حين تُغلق الأبواب على الأحلام… قصة شابة أفغانية مع الحرمان من التعليم

تعيش أفغانستان منذ خمسة أعوام تحت قيودٍ تعليمية خانقة فرضتها طالبان، فحرمت الفتيات من الدراسة، وتدهورت جودة التعليم، وتفاقم نقص الكوادر الأكاديمية، فيما تتصاعد شهادات الطلبة عن واقعٍ يزداد قتامة يوماً بعد يوم.

بهاران لهيب

كابول ـ تشارف فترة سيطرة طالبان على أفغانستان على إتمام عامها الخامس، وخلال هذه السنوات حُرمت الفتيات من مواصلة التعليم بعد الصف السادس. ولأجل البقاء، عمدت بعض المدارس خصوصاً الخاصة منها إلى تغيير صفتها من "مكتب" إلى "دار العلوم"، وهي مؤسسات تُدرّس فيها قرابة عشرين مادة يشكل التعليم الديني معظمها.

مع ذلك، فإن تخرج الفتيات من هذه الدار لا يفتح لهن باب العمل خارج المنزل، وإن امتلكن قدرة مالية، فلا خيار أمامهن سوى إنشاء مدرسة دينية.

كما تعاني المدارس والجامعات المخصصة للذكور من تراجع واضح في جودة التعليم. فإلى جانب التوسع في تدريس المواد الدينية، تواجه هذه المؤسسات نقصاً حاداً في المعلمين والأساتذة المتخصصين. وبعد قرار طالبان بإغلاق الجامعات أمام الفتيات، قدّم عدد كبير من الأساتذة الرجال استقالاتهم احتجاجاً، فيما غادر آخرون البلاد شأنهم شأن ملايين الأفغان. وفي الوقت نفسه، مُنعت الأستاذات النساء من التدريس بشكلٍ كامل، رغم أن أفغانستان تعاني أصلاً من نقص الكوادر الأكاديمية المؤهلة.

وبحسب ما يقوله عددٌ من تلاميذ المدارس وطلبة الجامعات "إن كل ما يشغل طالبان يقتصر على ملابسنا، ولحانا، وعمائمنا، وقد تحولت هواتفنا الذكية هذا العام إلى هاجسٍ جديد لهم. أما طريقة التدريس، وغياب الأساتذة في ساعات الدروس، ورداءة جودة التعليم، فلم تكن يوماً ما يشغل طالبان".

أُقيم هذا العام أيضاً امتحان القبول الجامعي من دون حضور الفتيات، وقد أُعلنت نتائجه قبل أيام قليلة. وترى ناشطات حقوق المرأة أن هذا الإجراء من جانب طالبان يمثل إقصاءً صريحاً للنساء من النظام التعليمي، وتمييزاً قائماً على النوع الاجتماعي، وانتهاكاً واضحاً لحقهن في التعليم.

فایقه نورزي، إحدى الفتيات اللواتي كن يدرسن في الصف السابع عند عودة طالبان إلى السلطة، تعيش في ولاية كابول، وقد تحدثت عن أحلامها وكيف حُرمت من المشاركة في امتحان القبول الجامعي.

تقول فایقه نورزي وقد ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ يختلط فيها الأسى بالأمل "كنت أحلم أن أصبح طيّارة، وأن أكون من أشهر الطيّارين في العالم. بذلت جهداً كبيراً لتحقيق هذا الحلم، لكن طالبان لم يسمحوا لي بالوصول إليه".

ثم نظرت بصمتٍ إلى ما حولها، وارتشفت جرعةً من كأس الماء أمامها، قبل أن تواصل حديثها قائلةً "دائماً أفكر في نفسي: هل ما زال هناك، في هذا العصر المليء بالتكنولوجيا والتقدّم، من يمنع الآخرين من التعلم؟ هل كل الدول الإسلامية والإسلام على هذا النحو؟ هل يعاني أبناء طالبان الألم نفسه الذي أعانيه، ولا يستطيعون الوصول إلى أحلامهم ورغباتهم؟ هذه الأسئلة تدور في ذهني بلا توقف، حتى إنها تسلب النوم من عينيّ ليلاً. والشيء الوحيد الذي يهدّئني أحياناً هو أنني أرى جميع نساء أفغانستان عالقاتٍ في المصير ذاته الذي وقعتُ فيه".

كان في نظرات فایقه نورزي وجعٌ عميق؛ وجعٌ لم يكن غريباً، فكل فتيات ونساء أفغانستان يحملنه على أكتافهن كل يوم. وخلال الحديث، نهضت فجأةً من مكانها وغادرت الغرفة لثوانٍ، ثم عادت معتذرةً وهي تقول "كلما فكرت في مستقبلي ومستقبل شقيقتَي الصغيرتين، أشعر بأن قلبي يُعتصر. رغم أن أسرتي تدعمنا، إلا أن الألم لا يفارقني. كان يقول لي دائماً إن هذا الليل المظلم سيتحول يوماً، بنضال النساء، إلى صباحٍ مشرق".

وأضافت "في اليوم الذي أُجري فيه امتحان القبول الجامعي، وكذلك قبل أيام حين أُعلنت نتائجه، شعرت وكأن العالم كله ينهار فوق رأسي. لو لم تكن طالبان موجودة، لكنت اليوم بين المشاركين في امتحان القبول، وأنا واثقة تماماً من أنني كنت سأحصل على واحدة من أعلى الدرجات".

وفي ختام حديثها قالت فایقه نورزي "رغم كل الآلام التي تعصر قلبي كل يوم، فإنني واثقة من أن النساء الواعيات في مجتمعنا سيغيّرن هذا الواقع. أؤمن بأن النساء سيؤدين يوماً دوراً أساسياً في بناء مستقبل أفغانستان، ومن واجبنا جميعاً أن نبدأ التغيير من هذه اللحظة داخل مجتمعنا".