ندوة تناقش إصلاح منظومة نقل الفلاحات وتداعيات الحوادث المتكررة
سلطت الندوة الوطنية بسيدي بوزيد الضوء على مخاطر النقل غير الآمن للعاملات الفلاحيات وتداعياته المتكررة، مؤكدة ضرورة إيجاد حلول عملية تعزز السلامة والصحة المهنية وتضمن نقلاً آمناً وظروف عمل لائقة للنساء في المناطق الريفية.
إخلاص الحمروني
تونس ـ أجمعت المشاركات في الندوة الوطنية بسيدي بوزيد على خطورة النقل غير الآمن للعاملات الفلاحيات، مؤكدات ضرورة إصلاح المنظومة وتعزيز السلامة والصحة المهنية، وتوفير نقل آمن وظروف عمل تحفظ كرامة النساء في المناطق الريفية.
احتضنت مدينة سيدي بوزيد أمس الأربعاء 19 آب/أغسطس، ندوة وطنية حول "النقل الآمن للنساء العاملات في القطاع الفلاحي: مدخل لتعزيز السلامة والصحة المهنية والعمل اللائق"، وذلك بمقر الاتحاد الجهوي للشغل، في حدث جمع فاعلين حقوقيين ونقابيين ومجتمع مدني، إلى جانب عاملات فلاحيات من مختلف الجهات، للبحث عن حلول جذرية لظاهرة تودي بحياة العشرات سنوياً.
وجاء تنظيم الندوة بمبادرة من فرع "صفاقس للجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات"، وبالشراكة مع "الاتحاد الجهوي للشغل بسيدي بوزيد" و"المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية"، إلى جانب جمعيات "النساء أولاً" و"صوت حواء بالرقاب" و"انتصار للمرأة الريفية".
وفي كلمتها الافتتاحية، أكدت صبرية الفريحة، ممثلة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات فرع صفاقس، أن اختيار ولاية سيدي بوزيد لاحتضان هذه الندوة لم يكن اعتباطياً، بل لرمزية هذه الجهة التي تتصدر قائمة الولايات الأكثر تضرراً من حوادث نقل العاملات الفلاحيات.
وأوضحت أن هذه الندوة تأتي في سياق البحث عن تجاوز الألم والوجع اللذين انبثقا عن الفاجعة الأخيرة في المزونة خلال شهر تموز/يوليو الماضي، والتي أسفرت عن وفاة ثلاث عاملات وإصابة 12 أخرى بجروح متفاوتة الخطورة.
وشددت على أن تنظيم هذه الندوة جاء "من وحي الحادث"، معبرةً عن الإرادة في تجاوز الألم من أجل بناء منظومة نقل في قطاع طالما كان سنداً لكل التونسيين، ولكن للأسف لا يجد اعترافاً من أجهزة الدولة ومن قطاعات واسعة من الشعب التونسي.
وأضافت "هذه المناسبة لا نريدها أن تكون مجرد تشخيص لواقع مؤلم، بل فضاءً للحوار والتفعيل المشترك والبحث عن حلول عملية تجعل من حق العاملات الفلاحيات في التنقل الآمن والعمل في ظروف تحفظ كرامتهن وصحتهن وسلامتهن حقاً فعلياً لا مجرد شعار نردده".
وطرحت صبرية الفريحة جملة من الأسئلة المصيرية التي تسعى الندوة للإجابة عنها "نحن هنا في هذه الندوة لنسأل بوضوح: كيف يمكن أن نجعل النقل أكثر أمناً؟ ومن يتحمل المسؤولية؟ كيف نضمن تطبيق شروط السلامة والصحة المهنية؟ وكيف نعالج الحوادث بعد وقوعها والوقاية منها قبل وقوعها؟"، مؤكدةً على ضرورة وضع العاملات الفلاحيات في قلب النقاش والاستماع إلى تجاربهن، لأنهن الأقدر على وصف المخاطر التي يواجهنها أثناء العمل، والحلول التي يمكن أن تستجيب لواقعهن.
