إلى أين تُوجّه الأجيال وسط صراع الأيديولوجيات؟
تستغل التيارات المتشددة في إقليم كردستان الدورات الصيفية لإعادة تشكيل وعي الأطفال، مما يضع الجيل الكردي بين ضغط الهوية الأصيلة والعولمة، ويحوّل هذه الدورات إلى ساحة صراع أيديولوجي تُقصي التعددية وتقدّم الولاء العقائدي على الانتماء الوطني.
هيفي صلاح
السليمانية ـ شهد التعليم الديني في إقليم كردستان خلال العقدين الماضيين تحولاً واضحاً من إطارٍ تقليدي قائم على العائلة والمجتمع إلى حالة من التنافس الهادئ، لكن العميق أيديولوجياً، بين المؤسسات الحكومية ذات الطابع المحافظ وبين التيارات الإسلامية السياسية والسلفية.
في الوقت الذي ثبتت فيه وزارة التربية برنامج التعليم الإسلامي داخل المدارس، تحولت المساجد والمراكز الدينية الأهلية خلال العطلة الصيفية إلى بديلٍ فعلي عن المدارس عبر حملات ودورات صيفية للأطفال. هذا التحول لا يمثل مجرد تغييرٍ في مكان التعلم، بل هو انتقال في فلسفة التربية نفسها: من نظامٍ وطني إلى فضاء حزبي وأيديولوجي يحمل أهدافاً أعمق.
الدين كأداة للسيطرة على الأطفال
على الرغم من أن الدين في جوهره منظومة روحية وأخلاقية، إلا أنه في الواقع السياسي والاجتماعي لإقليم كردستان تحول في جزء كبير من الدورات الصيفية إلى نموذجٍ للضبط السلوكي والفكري الصارم. تُستخدم مفاهيم مثل العيب والحرام والعقاب والثواب بلغةٍ قاسية ومخيفة، ما يخلق لدى الطفل حالة من القلق الداخلي العميق. وفي علم النفس التربوي، يُعدّ هذا شكلاً من "سرقة الطفولة"، إذ يُدفع الطفل في سنّ مبكرة، قبل أن يمتلك القدرة العقلية على التمييز بين المفاهيم الفلسفية، إلى تقسيم العالم إلى ثنائيات حادّة: مؤمن وكافر، طاهر ونجس، طريق الجنة وطريق النار.
هذا النوع من التربية القائمة على الخوف يقتل قدرة الطفل على التفكير النقدي، ويحوّله إلى شخصٍ مطيع يسهل توجيهه لاحقاً من قبل الجماعات الأيديولوجية. تبدأ السيطرة على الطفل من هنا: حين يصبح الشكّ العلمي خطيئة، ويغدو الرفض أو التساؤل سلوكاً غير مقبول، بينما يُقدَّم الامتثال الكامل بوصفه معيار الإيمان الحقيقي. بهذه الطريقة يُعزل الطفل عن المجتمع الأوسع، ويُحبس داخل دائرة فكرية مغلقة، ما قد يؤدي لاحقاً إلى تكوين شخصية خجولة أو متشددة فكرياً داخل المجتمع.
النظام السلطوي والإسلام السياسي في إقليم كردستان
يعيش إقليم كردستان حالة من الازدواجية البنيوية في السلطة، وانقسامٍ واضح في مراكز النفوذ، وهو ما ينعكس مباشرة على البنية الفكرية والسياسية في المجتمع. فمن جهة، يمسك النظام الحاكم والمؤسسة السياسية العليا بزمام السلطة الرسمية، وبأدوات الدولة ومواردها، باعتبارهما القوة الوطنية التي تضبط مفاصل الحكم والإدارة. ومن جهة أخرى، هناك نوع من التفاهم الصامت والمصلحة المشتركة بين هذه السلطة وبين التيارات الإسلامية السياسية والسلفية.
تمنح السلطة السياسية الإسلامَ السياسي مساحة واسعة، بهدف حماية موقعها ومنع أي انفجار اجتماعي أو ظهور معارضة حقيقية. وفي المقابل، تتولى التيارات الإسلامية مهمة ضبط البنية الاجتماعية والثقافية والتربوية، فينشأ نوع من التوازن الذي يسمح للسلطة بالتحكم السياسي، بينما يُترك الشارع والثقافة للإسلام السياسي.
التعليم الديني كاستثمار استراتيجي
تعتبر التيارات الإسلامية، سواء الحزبية أو السلفية القريبة من السلطة، أن تربية الأطفال أهم استثمار استراتيجي للمستقبل. فهي تدرك أن الحكومة تحكم الحاضر عبر السلاح والاقتصاد، لكن السيطرة الحقيقية طويلة الأمد على المجتمع تُبنى عبر التحكم بثقافة الجيل الجديد وفكره.
لذلك تتحول الدورات الصيفية إلى أدوات لتعليم القرآن والسلوك الديني، لكنها في جوهرها تعمل على تأسيس قاعدة اجتماعية مستقبلية قادرة على مواجهة أي تغيير مدني أو علماني قد يظهر في الإقليم مستقبلاً. وهكذا يصبح التعليم الديني ليس مجرد نشاطٍ صيفي، بل مشروعاً أيديولوجياً طويل الأمد يهدف إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق رؤية سياسية محافظة.
