الرأسمالية الإيرانية... بين الضغوط الإمبريالية والتحول الديمقراطي

تواجه الرأسمالية الإيرانية، كدولة قومية خارجة عن الإمبريالية، ضغوطاً هيكلية للإمبريالية غير المهيمنة، وهو ضغط لا يسعى إلى بناء نظام جديد، بل إلى إعادة توزيع السلطة في لحظة انهيار النظام القديم.

مقال بقلم روجدا روجهلات

دخلت الرأسمالية العالمية مرحلةً لم يعد بالإمكان تفسيرها بالمفاهيم الكلاسيكية لـ"الركود" أو "الأزمة الدورية" ما نواجهه اليوم ليس أزمة قطاع أو دولة بل أزمة الرأسمالية ككل، أزمة بدأت بتعطيل دوران القيمة وتراكمت على المستوى المالي والفكري وأدت إلى انهيار التماسك على مستوى الدول القومية، وتتجلى الآن على المستوى الجيوسياسي في صورة مواجهات لا مركزية، وقد أدخل هذا الوضع العالم في مرحلة يمكن تسميتها "الإمبريالية غير الهيمنية" مرحلة لا تزال فيها القوى العظمى تمتلك أدوات الهيمنة، لكنها فقدت القدرة على إرساء النظام، أمريكا قوية لكنها فقدت القدرة على تنظيم النظام العالمي، الصين صاعدة لكنها لم تصل بعد إلى الهيمنة، روسيا مثيرة للانقسام لكنها ليست بانية لنظام جديد، وأوروبا أصبحت متشرذمة ولا مركزية، في مثل هذا العالم يهيمن رأس المال العالمي ولكنه يفتقر إلى التماسك، والدول القومية هي أدوات للهيمنة ولكنها غير قادرة على إعادة إنتاج النظام.

في هذا السياق تُركت الدول القومية التي اضطلعت بدور تنظيمي اجتماعي واقتصادي خلال حقبة الهيمنة الأمريكية في فراغ هيمني، فهي عاجزة عن إدارة الأزمات الاقتصادية وإعادة بناء التماسك الاجتماعي، والوساطة بين رأس المال العالمي والمجتمع المحلي، ونتيجةً لذلك تعاني الدول القومية من ضعف بنيوي، لا يتجلى في التراجع بل في التشدد الأمني ​​والعداء والقومية الدفاعية، وتلجأ الدولة القومية الضعيفة إلى العنف للبقاء وهذا العنف ليس دليلاً على القوة، بل على الأزمة.

يجب فهم الوضع الراهن في إيران في ضوء هذه الأزمة العالمية، إن المواجهة بين الإمبريالية والرأسمالية في إيران ليست صراعاً أخلاقياً ولا نزاعاً سياسياً محدوداً، بل هي لحظة فارقة في أزمة الرأسمالية ككل، تواجه الرأسمالية الإيرانية كدولة قومية خارجة عن فلك الإمبريالية، ضغوطًا هيكلية من الإمبريالية غير المهيمنة ضغوطًا لا تسعى إلى بناء نظام جديد، بل إلى إعادة توزيع السلطة في لحظة انهيار النظام القديم. في مثل هذه الحالة، أي ضغط خارجي، سواء كان اقتصادياً أو سياسياً أو عسكرياً، بدلًا من إحداث "انتقال" يؤدي إلى تكثيف التشدد الأمني والحصار السياسي وتعزيز قوى اليمين المتطرف في الداخل، هذا هو منطق الأزمة كلما زاد الضغط الخارجي، اشتد اليمين المتطرف في الداخل.

يرتبط هذا التوجه في إيران بحقيقة تاريخية، فمنذ نشأة النظام الرأسمالي للجمهورية الإسلامية، قمع اليسار باعتباره قوةً تحمل مشروع المساواة والعدالة الاجتماعية والتحرر، لم يكن هذا القمع الذي شمل اعتقالات واسعة النطاق إقصاءً سياسياً وقيوداً مشددة على أنشطة اليسار حدثاً عابراً، بل كان جزءاً من منطق الدولة القومية في لحظة ترسيخ الرأسمالية، أدى القضاء على اليسار إلى إفراغ الفضاء السياسي من قوة قادرة على مقاومة اليمينية وعدم المساواة والتشدد الأمني، وكانت نتيجة هذا الإقصاء البنيوي تشكيل حقل سياسي غير متكافئ، تمكنت فيه قوى اليمين، سواء أكانت دينية أم قومية أم ليبرالية أم أصولية، بل وحتى ملكية من النمو دون منافسة جدية.

