كيف تغيّر التربية الخاصة مستقبل الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة؟

أكدت المعلمة ميديا عمر عيسى، أن تطوير التربية الخاصة ليس خياراً، بل ضرورة، وأن مسؤولية احتضان الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة لا تقع على المراكز وحدها، بل على المجتمع بأكمله.

هيفي صلاح

السليمانية ـ على امتداد التاريخ، لم يكن الطريق سهلاً أمام الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، فقد عاشوا في مساحات ضيقة بين العزلة والتهميش، وتعرضوا لنظرات مجتمعية قاسية كانت ترى فيهم عبئاً أو كائنات غير قادرة على المشاركة. هذا التصوّر الخاطئ حرمهم من حقوق أساسية، وجعل وجودهم محصوراً داخل جدران الأسرة، بعيداً عن المدرسة والمجتمع.

لكن العالم تغير، ومعه تغير الوعي. ومع ظهور مفهوم التربية الخاصة وانتشار التعليم الشامل، بدأت مرحلة جديدة تتشكل، سواء على مستوى العالم أو داخل إقليم كردستان. أصبح لكل طفل حقاً كاملاً في التعليم، مهما كانت اختلافاته الجسدية أو النفسية. لم يعد السؤال؛ هل يستطيع هذا الطفل أن يتعلم؟ بل أصبح: كيف نهيّئ له البيئة التي تمكنه من التعلم؟

هذا التحول لم يكن مجرد تعديل في المناهج، بل كان ثورة في النظرة الإنسانية. فالتربية الخاصة اليوم تسعى إلى نقل الطفل من دائرة الانعزال إلى فضاء الاندماج، ومن الاعتمادية إلى الاستقلالية، ليصبح قادراً على بناء مستقبله الاقتصادي والاجتماعي مثل أي فرد آخر.

وتتنوّع الفئات التي تحتاج إلى هذا النوع من التربية. فهناك أطفال التوحّد، وأطفال متلازمة داون، والأطفال الذين يعانون من مشكلات في السمع أو البصر أو النطق. وهناك أيضاً فئة لا تقل أهمية: الأطفال الموهوبون أو ذوو القدرات العقلية العالية، الذين يحتاجون إلى برامج خاصة لأن المناهج التقليدية لا تواكب سرعة نموهم العقلي.

كما تشمل التربية الخاصة الأطفال الذين يعانون من صعوبات التعلّم، مثل الديسلكسيا، وهي اضطراب يؤثر في القراءة والكتابة، ويتطلب إشرافاً متخصصاً لضمان تقدّم الطفل.

ولأن لكل طفل حالة فريدة، تعتمد التربية الخاصة على خطة تعليمية فردية تُبنى خصيصاً له. يجتمع فيها المعلم، والأسرة، والأخصائي النفسي، ليشكّلوا فريقاً واحداً يعمل على تمكين الطفل من مهارات الحياة، وتعزيز ثقته بنفسه، ومساعدته على الاندماج الكامل مع أقرانه داخل المؤسسات التعليمية.

 

معاناة الأسر ونظرة المجتمع للأطفال المختلفين

وأوضحت المعلّمة ميديا عمر حسين المشرفة المتخصصة في التربية الخاصة، أن الأطفال المصابين بالتوحد يمتلكون كامل حقوقهم في الحياة والاندماج الاجتماعي، وأنه من واجب المجتمع احتضانهم بدلاً من عزلهم أو تجاهلهم. وفي مركز "ميرسي ماري"، يتم استقبال مختلف الحالات والعمل معها وفق برامج ومناهج عالمية معتمدة. 

وأشارت ميديا عمر حسين إلى أن كثيراً من الأطفال يُجلبون إلى المركز تحت تشخيص "التوحّد"، لكن عند متابعتهم عن قرب يتبيّن أن بعضهم لا يعاني من التوحد، بل من حالات أخرى مثل "اضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه"، وهو من أكثر اضطرابات النمو العصبي انتشاراً، ويظهر غالباً في الطفولة وقد يستمر حتى مراحل لاحقة من العمر. 

وفي المجتمع الكردي تُستخدم تسميات شعبية مثل "الماخۆلان" أو قلة التركيز لوصف هذه السلوكيات، مما يؤدي أحياناً إلى خلطها مع أعراض التوحّد وتشخيصها بشكل خاطئ.

