المرأة ودورها المحوري في بناء المجتمع وتقدّم الإنسانية
تلعب المرأة دوراً جوهرياً في نهضة المجتمع من خلال مشاركتها الفاعلة في مختلف المجالات، الأمر الذي جعلها قوة محركة للتغيير وداعمة لترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية، ويُعدّ تمكينها وتوفير الفرص المتكافئة لها خطوة أساسية نحو بناء مجتمع أكثر تقدّماً وإنصافاً.
هيفي صلاح
السليمانية ـ تلعب المرأة دوراً محورياً في المجتمع، وهو دور يستند إلى الثقة بالنفس والإرادة والفكر المتقدم، فهي ليست فقط صاحبة المبادرة والقدرة على الإبداع والعمل والإنجاز، بل هي أيضاً أمّ وقائدة تمتلك طاقة فريدة في تربية الأجيال وصناعة المستقبل.
إنها تشارك بفاعلية في مختلف مجالات النجاح، ولهذا يُعدّ دور المرأة واحداً من أهم الأدوار الإنسانية في بناء المجتمع وتطوره، وقد أثبتت اليوم قدرتها على التكيّف مع التحولات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، مما يعكس تقدّمها الملحوظ في المجالات التي تتطلب المعرفة والحوار والعمل المستمر.
إسهامات المرأة في التعليم والعمل... مسيرة نضال وتغيير
ويؤكد المختصون أن مشاركة المرأة في التعليم والعمل تُحدث تغييراً مباشراً في وعي المجتمع، فالمرأة من خلال دورها داخل الأسرة تضع الأساس لتنشئة جيل جديد، وهو ما يترك أثراً عميقاً وطويل الأمد في تشكيل الفكر والسلوك داخل المجتمع، وتشير الدراسات إلى أن النساء يشكّلن نحو ٤٣% من القوة العاملة الزراعية في الدول النامية، مما يعكس حضورهن المحوري في الاقتصاد الريفي.
وتشارك النساء بشكل مباشر في الأنشطة الزراعية والاقتصادية داخل القرى، ويختلف حجم هذا الدور من منطقة إلى أخرى. فقد تعمل المرأة في أرضها أو في أرض العائلة، أو في الحقول والمزارع التابعة لمناطق ريفية أخرى. ويشمل دورها في القطاع الزراعي إنتاج المحاصيل، وجلب المياه، وتربية الأسماك، ورعاية المواشي، إضافة إلى مشاركتها في التجارة والتسويق.
حضور في مختلف ميادين الحياة
وتنبع أهمية دور الأمومة في حياة الإنسان من كونها الركيزة الأساسية في بناء الحضارات وقيام الأمم، فهي التي تهيّئ الأفراد القادرين على الإسهام في تطوير المجتمع وخدمة الإنسانية، فالأمومة تحمل في جوهرها دوراً عميقاً في ترسيخ الصحة النفسية والعاطفية لأفراد الأسرة، وتشكيل شخصية متوازنة تتحلى بالقيم والأخلاق، وهو ما ينعكس إيجاباً على المجتمع بأسره.
وتتجلى هذه الأهمية في اهتمام المرأة بأفراد أسرتها، ومساندتهم في مواجهة مشكلاتهم، وتقديم الدعم النفسي والعاطفي لهم، ولا سيما في أوقات المرض والضيق، كما تضطلع الأم بدور محوري في تربية الأطفال وتنشئتهم على أسس اجتماعية سليمة، وتنمية قدراتهم، وتعزيز وعيهم في المجالات الدينية والفكرية والسياسية والثقافية، بما يغرس فيهم القيم الصحيحة والسلوك القويم وبذلك، تصبح الأم حجر الأساس في بناء جيل واعٍ ومسؤول، قادر على الإسهام في نهضة المجتمع وتقدمه.