في الوقت الراهن، يتفاقم هذا الإقصاء التاريخي بفعل الضغوط الإمبريالية، فالضغوط الخارجية، بدلاً من إضعاف قوى اليمين تُقوّيها، لأن الدولة القومية في لحظات التهديد تتجه بنيوياً نحو الأمن والاحتواء، وهذا الاحتواء هو البيئة التي يزدهر فيها اليمين، في مثل هذه البيئة لا يُعزل اليسار فحسب بل يُصور أيضاً على أنه "تهديد" هذه العملية جزء من منطق الأزمات العالمي، فكلما تعمقت الأزمة ازداد اليمين قوة.

ينسحب هذا المنطق على المشهد العالمي؛ حيث تحولت الهجرة باعتبارها نتاجاً للحروب والأزمات الاقتصادية والمناخية إلى حجر زاوية في السياسة الدولية، وقد أعادت الرأسمالية صياغة مفهوم "الاندماج" ليصبح وسيلة للهيمنة والاحتواء بدلاً من التفاعل الحقيقي، وفي هذا السياق تروج الدول القومية لصورة المهاجر كـ "تهديد" وجودي يمس الثقافة والأمن والهوية، مما يخلق بيئة مثالية لنمو اليمين المتطرف، هذا التيار يقتات على مخاوف الشعوب من "الآخر" ومن عدم الاستقرار الناتج عن أزمات الرأسمالية، محولاً القلق الجماعي إلى أداة سياسية فعالة للسيطرة.

في إيران، يسود المنطق نفسه على الصعيد الداخلي، فقد ساهمت الأزمة الاقتصادية، وانعدام الأمن الاجتماعي، والضغوط الخارجية، والعرقلة السياسية جميعها في نمو القوى اليمينية، وبالاعتماد على خطاب الأمن والنظام والهوية و"الحفاظ على الوجود"، تهيمن هذه القوى على الساحة السياسية، وتحدّ من أي إمكانية للتعايش والمساواة والحرية، في مثل هذه الظروف لا يجد اليسار الذي كان مكبوتاً في السابق وأصبح الآن مُشتتاً إلى حد كبير، نفسه معزولًا فحسب بل يفقد أيضاً إمكانية إعادة بناء نفسه، هذا الوضع جزء من الدورة العالمية نفسها التي تُعزز فيها الأزمة اليمينية، وتُعيد اليمينية إنتاج الأزمة.

لا يقتصر هذا التوجه على السياسة فحسب، بل له تداعيات عميقة على المستويين الاجتماعي والجنساني، فنمو اليمينية يصاحبه دائماً عودة إلى "النظام التقليدي"، و"الأسرة النووية"، و"الأدوار الجندرية الثابتة"، و"السيطرة على أجساد النساء"، وفي أوقات الأزمات تلجأ الدول إلى "المرأة" كرمز للنظام والأخلاق والأسرة والهوية الوطنية لإعادة بناء التماسك المفقود، وتصبح المرأة الساحة الرئيسية للسياسة، السيطرة على اللباس وعلى الخصوبة وعلى الجسد، إضافة إلى السيطرة على الأدوار الاجتماعية وعلى حرية التنقل وعلى المشاركة السياسية، وحيثما ينمو اليمين يشتد اضطهاد المرأة، هذا قانون بنيوي وليس قانوناً ثقافياً.

في عالم كهذا، البديل الحقيقي الوحيد هو ما يُطرح في "الاندماج الديمقراطي" التعايش المتكافئ، والحفاظ على الهويات، والمشاركة الحقيقية، والتنظيم الديمقراطي من القاعدة، هذا البديل ليس مجرد استجابة لأزمة الهجرة بل هو أيضاً استجابة لأزمة الرأسمالية ككل لا سيما اضطهاد المرأة، ففي بنية قائمة على المساواة والتنوع والحرية والمشاركة فقط نستطيع مواجهة اليمين، والدولة القومية العنيفة والإمبريالية غير المهيمنة، في عالم يحكمه الخوف، السياسة الوحيدة القادرة على دحر اليمين هي سياسة التعايش والحرية والمساواة، وهي سياسة يجب على اليسار إعادة بنائها، مع وضع المرأة في صميمها.