مريم أخندي… صوت نسائي يعيد إحياء التراث الإيراني
قدمت مريم أخندي نموذجاً لتمكين الصوت النسائي في المشهد الموسيقي الإيراني، إذ حولت الغناء إلى مساحة مقاومة عبر إحياء التراث الغنائي الذي تناقلته النساء، وقدمته عالمياً من خلال مشاريع بارزة، مؤكدةً حضور المرأة في فضاءات واسعة رغم القيود المفروضة.
مركز الأخبار ـ اشتهرت مريم أخندي بإحياء التراث الغنائي النسائي الإيراني وتقديمه بصياغة معاصرة عبر مشاريع موسيقية متعددة، أبرزها فرقة "بانو" و"ألبوم سرمست"، وتميزت أعمالها بطابعٍ حيوي يبتعد عن السكون والكآبة السائدة في الموسيقى الإيرانية التقليدية.
وُلدت مريم أخندي عام 1957 في طهران، وتخصصت في الموسيقى الكلاسيكية والتقليدية الفارسية بعد تلقيها تدريباً على يد إسماعيل مهرتاش ونصر الله نصه بور، وهما من أبرز أعلام الموسيقى الإيرانية، غادرت إيران عقب الثورة الإسلامية عام 1979 بسبب القيود المفروضة على الفنانات، وانتقلت إلى أوروبا قبل أن تستقر في مدينة كولونيا الألمانية منذ عام 1986، حيث تواصل مسيرتها الفنية وصون التراث الموسيقي الإيراني.
وتستخدم مريم أخندي الموسيقى للتوعية بالعوائق التي تواجه النساء في الغناء بالأماكن العامة في إيران، مركزةً على إحياء الأغاني التي تناقلتها النساء عبر الأجيال، وتقدم فرقتها النسائية "بانو" هذا الإرث في مسارح دولية بما يتيح إيصال أصوات الإيرانيات إلى الإيرانيات إلى جمهور واسع حول العالم.
بعد استقرارها في أوروبا، تعاونت مريم أخندي مع موسيقيين إيرانيين آخرين في المنفى، وقدمت حفلات موسيقية في ألمانيا والدول الاسكندنافية مع فرقتي الموسيقى الإيرانية التقليدية "ناوا" و"تشاكاواك"، ثم أسست لاحقًا فرقة "بارباد"، وهي فرقة موسيقية تضم من ثلاثة إلى خمسة موسيقيين ذوي تدريب موسيقي كلاسيكي، وعلى مر السنين قدمت الفرقة عروضاً في العديد من المدن الأوروبية.
ويُعد مشروع "سرمست" أحد أعمال مريم أخندي بالتعاون مع فرقة "إنسامبل بارباد"، ويستند إلى تأثير الشعر الفارسي الكلاسيكي، ولا سيما أشعار حافظ الشيرازي، إذ تحمل كلمة "سرمست" معنى الثمالة في الفارسية بما يعكس الروح الوجدانية للنصوص التي يقوم عليها المشروع، وصدر ألبوم "سرمست" عام 2006، متضمناً مقطوعات مستوحاة من الشعر الفارسي التقليدي والموسيقى الإيرانية الكلاسيكية، في إطار سعي مريم أخندي إلى تقديم هذا التراث بصيغة معاصرة.
وتُعد فرقة "بانو" من أبرز أعمال مريم أخندي، وهي فرقة نسائية تأسست بين عامي 1999 و2000 كمشروع موسيقي جاء رداً على القيود المفروضة على غناء النساء في الأماكن العامة داخل إيران، ففي سياقٍ كان من المتعذر فيه على المغنيات الظهور علناً، اقتصر غناء النساء على الفضاءات الخاصة؛ إذ كن يؤدين الأغاني في المنازل، وفي الأعمال اليومية، وفي الحقول، وفي المناسبات التي تجمع النساء فقط.
وعلى مدى سنوات، عملت مريم أخندي على جمع هذه الأغاني النسائية التقليدية وإعادة إحيائها، لتقدمها في إطار فني معاصر، وقد تُوج هذا الجهد بإصدار ألبوم "بانو ـ أغاني النساء الإيرانيات" عام 2004، الذي يضم مجموعة من الأغاني المستمدة من التراث الغنائي الذي تناقلته النساء عبر الأجيال.
ويمثل ألبوم "بانو"، الذي يعني "المرأة النبيلة" أو "المرأة المتميزة" بالفارسية، رحلة موسيقية عبر مختلف مناطق وثقافات إيران، ويسلط الألبوم الضوء على تقاليد الغناء النسائي الإيراني والثقة بالنفس التي تجسدها هذه التقاليد.
وتتميز نسبة كبيرة من الأغاني بحيويتها ونشاطها، مصحوبةً بآلات إيقاعية، وبهذا تختلف عن الموسيقى الإيرانية المعروفة عموماً بهدوئها وميلها إلى الكآبة، وفي الأغاني الشعبية القديمة يبرز الفكاهة والسخرية، فضلًا عن لمحات من الحياة اليومية والخاصة للمرأة الإيرانية، وحتى عام 2012 قدمت فرقة بانو حفلات موسيقية في أوروبا وتركيا وتونس.
حصلت مريم أخندي على جائزة "الثقافات الموسيقية" في حفل جوائز WDR Jazz لعام 2023 تقديراً لمسيرتها الموسيقية "فلنستمع معاً إلى صوت بانو المتمرد".