نماذج تلهم الأجيال
يُعدّ دور المرأة في المجال الطبي من الأدوار الأساسية على مستوى العالم، إذ أثبتت حضورها الفعّال في مختلف التخصصات الصحية، سواء كانت طبيبة، ممرضة، أو عاملة في الرعاية الصحية المجتمعية، فقد تمكنت النساء في هذا العصر من تحقيق نجاحات لافتة في إدارة المستشفيات والمؤسسات الصحية.
كما أن العديد من النساء حققن إنجازات طبية بارزة أهّلتهن لنيل جوائز عالمية مرموقة، بينها جائزة نوبل، تقديراً لدورهن القيادي في تطوير القطاع الصحي، وقد أسهمت جهودهن ومبادراتهن في تحسين جودة الخدمات الطبية، ووضع الخطط والاستراتيجيات التي دفعت بعجلة التقدم الصحي إلى الأمام، وبفضل هذا الدور الحيوي، أصبحت المرأة شريكاً أساسياً في بناء منظومة صحية أكثر تطوراً وكفاءة.
برزت العديد من الأسماء النسائية اللامعة في مجال الطب، حيث استطاعت هؤلاء النساء أن يميّزن أنفسهن من خلال جهودهن في تطوير العلوم الطبية، واكتشاف العلاجات، ومكافحة الأمراض، وقد أسهمت هذه الإنجازات في ترسيخ مكانتهن كرائدات في هذا المجال الحيوي.
ومع تطور أنظمة الرعاية الصحية واعتماد أساليب حديثة في التعامل المهني مع المرضى، اتسعت مشاركة المرأة في القطاع الطبي، مما أتاح المجال لإجراء أبحاث متخصصة تتعلق بصحة المرأة والأمراض التي تؤثر عليها بشكل مباشر.
وبذلك، أصبح حضور المرأة في الطب عاملاً أساسياً في الارتقاء بالخدمات الصحية وتعزيز المعرفة الطبية في مجالات كانت بحاجة إلى اهتمام خاص.
في مجالات الإعلام والأنشطة الاجتماعية، بات حضور المرأة أكثر وضوحاً وتأثيراً من أي وقت مضى، إذ أصبحت تتصدر النقاشات العامة وتسلّط الضوء على القضايا والاحتياجات المجتمعية، مما أسهم في تنشيط الحوار العام ودفع التغيير في القوانين والسلوكيات الاجتماعية.
ورغم هذا التقدم، لا تزال المرأة تواجه عقبات اجتماعية وثقافية، مثل عدم تكافؤ فرص العمل، والضغوط المجتمعية، وضعف الحماية القانونية، إلا أن استمرار جهود النساء وارتفاع مستوى الوعي المجتمعي أسهما في تقليص هذه التحديات تدريجياً، وفتح الطريق أمام مشاركة أوسع وأكثر تأثيراً في الحياة العامة.
دور المرأة في النضال والتحرر
يُعدّ مجال الحماية والدفاع واحداً من أبرز ميادين التحول التي برز فيها دور المرأة بقوة، ففي إقليم شمال وشرق سوريا، شكّلت مشاركة النساء في وحدات حماية المرأة نموذجاً واضحاً يجسّد قدرة المرأة وإرادتها الحرة، فالنساء اللواتي يضطلعن في هذه الوحدات لم يقتصر دورهن على المهام العسكرية، بل أصبحن قوة معنوية وفكرية تُلهم المجتمع وتعيد تشكيل الوعي العام.
ووجود المرأة في مجال طالما اعتُبر حكراً على الرجال أسهم في كسر الصور النمطية الراسخة، وأثبت أن المرأة قادرة على امتلاك مستوى عالٍ من الكفاءة في الدفاع واتخاذ القرار، ومن خلال الجمع بين الحرية والمسؤولية، قدّمت هؤلاء النساء دليلاً عملياً على أن المرأة تستطيع أن تكون جزءاً أساسياً من القوة الوطنية، وأن تؤدي دوراً مباشراً في حماية المجتمع وصناعة التغيير.
