دليشان إيبش... تسعة أعوام على رحيل صوت الحقيقة الذي لا يُنسى
على مدار ستة أعوام من مسيرتها الإعلامية، كرست دليشان إيبش جهودها لإيصال حقيقة المجتمع ومعاناته، وتوثيق مسيرة ثورة المرأة في روج آفا، لتصبح عيناً للحقيقة وصوتاً لكل امرأة تسعى لإيصال حكايتها إلى العالم.
نورشان عبدي
كوباني ـ يصادف الثاني عشر من تشرين الأول/أكتوبر الذكرى التاسعة لاستشهاد الإعلامية دليشان إيبش، التي كرست ستة أعوام من حياتها للعمل الصحفي، وجعلت من كاميرتها وسيلة لنقل حقيقة المجتمعات وتسليط الضوء على معاناتها ومآسيها، ولا سيما النساء اللواتي عشن ويلات الحروب والنزاعات. لم تكن الكاميرا بالنسبة إليها مجرد أداة لتوثيق الأحداث، بل كانت نافذتها لإيصال أصوات المهمشين والمظلومين إلى العالم، وكشف الحقائق التي حاولت الحرب طمسها.
ستة أعوام من العمل والنضال الصحفي
ولدت دليشان إيبش عام 1992 بمدينة كوباني في روج آفا، ضمن أسرة وطنية عرفت بمحبتها لوطنها وارتباطها بالقضية الكردية. وكانت انطلاقة ثورة 19 تموز عام 2012 قد شكلت منعطفاً مهماً في حياتها، إذ اختارت الانخراط في مسار الثورة، لتبدأ عام 2013 رحلتها في المجال الإعلامي، من خلال عملها مذيعةً في راديو "صوت كوباني"، الذي كانت من بين مؤسسيه.
ومع بدء هجمات داعش على كوباني عام 2014، شاركت في تغطية المقاومة ونقل الأحداث. إلا أن الظروف الميدانية الصعبة أجبرتها على مغادرة المدينة، لتتعرض خلال رحلتها للاعتقال على يد الدولة التركية، حيث أمضت 18 يوماً في السجن برفقة عدد من زملائها الإعلاميين.
وبعد الإفراج عنها، انتقلت إلى قامشلو، حيث واصلت عملها الإعلامي في راديو "صوت جودي". ومع تحرير كوباني عام 2015، عادت إلى مدينتها واستأنفت عملها في راديو "صوت كوباني"، قبل أن تعمل لمدة شهرين في فضائية روناهي، ثم تنتقل عام 2016 إلى وكالة أنباء هاوار، لتواصل من خلالها تغطية الأحداث الميدانية وتوثيق واقع المجتمع في ظل الحرب.
وخلال مسيرتها، شاركت دليشان إيبش في تغطية الحملات العسكرية التي أطلقتها قوات سوريا الديمقراطية ضد داعش في صرين ومنبج والطبقة والرقة، وصولاً إلى حملة عاصفة الجزيرة في دير الزور، التي كانت محطتها الأخيرة. وفي 12 تشرين الأول/أكتوبر عام 2017، استشهدت دليشان إيبش برفقة زميليها هوكر محمد ورزكار دنيز، أثناء تغطيتهم حملة تحرير دير الزور.
"بعملها أصبحت دليشان صوت الحقيقة وعينها"
في الذكرى التاسعة لاستشهاد دليشان إيبش، تحدثت شيلان محمد، مراسلة فضائية المرأة JN TV في كوباني، للحديث عن مسيرة دليشان المهنية، وشخصيتها، والإرث الصحفي والإنساني الذي تركته خلفها.
وقالت "نحن اليوم في مقبرة الشهيدة دجلة في كوباني، وهو مكان يحمل معنى ومكانة خاصة لدى أبناء هذه المدينة. لكل شهيدة وشهيد في هذه المقبرة قصة وملحمة مؤلمة، ومن بينهم دليشان التي بذلت الكثير من الجهد والعمل من أجل التعريف بحقيقة المجتمع أمام العالم".
