مذكرات طفلة مهاجرة

يوميات روهيڤ قاسم تحمل ما لم تستطع السنوات محوه مثل الآلام الحيّة، وطفولة عبرت الهجرة قبل أن تعبر المدرسة. وعلى خطوط كتابتها، تظهر مسارات الهجرة أوضح من أحلام الطفولة، وكأن الطريق هو الذي كتب عنها، لا هي التي كتبته.

بريفان إناتجي

ديريك ـ بعض الأقلام تُطلق الخيال فوق الصفحات؛ تبني مدناً لم تُرَ بعد، وترسم رحلات لم تُعَش، وتنسج أفراحاً تقيم في أحلام الغد، وآمالاً تبحث عن مكانها بين السطور. لكن هناك أقلاماً أخرى تختار أن تكتب الحقيقة كما عاشتْها، الحقيقة التي بقيت مختبئة في زوايا الذاكرة. فمهما طال الزمن، تظل الآلام التي لم تُنسَ، والفرح الناقص، والبيوت التي تُركت خلفاً، والرحلات التي لا تنتهي، وطفولة عبرت الهجرة مُكرهة، شاهدةً لا تغيب. ويوميات روهيڤ تنتمي إلى هذا النوع الأخير؛ النوع الذي يكتب ليشهد، لا ليُجمّل.

على سطور كتابتها، تظهر طرق الهجرة أوضح من ملامح طفولتها. ففي صفحات يومياتها، تتناثر بقايا ذكريات صغيرة، ولعبة أنقذتها من إحدى الهجرات، ودفترٌ وقلمٌ انتزعتهما من هجرة أخرى، ومدن تنقلت بينها، وسنوات طويلة من الفقدان ظلت مختبئة بين الصفحات. كل تفصيل فيها يشهد على طفولةٍ عبرت الطريق لا لتكبر، بل لتنجو.

 

 

تبدأ حكاية روهيڤ قاسم بالطريقة نفسها التي تبدأ بها حكايات كثير من أطفال الهجرة. روهيڤ، ابنة مدينة عفرين في روج آفا تبلغ اليوم أربعة عشر عاماً؛ أربعة عشر عاماً حملت خلالها ست محاولات للهجرة، وكأن الطريق كان قدر طفولتها.

مع اندلاع الصراع في سوريا، اضطرت عائلتها التي كانت تقيم في مدينة حلب إلى العبور نحو تركيا. وحين هدأ الوضع قليلاً، عادوا إلى عفرين، لكنهم عادوا مثقلين بسنوات الفقدان، غير أن رحلة الهجرة لم تكن قد انتهت بعد.

ففي 18 آذار/مارس 2018، حين بدأ الاحتلال التركي هجماته على عفرين، كانت روهيڤ في السادسة من عمرها. تلك الأيام ما زالت عالقة في ذاكرتها؛ صور غير مكتملة، وأصوات مشوشة، لكن شيئاً واحداً لم يغب: الممرّ الذي كان الجميع يركضون فيه وهم يجمعون ما استطاعوا حمله، واللعبة الصغيرة التي كانت تشدها إلى صدرها وكأنها آخر ما تبقى من طفولتها.

 

الهجرة من عفرين

حين اضطرت رُوهيڤ مع عائلتها إلى الهجرة نحو الشهباء، لم تكن قد تعلمت القراءة والكتابة بعد. ارتبطت حروفها الأولى مباشرة بسنوات الهجرة؛ فالكلمات التي تعلمتها، والجمل التي خطتها للمرة الأولى، كانت تلك التي سجلتها في يومياتها. الحروف المرتجفة في بداياتها تشهد على طفلة تكبر فوق طرقٍ لا تنتهي.

وبجمل بسيطة، لكنها مشبعة بصدق التجربة، كتبت عن هجرتها من عفرين "خلال ثلاثة أيام وصلنا إلى قرية صوخانك. ثم ذهبنا إلى قرية أخرى. بقينا في أحد البيوت. لم يكن هناك باب ولا نافذة. تحت البيت كان مجرد تراب. وعلى السطح لم يكن هناك شيء. كانت الأمطار تهطل علينا فنبتل. أصوات القصف كانت قريبة جداً منا. ثم ذهبنا إلى قرية زيارة. هناك وجدنا بيتاً بثلاث غرف. بقينا فيه مع عشر عائلات".

تتحدث روهيڤ قاسم عن هجرتها من عفرين قائلة "لم أفهم ما الذي كان يحدث، كل ما رأيته هو أن الجميع كانوا يجمعون أغراضهم، فأمسكت أنا أيضاً بلعبتي. وحتى وصولنا إلى الشهباء بقيت تلك اللعبة معي".

 

الشهباء... المكان الذي أكملت تعليمها فيه 

بعد فترة من الاستقرار في الشهباء، بدأت المدارس تُفتح من جديد، وبدأت روهيڤ، كغيرها من الأطفال، أولى خطواتها في التعلم. في ذاكرتها أمنية واضحة "علي أن أتعلم القراءة والكتابة بسرعة"، فهناك جُمل تريد أن تبنيها على صفحات يومياتها، وآمال تريد أن ترسمها على السطور.