من جانب آخر، تركت مشاركة المرأة في المجالات العسكرية أثراً عميقاً في نفوس النساء الأخريات وفي وعي الأجيال الشابة. فالنماذج التي برزت في إقليم شمال وشرق سوريا أصبحت مصدر إلهام حقيقي، لأنها شجّعت الجيل الجديد على كسر القيود الذهنية وتخطي حاجز الخوف، ورؤية مشاركة المرأة في مختلف المجالات بوصفها أمراً طبيعياً وممكناً.
كما أسهم هذا التحول في التأثير على الخطاب الدولي المتعلق بحقوق المرأة، إذ باتت نساء إقليم شمال وشرق سوريا تُقدَّمن في وسائل الإعلام العالمية كنماذج للشجاعة والدفاع، مما ساعد في تغيير الصورة النمطية للمرأة في الشرق الأوسط.
ورغم استمرار التحديات الاجتماعية والقانونية والثقافية، تُظهر تجربة النساء المنخرطات في العمل العسكري أن المرأة، حين تتوفر لها الفرص المتكافئة والدعم المجتمعي، قادرة على أن تكون قوة فاعلة وناجحة، وأن تلعب دوراً أساسياً في حماية المجتمع وصناعة التغيير.
لا شكّ أن حركة الحرية ما كانت لتبلغ ما وصلت إليه اليوم لولا الدور المحوري الذي أدّته النساء المناضلات في مختلف ميادين المقاومة، فهذه الحركة لم تكن لتستمر أو تحقق إنجازاتها الراهنة دون إرادة وصمود الأمهات اللواتي وقفن بشجاعة رغم كل الخسارات، وحوّلن آلامهن إلى قوة تبعث الأمل وتغذي روح النضال، ولولا تضحياتهن لما كانت هذه المسيرة تمتلك ما تتمتع به اليوم من مجد وكرامة.
كما لم يكن عدد النساء قليلاً ممن واجهن السجون بثبات، ووقفن بجرأة في وجه القمع، وقدّم بعضهن حياتهن ثمناً لمواقفهن، وهناك أيضاً من واصلن نضالهن خارج السجون بإصرار لا يلين، متحديات كل العوائق والضغوط، ومثبتات أن استمرار الكفاح ممكن بفضل إرادة المرأة حين تُمنح الفرصة وتؤمن بقضيتها.
من الوعي المجتمعي إلى صناعة القرار
تُبرز هذه الأدوار التي تنهض بها النساء أن مشاركتهن في عملية التغيير الاجتماعي ليست مجرد خطوة مهمة، بل هي ضرورة أساسية لتحقيق تنمية مستدامة وشاملة، فالنساء، من خلال حضورهن الفعّال في مختلف المجالات، يسهمن مباشرة في رفع مستوى الوعي المجتمعي وترسيخ مبادئ العدالة الاجتماعية، وتؤكد التجارب أن المجتمعات التي تُمنح فيها النساء فرصاً متكافئة للمشاركة تكون أكثر قدرة على مواجهة التحديات والتغلب عليها.
ومع ذلك، لا تزال بعض العوائق الاجتماعية والقانونية والثقافية تحدّ من مشاركة المرأة بشكل كامل، مما يستدعي جهداً مجتمعياً واعياً لتجاوزها، ومن هنا تأتي أهمية دعم وتمكين النساء، ولا سيما في مواقع صنع القرار والقيادة، باعتبار ذلك خطوة محورية نحو بناء مجتمع أكثر مساواة وعدالة وتقدماً.
كما ينبغي أن تركز السياسات والبرامج العامة على تعزيز قدرات النساء وتوفير الفرص الحقيقية لمشاركتهن الفعّالة، لأن التغيير الحقيقي لا يتحقق إلا عندما تكون المرأة شريكاً كاملاً في بناء المجتمع وصياغة مستقبله.