وأوضحت أن دليشان، بوصفها شابة من كوباني، أرادت أن تكون جزءاً أساسياً من الثورة، فاختارت العمل الصحفي وسخرت إمكاناتها لنقل واقع مجتمعها، مؤكدةً أن شخصيتها المؤثرة وعملها المتواصل أسهما في ترك بصمة واضحة وإرث مهم في الإعلام.
وقالت إن دليشان كانت تتعامل مع زملائها بروح المعلمة، انطلاقاً من إيمانها بأهمية راديو "صوت كوباني" ودوره في الثورة، ولا سيما أنه كان من المؤسسات الإعلامية الرائدة في المنطقة. ولهذا، بذلت جهوداً كبيرة لتطوير العمل الإعلامي وتعزيز قدرات العاملين فيه، مؤمنةً بأن بناء إعلام قوي يبدأ من إعداد كوادر قادرة على أداء رسالتها بمهنية ومسؤولية.
وعن شخصية دليشان والذكريات التي جمعتها بها، استذكرت شيلان محمد ابتسامتها الدائمة وروحها الإيجابية، قائلةً إن المكان الذي كانت توجد فيه يمتلئ بالسعادة والفرح، فهي صاحبة وجه بشوش وشخصية قوية، وكانت تمنح من حولها المعنويات والثقة بالنفس.
كاميرا توثق المعاناة وتمنح الأمل
لم يقتصر دور دليشان إيبش على العمل داخل المؤسسات الإعلامية، بل كانت إعلامية ميدانية حضرت في العديد من الحملات العسكرية التي شهدتها مناطق شمال وشرق سوريا، ووثقت أوضاع الأهالي والنازحات ومعاناتهن في ظل النزاعات.
وعن دور دليشان في الميدان، أشارت شيلان محمد إلى أن قوتها الشخصية كانت تنعكس على زملائها والمقاتلين المحيطين بها، إذ كانت تحاول بث المعنويات في أصعب الظروف، ولم تسمح للخوف بأن يحد من قدرتها على أداء واجبها.
ولفتت إلى أن دليشان أدت دوراً مهماً في تطوير العمل الإعلامي، ولا سيما إعلام المرأة، من خلال إصرارها على نقل واقع النساء ومعاناتهن، وإبراز دورهن في المقاومة وبناء المجتمع، لتصبح كاميرتها أداةً لتوثيق الأحداث، ووسيلةً للدفاع عن الحقيقة وإيصال أصوات النساء إلى العالم.
وأكدت أن "شهر تشرين الأول يحمل ذكرى عدد من شهداء الإعلام الذين ضحوا بحياتهم في سبيل نقل الحقيقة، ومن بينهم دليشان إيبش"، مشددةً على أن الحفاظ على إرثهم مسؤولية تقع على عاتق الإعلاميين الذين يواصلون العمل في هذا المجال.
وفي ختام حديثها، قالت شيلان محمد إن استذكار دليشان لا يقتصر على إحياء ذكرى استشهادها، بل يتمثل أيضاً في مواصلة رسالتها الإعلامية، وإيصال صوت المجتمع إلى العالم، وتسليط الضوء على قضايا النساء في روج آفا ودورهن في الثورة وبناء المجتمع.
بعد تسعة أعوام على استشهادها، لا تزال دليشان إيبش حاضرةً في ذاكرة زملائها، بما تركته من مواقف وذكريات وتجربة مهنية وإنسانية. فقد رحلت وهي تحمل كاميرتها في ميدان العمل، لكنها تركت خلفها إرثاً يذكر بأن الصحافة ليست مجرد نقل للأحداث، بل مسؤولية تجاه المجتمع، وشهادة على معاناة الناس، ومحاولة دائمة لمنح الحقيقة صوتاً وصورةً لا يغيبان بغياب أصحابهما.