نقل التربية من الأسرة إلى المسجد
إحدى أخطر الظواهر التي برزت في السنوات الأخيرة في إقليم كردستان هي انتقال سلطة التربية من الوالدين إلى رجال الدين والمشرفين على الدورات الصيفية في المساجد. هذا التحوّل الاجتماعي يحدث لعدة أسباب؛ أوّلها تراجع ثقة الأهل بقدرتهم على حماية أبنائهم سلوكياً ودينياً، إذ إن الخطاب الديني المتكرر عبر منصّات التواصل يقنع الوالدين بأنهم عاجزون عن مواجهة "مخاطر الانفتاح الثقافي والإنترنت والعولمة"، فيتحوّل المسجد إلى الملاذ الوحيد الذي يُعتقد أنه قادر على "إنقاذ" الأطفال.
السبب الثاني هو تغيّر المرجعية الأساسية للطفل. فحين يلتحق الطفل بهذه الدورات، تنتقل سلطة تحديد ما هو صحيح وما هو خطأ من الوالدين إلى الشيخ أو المدرّس الديني. وفي كثير من الحالات يؤدي ذلك إلى شرخ داخل الأسرة؛ إذ يعود الطفل إلى المنزل وهو يحمل نظرة نقدية أو رافضة لأسلوب حياة والديه، أو يشعر بالاغتراب لأنهما لا يلتزمان بالكامل بالتفسيرات الدينية التي يتلقّاها في المسجد. وهكذا تتولّد حالة من التوتّر داخل العائلة، وتضعف مكانة الأب والأم تحت شعار "حماية الدين والسلوك".
هذا التحوّل يشكّل شكلاً ناعماً من تقويض دور الوالدين، إذ يُعاد تعريف التربية بوصفها مهمة دينية لا أسرية، ما يجعل العائلات أكثر اعتماداً على الخطاب الديني وأقل قدرة على ممارسة دورها الطبيعي. وفي النهاية، تتحوّل الأسرة إلى امتدادٍ لسلطة رجال الدين، بينما يتراجع الدور الأساسي للوالدين في تشكيل شخصية الطفل وتوجيهه.
الهدف الحقيقي للدورات الصيفية خارج إطار البرنامج الرسمي
هذا هو السؤال الجوهري الذي ينبغي التوقف عنده: إذا كانت وزارة التربية في حكومة الإقليم تمتلك كتاباً خاصاً للتربية الإسلامية، وتعيّن معلّمين مختصين داخل المدارس، ويتلقى كل طفل درساً دينياً أسبوعياً، فما الغاية من هذه الدورات الصيفية الدينية التي تُقام خارج المدرسة؟
يتّضح هنا أن الهدف ليس مجرد تعليمٍ ديني بسيط، بل مشروع سياسي وأيديولوجي. فبرنامج وزارة التربية برنامجٌ وطنيّ الطابع، يسعى إلى تقديم الدين بوصفه جزءاً من الثقافة والأخلاق العامة، دون دفع الطفل إلى رفض الثقافات الأخرى أو تبنّي رؤى متشددة. لكن هذا النموذج المتوازن لا يرضي الإسلام السياسي والتيارات السلفية؛ إذ إن هدفها من هذه الدورات هو تجاوز "فلتر" الدولة العلمي والتربوي، لأن هذه الدورات لا تخضع لأي رقابة رسمية على محتواها.
في هذه البيئة غير الخاضعة للرقابة، يستطيع المدرّس الديني أن يقدّم أفكاراً سياسية متشددة، وأن يروّج لخطابٍ معادٍ لحقوق الإنسان والنساء، أو رافضٍ للديمقراطية والتعددية الفكرية، تحت عنوان "العقيدة الصحيحة". كما تهدف هذه الدورات إلى خلق وعيٍ بديل لدى الطفل، بحيث ينظر إلى التعليم الرسمي والعلوم الإنسانية نظرةً دونية أو مشكّكة، بينما يرى المسجد بوصفه المصدر الوحيد للحقيقة المطلقة. وهذا يمهّد لإنتاج جيلٍ أكثر ولاءً للجماعات الدينية أو الأحزاب الإسلامية من ولائه للقانون والوطن.
مشروع لإعادة تشكيل الوعي الاجتماعي
تعمل الدورات الصيفية الدينية في إقليم كردستان، تحت غطاء تعليم القرآن، على إعادة تشكيل البنية النفسية والفكرية للجيل الجديد، بطريقة تخدم النظام السياسي القائم عبر إلهاء المجتمع بصراعٍ أيديولوجي دائم، وفي الوقت نفسه تخدم الإسلام السياسي عبر توسيع قاعدته الاجتماعية، مستفيدة من ضعف الأسرة وصمت الحكومة أو عجزها.
هذا "التهريب التربوي" يشكّل خطراً طويل الأمد على السلم الاجتماعي ومستقبل التعايش في الإقليم؛ فهو ينتج جيلاً لا يمارس التفكير العلمي المفتوح، بل يعتمد على التفكير الإقصائي الرافض لكل ما يخالفه. وهذا يشكّل أكبر تهديد للمجتمع المدني في إقليم كردستان، ويتطلّب معالجة عاجلة، لأن العملية التربوية يجب أن تبقى تحت إشراف المؤسسات الرسمية حصراً، لضمان نشوء جيلٍ سليم قادر على بناء المستقبل.