ولفتت إلى أن التشخيص لا يمكن أن يعتمد على سؤالين أو ثلاثة، مثل: هل يدور الطفل حول نفسه؟ هل يمشي على أطراف أصابعه؟ فالإجابة بنعم لا تعني بالضرورة أنه مصاب بالتوحّد. التشخيص الدقيق يحتاج إلى جلسات متابعة، ومراقبة سلوك الطفل، والعمل معه بشكل مباشر، وعندها فقط يمكن تحديد ما إذا كان يعاني من التوحّد أو من حالة أخرى مختلفة تماماً.

وتتركز مهامهم الأساسية في المركز على إعادة تأهيل الطفل ليكون مستعداً للدراسة من جديد، كما أوضحت ميديا حسين، فالكثير من الأطفال الذين يصلون إليهم يعانون من صعوبات في التعلّم، ولذلك يعتمد المركز برنامجاً مكثفاً يساعدهم على اكتساب مهارات القراءة والكتابة، مشيرةً إلى أنها تقوم بتدريب الطفل ومتابعته يومياً لمدة شهر حتى يصبح بالإمكان تحديد طبيعة المشكلة بدقة، ووضع خطة مناسبة للتعامل معها.

ويستقبل المركز الأطفال من عمر ثلاث سنوات وحتى خمسة عشر عاماً. ورغم أن الخامسة عشرة تبدو سناً كبيرة، إلا أن مستوى التعلم لدى بعض الأطفال قد يكون قريباً من مستوى طفل في الخامسة، لذلك يعتمد العمل على قدرة الطفل على التعلم وليس على عمره. 

كما يضم المركز عدداً كبيراً من الأطفال الذين يُصنَّفون ضمن ذوي الاحتياجات الخاصة، وهم أطفال يظهرون طبيعيين في سلوكهم ومظهرهم، لكن عند بدء التعلم تتضح لديهم صعوبات كبيرة، وغالباً ما تظهر هذه المشكلات بعد الصف الرابع.

ولفتت إلى أنه في فصل الصيف، ينظم المركز دورات خاصة لهم دون أي تمييز، لمساعدتهم على التطور وفق قدراتهم المختلفة. وتضرب مثالاً بطفل لا يستطيع التمييز بين الساخن والبارد، فيُدرَّب عملياً عبر لمس كأس ماء بارد وآخر ساخن ليكتسب القدرة على التفريق بينهما، منوهةً إلى أن هذه الفئة تحتاج إلى أساليب تعليمية خاصة لا يمكن توفيرها داخل صف يضم أربعين تلميذاً، لذلك من الضروري توفير بيئة تعليمية مناسبة لهم.

وأشارت إلى أن التواصل مع العائلات جزء أساسي من العمل، لكن الكثير من الأسر تعاني من ضغوط اقتصادية وسياسية واجتماعية، مما يجعلها مرهقة وغير قادرة على تقديم الدعم المطلوب. والأسوأ أن المجتمع كثيراً ما يحمّل الأمهات مسؤولية اختلاف أطفالهن، فيشعرن بالذنب بدلاً من تلقي الدعم "الأمهات بطلات يقدمن تربية عظيمة لأطفالهن رغم الظروف القاسية، ويحتضنّهم بقوة وشجاعة تستحق التقدير".

وأكدت المعلمة ميديا عمر حسين على ضرورة تطوير نظام التربية الخاصة بشكل مستمر. فالنظام ليس نصاً ثابتاً لا يمكن تغييره، بل هو منظومة قابلة للتحديث وفق تطور العلم والتكنولوجيا. وتقول إن التغيير يجب أن يشمل المجتمع أيضاً، وأن يتوقف الناس عن تحميل الطفل مسؤولية اختلافه. فحين تتطور التربية، ينمو الطفل داخل مجتمع أكثر وعياً وقدرة على الاحتواء، مشددةً على أهمية وعي المجتمع تجاه الأطفال ذوي الاحتياجات الخاصة، تماماً كما أصبح واعياً في قضايا البيئة وغيرها. فعندما يصرخ طفل في مكان عام أو يطلب شيئاً بطريقته الخاصة، يجب ألا يُحدّق الناس به أو ينظروا إليه بنظرات استغراب تجعل الأهل يشعرون بالخجل أو الذنب.