المرأة في الحياة السياسية... مشاركة محدودة وسط نفوذ ذكوري
يتم انتقاد دور المرأة رغم الحضور البارز لها سياسياً حيث تعتبر العديد من الآراء أنها ليست صانعة قرار داخل المراكز السياسية، لعدة أسباب بينها التربية المجتمعية المرتبطة بالعقلية الذكورية.
هيلين أحمد
السليمانية ـ تُعد مشاركة النساء في المجال السياسي حقاً أساسياً من حقوقهن، وهي إحدى ركائز العملية الديمقراطية في أي بلد.
إن مشاركة النساء في المجال السياسي تؤدي دوراً مؤثراً وشريكاً في مفاصل صنع القرار، وهذا بدوره يُعد وسيلة لتطوير القدرات وترسيخ مكانة المرأة في عملية تقدم المجتمع، كما يمكن للنساء استخدام هذا الدور للدفاع عن حقوقهن وترسيخ المساواة بين الجنسين.
في المقابل، فإن هيمنة العقلية الذكورية انعكست على جميع المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية والتربوية، إذ يتم تربية النساء على فكرة أن المرأة لا تستطيع العمل السياسي، أو أن الرجال خُلقوا للسياسة، وهذا يعكس غياب الثقة بقدرات النساء من الناحية النفسية، كما أن الأحزاب والجهات السياسية لا تولي أهمية لمشاركة النساء بشكل متساوٍ في المجال السياسي ضمن برامجها، ولم تبذل جهوداً عملية لتأهيل الكوادر النسائية وتنمية قدراتهن في مختلف المجالات، وفي الوقت ذاته، فإن قيادة جميع هذه الأحزاب السياسية هي بيد الرجال الذين يتبنون عقلية الهيمنة الذكورية في المجتمع، وتُحدد سياسات وبرامج تلك الأحزاب وفق هذه الذهنية.
بعد أن تحوّل نظام الحكم في العراق من ملكي إلى جمهوري عام 1958، وحتى الآن، تولّى 12 شخصاً منصب رئيس جمهورية العراق، وجميعهم من الرجال، وخلال 68 عاماً من النظام الجمهوري، لم يُسمح لأي امرأة بأن تتولى منصب رئيس جمهورية العراق.
"النساء قدّمن قرارات جيدة للمجتمع"
وتطرقت الصحفية سنور كريم من مدينة السليمانية في إقليم كردستان إلى ذلك وقالت أن المرأة تُعامل في جميع القطاعات كـ "مفعول به" وليس كفاعل، فلا يُنظر إليها كعنصر فاعل ومقبول، بل يُنظر إليها كطرف يُتخذ القرار بشأنه، وذلك ابتداءً من داخل الأسرة وصولاً إلى المواقع السياسية والاجتماعية.
وأضافت إن ثقة المجتمعات البالية بقدرات النساء ضعيفة جداً، لكن "إذا نظرنا إلى الواقع، فإن النساء اللواتي امتلكن القدرة على اتخاذ القرار في المواقع السياسية والإنسانية قد قدّمن أفضل القرارات وأدّين أعمالاً متميزة".
وفي إقليم كردستان، فإن دور النساء في المناصب السياسية محدود، لكن عندما تتاح لهن الفرصة، يكون لهن دور مهم، وكانت قراراتهن لصالح المواطنين أكثر نجاحاً مقارنة بقرارات الرجال، كما أن "نظرة المجتمع تجاه النساء تلعب دوراً في عرقلة اتخاذهن للقرار، إذ إن بعض النساء عندما يترشحن لمواقع صنع القرار يتراجعن بسبب الانتقادات والضغوط المجتمعية في مناطقهن".
وعلى مستوى القرار السياسي والمصلحة العامة، توجد نساء صاحبات قرار، لكن "تحت تأثير المصالح الحزبية"، لم تسمح بعض الجهات السياسية لهن بأداء دورهن الحقيقي وإبراز وجودهن وقدراتهن كما تؤكد محدثتنا فهناك نساء في مناصب عليا، لكن القرارات تُتخذ من قبل رجال، مما يعكس هيمنة الذهنية الذكورية.
وتوضح "شهدنا في أحد مراكز صنع القرار في إقليم كردستان وجود امرأة في موقع قيادي، لكنها لم تتمكن من الدفاع عن عدد من قضايا النساء، في حين أن تمرير تلك القوانين والقضايا أدى إلى كوارث اجتماعية وسياسية في المنطقة، إن المجتمع والعقلية الذكورية داخل الأحزاب السياسية يشكلان عائقاً أمام قرارات النساء".
"المجتمع الذكوري لا يتقبل قرارات المرأة"
وأشارت إلى أن المشكلة لا تقتصر على الأحزاب السياسية فقط، بل إن المجتمع من أساسه لا يتقبل قرارات المرأة "عندما تتحدث امرأة على وسائل التواصل الافتراضي حول قضية أو قرار معين، فإنها تواجه انتقادات وضغوط مجتمعية، كما أن المجتمع غالباً لا يرضى عن قرارات النساء، وهذه العقلية تحتاج إلى ثورة فكرية كبيرة داخل المجتمع".
وأضافت أن الظلم الكبير الذي تتعرض له النساء في السياسة هو انعكاس لطبيعة الأسرة والمجتمع، لذلك تضطر المرأة للعمل تحت مظلة جهة سياسية، وهي تقبل بذلك لأنها تدرك أن مجتمعها لا يعترف بوجودها وقدراتها كامرأة "لهذا تلجأ إلى جهة سياسية تمنحها دوراً، لكنها تضطر للعمل وفق أفكار تلك الجهة، وتصدر قراراتها تحت إشراف الحزب. صحيح أن وجود المرأة من الناحية الشكلية قائم، لكنها ليست صاحبة قرار، وبالتالي لا توجد امرأة صاحبة قرار حقيقي داخل المراكز السياسية".
ولم يشهد تاريخ العراق تولي أي امرأة لمنصب رئيس الجمهورية "في مجتمع ذي طابع عشائري وديني لا يمكن للمرأة أن تصبح قائدة بسهولة، ويُنظر إلى قبول امرأة كرئيسة للجمهورية كأنه أمر خطير، وفي الدورات السابقة، كانت هناك نساء ترشحن لمنصب رئيس الجمهورية، لكن البيئة السياسية ووسائل التواصل الافتراضي لم تسمح لهن بالوصول إلى هذا المنصب".
وتقول سنور كريم أن كسر هذه الحواجز أمام النساء ليس أمراً سهلاً، فهو لا يحتاج فقط إلى قرار سياسي، بل إلى تغيير فكري وتاريخي وتربوي "التغيير الفكري لدى أفراد المجتمع هو ما يمكن أن يغيّر هذا الواقع، وفي الماضي لم يتم العمل كثيراً على هذا الملف، فقضية المرأة تتراجع يوماً بعد يوم بسبب العوامل السياسية والاجتماعية، وبفعل السياسات القائمة".