عنف خفي في ظل الصمت الهيكلي
وفقاً لبحث سيمين كاظمي، تعرضت 66% من النساء للتحرش الجنسي، وواجهت 34% منهن حملاً نتيجة لذلك. وكان 20.7% من المعتدين معروفين، و34.5% غرباء، بينما جمع 44.8% بين أشخاص معروفين وغرباء.
مركز الأخبار ـ يقع العنف الجنسي ضد النساء ذوات الإعاقة الذهنية عند نقطة تقاطع التمييز القائم على النوع الاجتماعي والتمييز ضد الأشخاص ذوي الإعاقة؛ وهي حالة يمكن أن تجعل الاعتماد على مقدّمي الرعاية، وصعوبات التواصل، والوصمة الاجتماعية، وعدم تصديق رواية الضحية، هذا العنفَ خفيّاً وصعب الإبلاغ عنه ومتابعته.
تناولت سيمين كاظمي، الطبيبة والباحثة في مجال الصحة الاجتماعية، في بحث لها بعنوان "العنف غير المرئي: الاعتداء الجنسي على النساء ذوات الإعاقة الذهنية في ظل الصمت البنيوي"، الأبعاد الأقل ظهوراً لهذا النوع من العنف، ووضعته في إطار أوجه عدم المساواة المتزامنة المرتبطة بالنوع الاجتماعي والإعاقة.
وتشير سيمين كاظمي في هذا البحث إلى دراسة أجراها رضائي دهنوي وعرب شيباني حول النساء ذوات الإعاقة الذهنية في إحدى مؤسسات الرعاية في إيران. ووفقاً لنتائج هذه الدراسة، فإن 66 في المئة من النساء المشمولات بالبحث تعرضن للاعتداء الجنسي، ومن بينهن واجهت 34 في المئة منهن حملاً بعد هذا الاعتداء. أما المعتدون، فقد كان 20.7 في المئة منهم من أشخاص معروفين للضحايا، و34.5 في المئة من أشخاص غرباء، في حين كان 44.8 في المئة من الحالات من أشخاص معروفين وغرباء على حد سواء.
وتتعلق هذه الأرقام بمؤسسة محددة، ولا يمكن تعميمها على جميع النساء ذوات الإعاقة الذهنية في إيران، لكن سيمين كاظمي ترى أن هذه البيانات المحدودة بحد ذاتها تكشف عن حجم المشكلة وعن مدى تعرض هذه الفئة للعنف الجنسي، ولا سيما في ظل الظروف التي تكون فيها إمكانية التعبير عن التجربة والوصول إلى الدعم أكثر صعوبة بالنسبة إليهن.
ومن المحاور الرئيسية في هذا البحث اعتماد النساء ذوات الإعاقة الذهنية على الأسرة ومقدّمي الرعاية وغيرهم من الأشخاص في أداء بعض شؤون الحياة اليومية. وقد يهيئ هذا الاعتماد، في بعض الظروف، المجال للاستغلال أو يقلل من قدرة المرأة على المقاومة والإفصاح عن العنف. وإذا كان المعتدي شخصاً قريباً أو موضع ثقة، تصبح الحالة أكثر تعقيداً، إذ قد تجد الضحية نفسها مضطرة إلى تجاوز الشبكة ذاتها التي تشكل جزءاً من حياتها ورعايتها من أجل التعبير عما تعرضت له.
إلى جانب الاعتماد على الآخرين، تمثل صعوبات التواصل أيضاً إحدى العقبات التي تؤكد عليها سيمين كاظمي. فقد تواجه النساء ذوات الإعاقة الذهنية صعوبة في شرح تجربة العنف بصورة دقيقة، أو تحديد هوية المعتدي، أو عرض تفاصيل الاعتداء. وفي مثل هذه الظروف، إذا قوبلت روايتهن منذ البداية بالشك أو عدم التصديق، تزداد احتمالات بقاء العنف مخفياً.
ولا تقتصر هذه المشكلة على القدرة على الإفصاح عن الاعتداء. فعدم ثقة المحيطين بالمرأة ذات الإعاقة الذهنية في أقوالها يمكن أن يصعّب أيضاً وصولها إلى الخدمات الطبية والدعم والخدمات القضائية. وهكذا، تتداخل أوجه عدم المساواة القائمة في المكانة الاجتماعية والجندرية للفرد مع العوائق المرتبطة بالتواصل والاعتماد على الآخرين، مما يحد من إمكانية الوصول إلى العدالة والانتصاف.
ولتوضيح دور الثقافة العامة في تمثيل هذه القضية، تشير سيمين كاظمي إلى مثال من مسلسل "دایی جان ناپلئون" (العم نابلون العزيز)، حيث يُصوّر الاعتداء الجنسي على قمر، وهي فتاة ذات إعاقة ذهنية، في قالب كوميدي. وتطرح سيمين كاظمي هذا المثال بوصفه مؤشراً على كيفية تطبيع العنف ضد الأشخاص ذوي الإعاقة الذهنية أو التقليل من خطورته في الثقافة العامة؛ وهو عنف قد يتحول، في مثل هذه التمثيلات، من قضية ينبغي أخذها على محمل الجد إلى موضوع للسخرية.
