قصف مستمر... أطفال الأحياء الكردية بحلب يترصدهم الموت كل لحظة
بين أصوات القصف المتواصلة والاشتباكات التي لم تعرف هدنة حقيقية، يعيش أطفال الشيخ مقصود والأشرفية في مدينة حلب طفولة مسروقة مليئة بالخوف والاضطراب النفسي.
أسماء محمد
قامشلو ـ يفترض أن يكون الأطفال في الأحياء الكردية بمدينة حلب في مدارسهم أو منازلهم الدافئة، لكن لا منازل دافئة ولا مدارس كذلك، بعد أن حاصرهم جشع الجهاديين لأشهر وحرمهم الدفء والحق في التعليم والدواء والطعام، لتأتي الهجمات وتحرمهم حتى جدران المنازل الباردة في أبعد ما يكون عن القيم الإنسانية والوطنية.
يمتد تأثير الانتهاكات إلى كل تفاصيل الحياة اليومية، ولكن الأطفال لم يمتلكوا بعد الوعي لتفسير الحرب والحصار والمصالح وحتى الأفكار التي تلغي الآخر.
ودون أن يشعروا يحملون تأثيراتها ليس في الوقت الراهن فقط وإنما تمتد الأزمات النفسية لبقية حياتهم، وعن ذلك قالت إدارية منظمة ستيرك في مدينة قامشلو بإقليم شمال وشرق سوريا صباح فاضل أن العواقب النفسية والاجتماعية خطيرة يتعرض لها أطفال حيّي الشيخ مقصود والأشرفية جراء خرق الهدنة المستمر.
وترى أن خرق الهدنة المستمر في حيي الشيخ مقصود والأشرفية بمدينة حلب لا يمثل مجرد انتهاك عسكري عابر، بل جريمة منظمة تمس حياة الأطفال بشكل مباشر، وتستهدف أساسيات طفولتهم وحقهم في الأمان والنمو السليم.
وأوضحت أن الأطفال في هذه المناطق يعيشون "حالة مستمرة من الخوف والقلق النفسي، واضطرابات النوم، وانحسار الحرية في اللعب والتفاعل الاجتماعي الطبيعي، وتأثر العلاقات الأسرية بشكل واضح، وهو ما يجعلهم أكثر الفئات تضرراً من أي تصعيد مسلح، حتى وإن لم يكونوا على خطوط المواجهة المباشرة".
فقدان متكرر للحق الأساسي في الطفولة الآمنة
ووصفت البيئة بأنها تتسم بعدم الاستقرار والخطر الدائم "يمتد تأثير القصف وأصوات الاشتباكات إلى كل تفاصيل يومهم، من لحظة الاستيقاظ وحتى النوم، ما يترتب عليه تأثيرات نفسية عميقة وطويلة المدى تشمل القلق المستمر، الرهبة المزمنة، ضعف التركيز والانتباه، اضطرابات المزاج، وفقدان القدرة على التفاعل الاجتماعي بشكل طبيعي.
وهذه الظروف كما تؤكد لا تؤثر فقط على حياتهم اليومية، بل "تهدد نموهم النفسي والجسدي والمعرفي، ومستوى تعلمهم، وقدرتهم على تطوير مهاراتهم وقدراتهم الشخصية والاجتماعية، وهو ما يفرض على الجهات المعنية النظر إلى الوضع كأزمة حقوقية وإنسانية عاجلة تتطلب استجابة فورية".
والأطفال هم الضحية الأولى للتصعيد الذي تقوم به الحكومة المؤقتة في هذه الاحياء فما يحدث للأطفال "لا يمكن اختزاله في أرقام أو إحصاءات، بل هو فقدان متكرر للحق الأساسي في الطفولة الآمنة واللعب الحر والتعليم المستمر. فقدان الإحساس بالأمان والخوف المستمر أصبحا جزءاً من واقع الأطفال اليوم، ويؤثران بشكل مباشر على صحتهم النفسية، وسلوكهم اليومي، وتكوينهم الاجتماعي والشخصي، وقدرتهم على المشاركة في الحياة الأسرية والمجتمعية بصورة طبيعية وآمنة".
ولفتت إلى أن خروقات الهدنة الأخيرة، أدت إلى "مقتل تسعة أشخاص بينهم أطفال وإصابة عدد كبير آخر بجروح متفاوتة، وهذا يعكس مدى العنف غير المبرر وغياب أي حماية حقيقية للأطفال في مناطقهم السكنية".
والأطفال وخاصة من هم دون سن السابعة، معرضون بشكل خاص للصدمات النفسية العميقة، كما تبين صباح فاضل "نتيجة عدم قدرتهم على فهم طبيعة الأحداث أو التمييز بين الخطر الواقعي والخوف المزمن، ما يهدد تكوين شخصياتهم ويزرع لديهم اضطرابات نفسية طويلة الأمد تؤثر على حياتهم ومستقبلهم".
واستنكرت غياب الاستجابة الدولية الفاعلة والمساءلة القانونية للجهات المسؤولة عن استهداف المدنيين، معتبرةً أن استمرار الصراع وتطبيع العنف وانعدام المحاسبة يشجع على تكرار الانتهاكات ويعكس إخفاقاً واضحاً في حماية حقوق الأطفال وفق المعايير الدولية.
العمل مستمر ببرامج وأنشطة متنوعة
وما يحصل يوضح بشكل جلي أن حماية الطفولة لم تُعامل حتى اليوم كأولوية سياسية وأخلاقية، وأن الاستجابات الإنسانية الحالية، رغم أهميتها، تظل عاجزة عن توفير حماية شاملة ومستدامة، أو معالجة الجذور الحقيقية للأزمة، موضحةً أن "منظمة ستيرك تواصل عملها الدؤوب رغم الظروف الأمنية الصعبة، من خلال تنفيذ برامج وأنشطة لدعم الأطفال على الصعيد النفسي والاجتماعي، وتشجيعهم على التعبير عن أنفسهم، والمشاركة في أنشطة ترفيهية، ثقافية، رياضية، وفنية، تهدف للتخفيف من آثار العنف والضغط النفسي وتعزيز قدرتهم على مواجهة الصدمات، وإتاحة مساحة آمنة لهم للتعلم والنمو الطبيعي".
واختتمت إدارية منظمة ستيرك صباح فاضل حديثها بالتأكيد على أن أطفال الشيخ مقصود والأشرفية ليسوا أرقاماً إحصائية، بل بشر لهم الحق الكامل في الحياة الكريمة، واللعب، والتعليم، والنمو النفسي والاجتماعي الآمن، مطالبةً المجتمع الدولي، والأمم المتحدة، والمنظمات الحقوقية، وكل الجهات المسؤولة عن حماية المدنيين، بتوفير حماية عاجلة وفعالة للأطفال، وضمان محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، ودعم برامج الإغاثة النفسية والاجتماعية والتعليمية المستدامة.
إنقاذ الطفولة وحماية حقوق الأطفال اليوم يمثل مسؤولية إنسانية وأخلاقية عاجلة لا تحتمل التأجيل، ولكن استمرار الصمت أو التقاعس الدولي سيضاعف المعاناة ويزيد من أعداد الأطفال الذين يعيشون في حالة خوف دائم وانعدام أمان مستمر.