بين الماضي والحاضر... معرض فني من قلب البلدة القديمة بغزة
بهدف إنقاذ ما تبقى من المخطوطات العمرانية الناجية من الحرب في غزة، نُظِّم معرض فني لإبراز الواجهة الحضارية والثقافية والتراثية للقطاع.
رفيق اسليم
فلسطين ـ أبدعت الفئة الفلسطينية الشابة في تجسيد الهوية الوطنية الفلسطينية وحفظ ملامحها الراسخة بين الماضي والحاضر عبر معرض "للعمري أثر".
نظمت مؤسسة عيون على التراث بالتعاون مع دائرة التراث الإسلامي معرض بعنوان "للعمري آثر"، داخل المسجد العمري بالبلدة القديمة في مدينة غزة، اليوم الأربعاء 23 أيلول/سبتمبر، والذي قدم تجربة فنية تجسد الهوية الوطنية الفلسطينية وتحفظ ملامحها الراسخة، بأنامل فنانين وفنانات نسجت أعمال تربط الماضي بالحاضر من حكايات علمائها وصفحات مخطوطاتها الناجية وحتى تفاصيلها العمرانية، ويستمر المعرض حتى مساء الغد.
وبدورها قالت المديرة التنفيذية لمؤسسة عيون على التراث حنين العمصي أن المعرض يقام على أرض المسجد العمري، تحديداً قسم المكتبة، ضمن مشروع الإنقاذ العاجل لمكتبة المسجد التي كانت عبارة عن أكوام من الحجارة والرمل والكتب وبقايا شظايا الصواريخ والمخلفات الحربية للقوات الإسرائيلية، بفعل استهداف المكان ثلاث مرات وتدمير العديد من أجزائه وزواياه أبرزها المئذنة.
ولفتت إلى أن دورها وفريقها لم ينتهي إلى هذا الحد ففي المرحلة الأولى خلال شهر رمضان قامت بإنقاذ العديد من الكتب والمخطوطات وحفظها من التلف، ثم في مرحلة أخرى كان هناك مشروع لإجراء اسعاف عاجل لمكتبة المسجد العمري وتعزيز الصمود المجتمعي لدى فئة الشباب، مشيرةً إلى أن فكرتها تقوم على مشاركة الشابات أنفسهن في هذا المجال عبر استضافة عدة فنانات بالمكان واستلهام أفكار اللوحات منه.
الفن والتوثيق
فيما أفادت الفنانة لانا نصار أنها تواجدت لتسهم ولو يشيء بسيط في المحافظة على التراث وإعادة إحيائه من جديد في مكتبة الجامع العمري أحد أقدم الأماكن الأثرية في قطاع غزة، موضحةً أنها اختارت من خلال لوحتيها توثيق الزوايا الأثرية في المسجد كالمأذنة التي دمرت جزء منها الغارات الإسرائيلية على البلدة القديمة تحديداً، واللوحة الثانية " ما تبقى ليزهر" وهي توثيق للأعمدة الرومانية الموجودة بالجهة الغربية للمسجد.
وأوضحت أنها كانت تعرف المكان ما قبل الهجوم، من خلال زيارته عدة مرات فعندما شاهدته لأول مرة شعرت بحزن عميق يسيطر عليها كون المسجد العمري من أهم ما فقدته غزة خلال الهجوم على القطاع، فالتدمير طال الصحن والمكتبة والكتاب، بالتالي لا يمكن وصف حجم خيبة الأمل التي يعاني منها من يزو المكان اليوم خاصة من يعرفه جيداً في السابق.
وأشارت إلى أنها كفنانة لأول مرة تتعرف على المخطوطات كمقتنى أثري عظيم كانت تراه فقط في المتاحف، لذلك سعت من خلال الفن التوثيق أولاً ومن ثم ربط الماضي بالحاضر ثانياً لتكون قدوة لفنانات في الأيام المقبلة يقمن بتوثيق المخطوطات عبر لوحاتهم، ناصحة الشابات القراءة عن تاريخ قطاع غزة ومحاولة الحفاظ على أثارها بكافة الطرق للنجاة بالهوية الفلسطينية من الطمس المتعمد.
أما الفنانة سندس مراد بينت أنها حاولت الربط بين الماضي والحاضر في التراث من خلال جمع العلماء كالمؤرخ عثمان الطلاع وعلماء العصر الحديث عبد اللطيف أبو هاشم الذي كان له دور كبير في الحفاظ على المخطوطات من التلف بعد حرب الإبادة، لافتةً إلى أن مضمون اللوحة جاء من المخطوطات والمكان فلم يكن هناك داعي للابتعاد عن تلك الفكرة الأساسية ومن هنا تمكن أهمية المعرض، للحديث عن العلماء والمكان ودعوة السكان لزيارة المكان عبر اللوحة.
بينما ترى الفنانة البصرية روان مراد أن "الفن يجب عليه خدمة التاريخ فعبر لوحتي التي جسدتُ من خلالها المكتبة ورفوفها يمكنها مخاطبة العالم بلغة سهلة كون البلدة القديمة ما زالت مركز العلم والتراث وواجهة المدينة الحضارية والثقافية على الرغم من الخطر الذي يداهم تلك المنطقة واقتراب الخط الأصفر منها"، لافتة إلى أن أكثر ما كان يزعجها هو عدم تقدير بعض السكان لذلك الكنز واستخدام المخطوطات في اشعال النار خلال الهجوم.
رنيم شعبان أحد الزائرات أوضحت أنها كانت تتوقع رؤية الفن يجتمع مع التاريخ فكانت اللوحات التي تحاكي غزة القديمة وأبرز علمائها مبهرة تنقلك بين عدة عصور زمنية في ثوان معدودة وقادرة على إثبات قدرة الفئة الفلسطينية الشابة في دعم وطنها وتجسيد تراثها الذي فشلت كل المحاولات في طمسه، داعية الشابات لزيارة المكان والتعرف على زواياه خاصة المخطوطات الأثرية التي تبهر كل من يراها.