محتجون يطالبون بتفكيك الوحدات الكيميائية الملوثة في قابس

طالب المشاركون في المسيرة الاحتجاجية أمام المجمع الكيميائي بالعاصمة تونس بتفكيك الوحدات الملوِّثة، مؤكدين أن تدهور الأوضاع الصحية والبيئية يستوجب تدخلاً عاجلاً، وأن مطلبهم يمثل حقاً مشروعاً لأهالي المنطقة في بيئة سليمة.

تونس ـ جاءت الوقفة الاحتجاجية في ولاية قابس بالتزامن مع اليوم العالمي للبيئة لتؤكد على إصرار المحتجين على مواصلة تحركاتهم حتى تحقيق مطالبهم بإنهاء النشاط الملوث نهائياً.

نظم عدد من المواطنين أمام المجمع الكيميائي بالعاصمة تونس أمس الجمعة الخامس من أيار/مايو، وقفة احتجاجية للمطالبة بتفكيك الوحدات الكيميائية الملوثة، وذلك تزامناً مع اليوم العالمي للبيئة، وأكد المحتجون أن هذا المطلب يمثل حقاً مشروعاً لأهالي المنطقة، وأن التبعات البيئية للمجمع لا تقتصر على التلوث، بل امتدت لتشمل تدهوراً صحياً لافتاً، مشيرين إلى رصد أكثر من 20 حالة اختناق في المنطقة منذ آب/أغسطس 2025 وحتى الآن.

 

الوضع الصحي والبيئي المتدهور

وعلى هامش المسيرة أوضحت لينا ظاهري الناشطة الحقوقية بـ stop pollution، أن الحراك قد انتقل إلى المسار القضائي عبر رفع قضية استعجالية من قبل الفرع الجهوي للمحامين بقابس، مشددةً في الوقت ذاته على رفضهم للوعود الحكومية ومحملة الدولة المسؤولية الكاملة عن التدهور البيئي والصحي الذي يعاني منه السكان.

واتهمت إياها بـ "التواطؤ" عبر التستر على المخاطر البيئية والصحية التي يسببها المجمع الكيميائي منذ السبعينيات وحتى اليوم، مشيرةً إلى أن تلك المجمعات تواصل عملها رغم ما تم تداوله من تسريبات حول مخاطرها "أن المشاريع الصناعية الجديدة مثل الهيدروجين الأخضر قد تستنزف الموارد المائية في ولاية قابس التي تعاني بالفعل من شح في المياه".

وقالت لينا ظاهري إن المجمع الكيميائي يمتلك بنية هيكلية قديمة، مما يجعل مخاطره تتفاقم يوماً بعد يوم، مع توقعات بظهور أمراض ومضاعفات بيئية أكثر خطورة في المستقبل، مشددةً على تمسكهم بمطلب "تفكيك الوحدات الملوثة"، معتبرةً أن هذا المطلب يمثل إجماعاً شعبياً لا يقل أهمية عن أي قضية أخرى في تونس.

وأكد المشاركون أنهم سيستمرون في تنظيم الوقفات الاحتجاجية مثل الوقفة المقررة اليوم السبت بولاية قابس للتعبير عن رفضهم للوعود الحكومية، معتبرين أن القرار بأيدي الشعب وليس بأيدي الحكومة.

 

"ظلم اجتماعي"

وخلال كلمتها، انتقدت احدى المشاركات حالة التدهور في القطاع الصحي، مشيرةً إلى نقص حاد في الأكسجين والمستلزمات الطبية في المستشفيات التي تخدم أهالي قابس، مما يعيق قدرة هذه المؤسسات على تقديم الرعاية اللازمة للمرضى.

ووصفت المعاناة بأنها "ظلم اجتماعي" يتمثل في حرمان المواطنين من حقوقهم الأساسية، في ظل ما اعتبرته تجاهلاً من قبل السلطات لخطورة الوضع الصحي والبيئي بالمنطقة، مؤكدة أن هذا الحراك ليس مجرد صرخة احتجاجية عابرة، بل هو تعبير عن إصرار أهالي قابس على استعادة حقهم في بيئة سليمة.

وأوضحت أن المحتجين عازمون على مواصلة نضالهم السلمي ورفع أصواتهم عالياً حتى يتم إيجاد حل جذري يُنهي النشاط الكيميائي الملوث في جهتهم، مشددةً على أن مطالبهم هي حقوق مشروعة لا تقبل المساومة.

وتعد مدينة قابس جنوب تونس، واحدة من أبرز الأمثلة في العالم على ما يُعرف بـ "العدالة البيئية المفقودة"، حيث يعيش سكانها بين مطرقة التنمية الصناعية وسندان التدهور البيئي المزمن الذي يهدد استمرارية الحياة في هذه المنطقة المهمشة.

ومنذ تأسس المجمع الكيميائي التونسي في قابس عام 1972 وسط المدينة، وعلى مقربة من واحتها النخيلية الشهيرة وشاطئها الذي كان يُعد يوماً ما من أغنى المناطق البحرية في المتوسط، تدهورت الوضعية البيئية بل قتل المجمع الإنسان الشجر وكسر الحجر.

وتحولت المدينة التي كانت تسمى عروس الجنوب، من قطب طبيعي وزراعي وسياحي إلى رمز عالمي للأزمات البيئية، إذ أدى التصريف المستمر لنفايات "الفوسفوجيبس" في البحر، وانبعاث الغازات السامة في الهواء، إلى تغيير جذري في النظام الإيكولوجي للمنطقة.

وتطورت الاحتجاجات في قابس من مطالبات خجولة إلى حملات مدنية منظمة، مثل حركة "أوقفوا التلوث" (Stop Pollution)، التي تحولت إلى رمز للنضال من أجل العدالة البيئية في تونس.

وطالب المحتجون اليوم بتفكيك الوحدات الملوثة، وإيجاد بدائل تنموية مستدامة مثل السياحة البيئية والطاقات المتجددة، معتبرين أن الوعود الحكومية المتكررة بالمعالجة البيئية لم ترقَ بعد إلى مستوى التحديات الكارثية على الأرض.

إن واقع التلوث في قابس ليس مجرد قضية بيئية محلية، بل هو قضية وطنية بامتياز، تضع الدولة أمام مسؤولياتها التاريخية في اختيار نموذج تنموي لا يضحي بصحة المواطن وسلامة البيئة من أجل الأرقام الاقتصادية، والمعركة اليوم في قابس ليست ضد الصناعة في حد ذاتها، بل ضد نمط إنتاجي عفا عليه الزمن ولا يضع حياة الإنسان ضمن أولوياته.