واختتمت ممثلة الجمعية "التونسية للنساء الديمقراطيات" كلمتها بالتأكيد على أن السلامة المهنية ليست امتيازاً لفئة معينة دون أخرى والعمل اللائق ليس شعاراً والنقل الآمن ليس رفاهية، بل هي حقوق مرتبطة بكرامة الإنسان، معربةً عن أملها في أن يكون هذا اللقاء فرصة لتوحيد جهود مختلف المتداخلين، مشددة على أن الحديث عن النقل الآمن للعاملات في القطاع الفلاحي هو في جوهره حديث عن الحق في الحياة والحق في الصحة والحق في العمل اللائق والحق في الكرامة.
أرقام مفزعة
فيما يخص واقع هذا القطاع والحلول المقترحة، كشفت حياة العطار عضوة المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية، عن أرقام صادمة تعكس حجم المأساة التي تعاني منها العاملات الفلاحيات في تونس "نحن في المنتدى منذ عام 2015 نقوم برصد الحوادث، ليس لغاية تسجيل الأرقام فقط، بل لتقييم هذه الظاهرة"، مؤكدةً أن الآليات التي رصدتها الدولة لحماية النساء العاملات في القطاع الفلاحي لم تتمكن من حماية المرأة، بل إن عدد الحوادث يرتفع يوماً بعد يوم.
وكشفت أن إحصائيات المنتدى سجلت 1093جريحة و74 وفاة منذ عام 2015، موزعة على 94 حادث نقل للعاملات الفلاحيات، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من هذه الحوادث وقعت بعد عام 2019، وتحديداً حوالي 63% منها بعد إرساء القوانين على غرار قانون 51 والمرسوم عدد 4.
وأوضحت أن جل هذه الحوادث أو أكثر من نصفها أي 55.3 %، وقعت في ثلاث ولايات هي: سيدي بوزيد والقيروان والقصرين، وتتصدر ولاية سيدي بوزيد القائمة بـ24حادثاً، تليها القيروان في المرتبة الثانية، ثم القصرين في المرتبة الثالثة.
وعزت حياة العطار ارتفاع الحوادث في هذه المناطق إلى طابعها الفلاحي الذي يشغل أعداداً كبيرة من النساء، حيث يبلغ عدد العاملات في سيدي بوزيد حوالي 121 ألف امرأة، و57 ألف امرأة في القيروان "من أبرز الأسباب المؤدية إلى ارتفاع هذه الحوادث نخص بالذكر البنية التحتية والوضع الاقتصادي والاجتماعي لهذه الجهات، إضافة إلى وجود حركة بين هذه الولايات، فبعض النساء من القصرين يتجهن للعمل في سيدي بوزيد، ومن القيروان أيضا يذهبن إلى سيدي بوزيد".
وأشارت إلى أن جل الحوادث تتركز في مناطق مثل المغيلة، السبالة بولاية سيدي بوزيد، وهي مناطق أكثر هشاشة وأكثر بطالة في صفوف النساء، وتشهد فيها النساء كل مظاهر العنف بجميع أشكاله.
وشددت على أن العاملة الفلاحية ما تزال محرومة من بطاقة عمل تُقر بمهنتها قانونياً، مؤكدة ضرورة الانطلاق من الاعتراف بهذه المهنة وبحقوق العاملات، باعتبار أن هذا الاعتراف يفتح المجال أمام بحث حقهن في الانخراط داخل الاتحادات الشغلية، واللجوء إلى طب الشغل (فرع طبي يهتم بسلامة العاملين) والحصول على التغطية الاجتماعية، إضافة إلى استعمال المواد الكيميائية ضمن شروط وقاية تضمن سلامتهن.
ونبهت إلى أنه "لا يمكن حصر الحلول في حل واحد أو آلية واحدة، فمثلما يلزمنا قانون وتشريعات تحمي وتنظم العمل في القطاع الفلاحي وحقوق المرأة العاملة فيه، يلزمنا أيضاً آليات تحت إشراف الدولة لمراقبة هذا القطاع وتنظيم العمل فيه".
