إيقاعات "هزار دف"… نبض الذاكرة الكردية في جبال هورامان

تعكس قرية "بالانجان" من خلال احتفال "هزار دف"، ماضي المنطقة العريق بما تضمه من معابد نارية، وجسور قديمة، وحصون تاريخية، وشواهد قبور منقوشة بالخط الكوفي. وتحمل هذه المعالم آثار مراحل تاريخية متعددة تمتد حتى عهد الميديين.

مركز الأخبار ـ تعد المهرجانات التي تُقام في شرق كردستان، ذاكرة حية تعكس التراث الثقافي والديني والتاريخي لإحدى أقدم حضارات العالم. فهذه المهرجانات تُجسد بوضوح عمق الثقافة الجذرية لشعوب موزوبوتاميا، وفلسفة العيش المتناغم مع الطبيعة، وغنى الفولكلور الكردي.

في هذا السياق، يُحتفل سنوياً بمهرجان "هزار دف" أي (ألف دف) بوصفه مهرجاناً مهيباً وملوناً يجمع المجتمع حول الإرث الموسيقي الكردي العريق. ويسلط الضوء على المكانة التاريخية والثقافية لآلة الدف في الموسيقى الكردية، ويشارك فيه الفنانون والنساء والشباب بأداء طبيعي وعفوي يعبر عن روحهم الفنية.

ويُنظم المهرجان بجهد جماعي من أبناء المنطقة، حيث تعمل لجان التحضير على جمع الشباب الذين يجيدون العزف على الدف. ومن أبرز طقوس الاحتفال إشعال النيران على قمم الجبال، حيث يسهر الشبان والشابات حولها ثلاثة أيام وثلاث ليالٍ لضمان بقائها مشتعلة. وفي اليوم الثالث، يبدأ المشاركون بالنزول من الجبال نحو القرى على وقع إيقاعات الدف.

ورغم أن بعض الأوساط تصف هذا الحدث بأنه مجرد مهرجان، إلا أن هذه الاحتفالية تُعد بالنسبة للشعب الكردي أكثر من مجرد فعالية فنية؛ فهي عيد ثقافي وروحي يعكس علاقة الإنسان بالطبيعة، ويجسد روح التضامن المجتمعي واستقبال الربيع. ويحمل مهرجان "هزار دف" عمقاً فكرياً وروحانياً، ويقيم صلة قوية بين الثقافة والبيئة والفن والمجتمع.

تُفتح أسطح المنازل وساحاتها في قرى منطقة هورامان، المبنية على شكل مدرجات متصاعدة فوق بعضها، أمام العازفين على آلة الدف. وفي هذه التجمعات الممتدة من سفوح الجبال إلى عمق الوديان، تمتزج الإيقاعات المترددة مع الأزياء التقليدية الزاهية، لتمنح استقبال الربيع معنى مهيب.

وفي قلب جبال زاغروس، وعلى وقع آلاف الدفوف التي تتناغم مع صوت نهر سيروان، تُقام هذه الاحتفالات التي تُعد تحية لجلال الربيع. وتُعد قرية "بالانجان" الواقعة في منطقة هورامان.

وخلال شهري آذار/مارس ونيسان/أبريل، تنتشر الاحتفالات التي تبدأ مع نوروز لتشمل مساحة جغرافية واسعة.

تعكس قرية "بالانجان" من خلال احتفالات "هزار دف"، ماضي المنطقة العريق بما تضمه من معابد نارية قديمة، جسور تاريخية، حصون عتيقة، وشواهد قبور منقوشة بالخط الكوفي. وتحمل هذه المعالم آثار مراحل تاريخية متعددة تمتد حتى عهد الميديين.

يحمل احتفال "هزار دف" معنى عميقاً لدى الشعب الكردي. ففي الماضي، كان يُطلق على الدف الذي ينكسر أثناء الأداء اسم "شهيد"، في إشارة إلى القيمة الكبيرة التي تُمنح لهذه الآلة. ومن مظاهر هذا الاحترام أنه لم يكن يُسمح بلمس الدف دون طهارة جسدية. أما اليوم، فيوجد في كل منزل تقريباً في قرية "بالانجان" دف واحد على الأقل، ويجيد الكثير من الأهالي العزف عليه.

وخلال السنوات الأخيرة، بات المهرجان يستقبل آلاف الزوار. ويُنظر إلى كل من يشارك في هذا العيد بوصفه جزءاً من هذه التجربة الثقافية المشتركة.