لا تقتصر تداعيات العنف الجنسي على وقت وقوع الاعتداء. وتشير سيمين كاظمي في مذكرتها إلى تداعيات جسدية، مثل الإصابات البدنية، والحمل غير المرغوب فيه، والأمراض المنقولة جنسياً، إلى جانب مشكلات أخرى مثل الصداع، والآلام الجسدية، واضطرابات النوم، وغيرها من الأعراض الجسدية.
وقد تكون التداعيات النفسية أوسع نطاقاً، إذ يمكن أن تشمل القلق، والاكتئاب، ونوبات الهلع، واضطراب ما بعد الصدمة، والشعور بالخجل والذنب، وتراجع تقدير الذات، والسلوك العدواني، وفقدان الثقة بالآخرين. وعلى المستوى الاجتماعي، يمكن أن تضاف الوصمة الاجتماعية، ولوم الضحية، والعزلة، وحتى العنف الأسري، إلى التداعيات الأولية للاعتداء، مما يزيد من تعقيد ظروف الضحية.
ومن وجهة نظر سيمين كاظمي، تتمثل إحدى المشكلات الأساسية في التعامل مع هذه القضية في غياب آليات كافية لاكتشاف حالات العنف وتسجيلها. فقد يحدث العنف الجنسي ضد النساء ذوات الإعاقة الذهنية داخل الأسرة، أو في مؤسسات الرعاية، أو في البيئات التعليمية، أو في أماكن أخرى تعتمد فيها المرأة على الآخرين لتلبية احتياجاتها اليومية؛ غير أن نقص التدريب الكافي لمقدمي الرعاية والمتخصصين، وصعوبة الوصول إلى آليات الإبلاغ، قد يؤديان إلى عدم تسجيل جزء من هذه الحالات على الإطلاق.
وفي هذا السياق، تواجه منظومة الرعاية الصحية، والمؤسسات القضائية، ومراكز الرعاية، وغيرها من الجهات المقدمة للخدمات، أيضاً مشكلة تتعلق بإمكانية الوصول.
وينبغي تقديم المعلومات المتعلقة بالحقوق الشخصية والجنسية، وخدمات الدعم، وإمكانية الإبلاغ عن العنف، بطريقة ميسّرة للنساء ذوات الإعاقة الذهنية؛ وإلا فإن وجود هذه الخدمات رسمياً لا يعني بالضرورة إمكانية الاستفادة منها فعلياً.
كما تؤكد سيمين كاظمي أهمية التوعية بالحقوق، والحدود الشخصية، ومفهوم الموافقة. ويحتاج هذا النوع من التوعية لدى النساء ذوات الإعاقة الذهنية، نظراً إلى الاختلافات الفردية في القدرات على التواصل والتعلم، إلى أساليب ملائمة وسهلة الوصول. ومن هذا المنظور، لا تقتصر المسألة على التوعية بهدف الوقاية من الاعتداء، بل تشمل أيضاً تعزيز القدرة على التعرف إلى السلوك العنيف، والتعبير عن الرفض، وطلب المساعدة.
وفي المقابل، فإن فرض مزيد من السيطرة على أجساد النساء ذوات الإعاقة الذهنية وحياتهن، من دون توفير إمكانية وصولهن بصورة مستقلة إلى المعلومات والدعم والخدمات، لا يمكن أن يعني بحد ذاته زيادة مستوى الأمان. فالاعتماد المفرط على مقدمي الرعاية، إذا لم يكن مصحوباً بآليات مستقلة للرقابة والحماية، قد يشكل هو نفسه جزءاً من مواطن الضعف البنيوية التي تعاني منها هؤلاء النساء.
وتُطرح هذه القضية في إيران في ظل استمرار اعتبار العنف الجنسي من الموضوعات الحساسة التي لا تحظى بالقدر الكافي من النقاش في المجال العام. كما أن محدودية الدراسات الشاملة وصعوبة الوصول إلى بيانات دقيقة، إلى جانب احتمال عدم الإبلاغ عن حالات العنف، أدت إلى عدم توفر صورة كاملة عن أبعاد هذه المشكلة.
ومن هنا، فإن عنوان "العنف غير المرئي" الذي اختارته سيمين كاظمي لبحثها لا يشير فقط إلى خفاء الاعتداء نفسه؛ بل يشير أيضاً إلى مجموعة من العوامل، بدءاً من الاعتماد والتمييز، مروراً بصعوبات التواصل وعدم تصديق رواية الضحية والوصمة الاجتماعية، وصولاً إلى ضعف آليات الدعم والحماية، وهي عوامل يمكن أن تجعل العنف أقل ظهوراً منذ لحظة وقوعه وحتى مرحلة الإبلاغ عنه والتعامل معه.
وبناءً على هذا المنظور، لا يمكن اختزال العنف الجنسي ضد النساء ذوات الإعاقة الذهنية في العلاقة بين الضحية والمعتدي وحدهما. فالظروف الاجتماعية والمؤسسية المحيطة بهؤلاء النساء تؤدي أيضاً دوراً في تحديد مستوى تعرضهن للخطر، وقدرتهن على الإفصاح عن العنف، والوصول إلى الدعم، وإمكانية متابعة القضية. وترى سيمين كاظمي أن هذه القضية تمثل جزءاً من ذلك "الصمت البنيوي" نفسه، الذي يجعل العنف ضد هذه الفئة، رغم آثاره الفردية والاجتماعية الواسعة، أقل ظهوراً وأقل حضوراً في النقاش العام.