وقالت حياة العطار إنه "لتنظيم مسألة النقل، يجب تحسين البنية التحتية في المسالك الريفية، وتوفير وسائل نقل آمنة، وتكريس الرقابة والردع للمشغلين والمسؤولين على النقل، وإحداث تفقدية للعمل في القطاع الفلاحي". مشددةً على ضرورة إيجاد آلية لتنظيم عمل الوسيط (السمسار) سواء عبر تنظيمه وهيكلته، باعتباره اليوم المتحكم الوحيد في هذا القطاع "في الصورة لا يوجد فلاح بل يوجد وسيط يؤمن عمل النساء في هذه الحقول ويوجد أيضاً الناقل المسؤول عن نقل النساء" مؤكدةً أنه على الحكومة اليوم ايجاد حلّاً للوسيط لتحمي النساء من الاستغلال والابتزاز اللذين يتعرضن له.
عاملة في القطاع الفلاحي
من جهتها صرحت جنات بن محمد عن جمعية "صوت حواء"، أن هذه الندوة تعتمد مقاربة تشاركية بين الفاعلين في الحق وبين الحقوقيات، من أجل الخروج بتوصيات سيتم تفعيلها في مرحلة لاحقة، لافتةً إلى أن برنامج الندوة ثري ويتضمن العديد من الورشات منها ورشة حول السلامة المهنية والأمان في مواقع العمل والنقل الآمن للعاملات.
وطالبت بضرورة البحث عن آلية جديدة لنقل النساء العاملات في القطاع الفلاحي في ظروف آمنة، معتبرةً أن أهم نقطة هي الاعتراف بالنساء الفلاحات كعاملات، وتدوين مهنتهن في بطاقات التعريف بدلاً من عبارة "شؤون منزل".
واختتمت جنات بن محمد حديثها بالقول "عندما نعترف بمهنتها سنتحدث بعد ذلك عن حقوقها، من انخراط في الاتحادات الشغلية وطب الشغل، إلى تغطية اجتماعية وظروف عمل لائقة"، مؤكدةً أن هذه الندوة تشكل فرصة حقيقية لتحويل معاناة آلاف النساء إلى واقع جديد قائم على الكرامة والعدالة.
برنامج ثري
ولأن موضوع الندوة يعد من المواضيع الشائكة في تونس، فقد تضمن البرنامج كلمات لبعض المشاركين على غرار ممثل الاتحاد العام للشغل بسيدي بوزيد وممثلات عن المجتمع المدني، كما تضمنت أعمال الندوة مدخلات لها صلة بحقوق العاملات في القطاع الفلاحي وأخرى لها صلة بنقل العملات في مجال الفلاحة ومداخلة ثالثة ركزت على القوانين المنظمة لهذا القطاع.
وأكدت المداخلات الموازية تنظيم ورشات تناولت إشكاليات النقل الريفي والسلامة المهنية والحماية الاجتماعية، وتم عرض مخرجاتها التي شددت أساساً على ضرورة الاعتراف بمهنة المرأة العاملة الفلاحية، وتنظيم القطاع من مستوى الوسيط المسؤول عن النقل وصولاً إلى الفلاح، مع توفير ما تحتاجه العاملات من وسائل حماية ونقل آمن وظروف عمل لائقة، بعيداً عن كل أشكال الاستغلال والتحرش.
ومن مخرجات الورشات أيضاً ضرورة إشراك المرأة الفلاحة في القرارات وتخصيصها بامتيازات عند صياغة السياسات العمومية للبلاد. كما أجمع الحاضرون والحاضرات على أهمية وجود دور للمرأة في المجتمع عموماً والريفي خصوصاً باعتبارها عمود المنزل والضامنة لتنشيط القطاع الفلاحي وتأمين الأمن الغذائي، انطلاقاً من هذه الأهمية، طالبوا بضرورة تفعيل القوانين الحامية لها والمدافعة عن حقوقها.