنّ المسؤولات عن إدارة ميزانية الغذاء، والتسوق، والطهي، والرعاية اليومية، وفي الوقت نفسه تواجه كثيرات منهن أوضاعاً اقتصادية أكثر هشاشة بسبب انخفاض الدخل أو عدم استقراره".

ولفتت إلى أن تقرير "حالة الأمن الغذائي والتغذية في العالم" لعام 2025، يشير إلى أن القيود المرتبطة بالنوع الاجتماعي، من ضعف الوصول إلى الموارد الاقتصادية إلى عبء الرعاية غير المتكافئ، تقلل قدرة النساء على مواجهة ارتفاع الأسعار، وقد تدفعهن إلى تقليص استهلاكهن الغذائي قبل غيرهن.

 

سوء تغذية الأمهات يهدد صحة الأجيال

وترى أن الجانب الثقافي يزيد من عمق المشكلة؛ إذ غالباً ما يُنظر إلى تنازل الأم عن احتياجاتها الغذائية باعتباره تضحية أو فضيلة، بينما هو في الحقيقة انعكاس لضغط اقتصادي واجتماعي متراكم.

وحول تأثير تلك الأزمات على الحوامل تقول "بالنسبة للمرأة الحامل، لا تتمثل الأزمة فقط في نقص كمية الطعام، بل في فقدان العناصر الضرورية لنمو صحي، مثل الحديد واليود وحمض الفوليك والكالسيوم والزنك. وتوضح اليونيسف أن سوء التغذية أثناء الحمل قد يؤدي إلى مضاعفات خطيرة مثل فقر الدم، وتسمم الحمل، والنزيف، وحتى وفاة الأم، كما يمكن أن يؤثر على الجنين عبر زيادة مخاطر وفاة الجنين، وانخفاض الوزن عند الولادة، والهزال الشديد، وتأخر النمو".

كما تؤكد منظمة الصحة العالمية أن انخفاض وزن المواليد ليس مجرد مشكلة فردية، بل مؤشر على أزمة صحية عامة ترتبط بسوء تغذية الأم، والأمراض، وضعف الرعاية خلال فترة الحمل كما أوضحت شيوا. ر.

وشددت على أنه في إيران، لم تعد قضية انعدام الأمن الغذائي لدى النساء الحوامل مجرد احتمال مستقبلي؛ فقد أظهر تحليل تلوي للدراسات المتعلقة بالنساء الحوامل الإيرانيات أن معدل انتشار انعدام الأمن الغذائي بلغ نحو 45%، بينما سجلت دراسة حديثة في قزوين نسبة أعلى وصلت إلى 71.4%.

 

أزمة الغذاء تهدد مستقبل أطفال إيران

وعما إذا كان المجتمع الإيراني يقف أمام تهديد صامت يطال الجيل القادم تقول "نعم، فعندما يبدأ الحمل في ظروف يسودها انعدام الأمن الغذائي، فإن الضرر لا يتوقف عند صحة الأم الحالية، بل يمتد إلى مسار نمو الطفل ومستقبله".

وتابعت "توضح تقارير الأمن الغذائي العالمية أن ارتفاع أسعار الغذاء يرتبط بزيادة معدلات سوء التغذية والهزال الشديد لدى الأطفال الصغار"، كما تؤكد اليونيسف أن ضمان وصول النساء والأطفال إلى أغذية مغذية يمثل أولوية أساسية، لأن جودة غذائهم يمكن أن تتدهور بسرعة في ظل الأزمات الاقتصادية.

وأضافت "تضخم الغذاء لا يعني فقط أن المائدة أصبحت أصغر، بل يعني أن مستقبل الطفل نفسه يصبح أكثر هشاشة؛ من النمو الجسدي إلى القدرة على التعلم والمناعة والصحة العامة. إن الأزمة الغذائية في إيران لا تُقاس فقط بما يظهر في الأسواق، بل بما يحدث داخل الأجساد والبيوت؛ حيث تضطر أسر بأكملها إلى تقليص احتياجاتها يوماً بعد يوم من أجل البقاء".