وبينما كانت رُوهيڤ تعيش في الشهباء على أمل العودة إلى عفرين، كانت ترى أمامها ملامح هجرة جديدة تتقدم بخطوات ثابتة. فقد كتبت في يومياتها أن أثقل ما مرّ عليها لم يكن الهجرة الأولى، بل الهجرة التي بدأت من الشهباء؛ الهجرة التي لم تترك خلفها بيتاً فقط، بل اقتلعت صداقاتها، وقطعت طريقها إلى المدرسة.

وبمشاعرٍ تفيض بالألم، سجلت في يومياتها "في الساعة الخامسة صباحاً خرجنا من القرية. كان أبي وجدتي في عملهما، ولحقا بنا في النهاية. بقينا يوماً كاملاً في الطريق. تلك الليلة أرادت جارتنا زيارة أهلها، لكنها استشهدت في الطريق. كان لديها طفلان صغيران. في الساعة الثامنة صباحاً دخلت المجموعات المسلحة إلى القرية".   

كلماتها قصيرة، لكنها تحمل وزناً يفوق عمرها، وتشهد على طفلة تعلمت مبكراً أن الهجرة ليست طريقاً واحداً، بل سلسلة من الفقدان المتكرر.

هذه المرة، لم تأخذ روهيڤ ألعابها معها، بل مذكراتها وأقلامها عندما هربت من الخوف الرهيب من الهجمات وتوجهت إلى الطبقة.

كلما تقلبت الصفحات، كانت المدن تتغير أيضاً. الشهباء… الطبقة… ديريك… كل مدينة تصبح تاريخاً جديداً يزداد على صفحات روهيڤ. وكل تاريخ هو بيت آخر تُرك خلفها، شارع آخر، وحياة أخرى…

 

كلمات مخفية بين سطور اليوميات

كلما كبرت روهيڤ، ازداد جمال كتابتها. لكن كان هناك دائماً سطر يتكرر بين جمل يومياتها؛ سطر كتبته تحت عنوان "ألم عفرين"، يحمل في داخله أملاً لم يتحقق بعد. بعيني طفلة، تترك روهيڤ مساحة لخيالها كي يصنع مستقبلاً حراً وجميلاً تعيشه. وهذا المستقبل هو "العودة".

كتبت روهيڤ طلبها للعودة والحرية بهذه الكلمات في يومياتها "كفى ظلماً واضطهاداً بحقنا نحن الكرد، كفى فقداناً للشهداء والأسرى، كفى حزناً ودموعاً لأمهاتنا الكرديات".

تتحدث روهيڤ عن اشتياقها قائلة "أكثر ما أشتاق إليه هو صديقتي. هي في عفرين. أشتاق أيضاً إلى المدرسة. لقد مر تسع سنوات منذ أن خرجت من عفرين. الكثير من الأشياء هناك لم تعد حاضرة في ذاكرتي، لكنني أريد أن أعود وأن يكون كل شيء جميلاً كما كان. أريد للأطفال أن يواصلوا تعليمهم وألا يُحرَموا منه، لأن التعليم يجلب مستقبلاً جميلاً للإنسان. وأنا أيضاً سأواصل الكتابة".

وتقول إن مطلبها الوحيد بعد العودة إلى عفرين هو أن تواصل كتابة يومياتها وتوسيعها، كما ترغب أن تكمل تعليمها باللغة الكردية "أحب الدراسة ولدي فضول كبير تجاهها. أريد أن أكتب كل هذه الأيام الصعبة والجميلة معاً، كي تبقى في التاريخ. آلاف الأطفال من عفرين لم يعيشوا طفولتهم، لأنهم كانوا دائماً على طرق الهجرة وفي قلب الحرب".

كان اليوم الذي أجرت فيه وكالتنا اللقاء مع روهيڤ هو نفسه طريق العودة. كانت تنتظر الرحلة بشوق كبير. بعد سنوات طويلة، عادت الطفلة التي كبرت على طرق الهجرة إلى عفرين. قد تكون الأزقة التي تركت فيها طفولتها لم تعد كما كانت، وقد تكون المدينة التي بقيت في ذاكرتها مختلفة عن المدينة التي تقف أمامها الآن. لكن بعد كل تلك السنوات، وصلت إلى الاشتياقات التي خبأتها بين صفحات يومياتها، والتي حافظت عليها في كل رحلة هجرة مرت بها.

يوميات روهيڤ ليست مجرد قصة طفلة. إنها سطور وجُمل تكشف وجه الحرب الذي لا يمكن إخفاؤه بالأرقام. إنها حكاية الذين اقتُلعوا من أماكنهم، والأطفال الذين اضطروا أن يكبروا مع الهجرة، والذين أمضوا سنوات عمرهم وهم متمسكون بأمل العودة.

يوميات روهيڤ قاسم، التي ختمتها بجملتها الأخيرة "أنا بانتظار العودة، فعندما أعود إلى عفرين سأذهب تحت شجرة الزيتون وأرى صديقاتي"، ها هي الآن تُكملها في عفرين، تحت شجرة الزيتون نفسها.