'اسم صمد في وجه محاولات الطمس'... ثمانينية من كوباني تروي التاريخ
هوشان مصطفى، ابنة كوباني البالغة من العمر 80 عاماً، تحمل في ذاكرتها تاريخ مدينة واجهت محاولات متكررة لطمس هويتها. فمن خلال شهادتها، تستعيد حكاية الاسم والهوية والانتماء، مؤكدة أن كوباني ليست مجرد وجدان مكان، بل ذاكرة متجذرة في أهلها.
برجم جودي
كوباني ـ لا يمكن لأي مجتمع أن يحافظ على وجوده ما لم يصن ذاكرته التاريخية، ويجسد الشعب الكردي هذه الحقيقة بوضوح، إذ تمكن، رغم ما تعرض له عبر تاريخه من سياسات الإبادة والاقتلاع والإنكار، من صون هويته والتمسك بوجوده بفضل ذاكرته الجمعية وإرثه الثقافي المتوارث.
تُعد مدينة كوباني في روج آفا، إحدى أبرز محطات هذه الذاكرة. فمنذ نشأتها، واجهت محاولات متواصلة لطمس هويتها القومية، كان أبرزها سياسات نظام البعث التي استهدفت تغيير تركيبتها الديموغرافية وإنكار هويتهالكردية، وصولاً إلى فرض اسم "عين العرب" بديلاً عن اسمها التاريخي "كوباني". واليوم في ظل المرحلة الجديدة في سوريا، تتجدد الاتهامات بمحاولات إعادة إنتاج السياسات ذاتها، عبر إنكار الاسم التاريخي للمدينة والتشكيك في هويتها.
وفي خضم هذه التحولات، تبرز هوشان مصطفى، البالغة من العمر ثمانين عاماً، بوصفها إحدى حافظات الذاكرة الجمعية لكوباني. تنحدر هوشان من قرية تل غزال، وتعيش في قرية خزيني، وقد كرست سنوات طويلة لتوثيق الموروث الثقافي للمدينة، والدفاع عن لغتها وفولكلورها وهويتها، من خلال ما تنشره عبر وسائل التواصل الافتراضي، لتغدو شاهدة على تاريخ كوباني وذاكرتها الحية.
وفي منزلها بقرية خزيني، جنوب شرقي كوباني، التقت وكالتنا هوشان مصطفى، التي استحضرت من خلال شهادتها تاريخ المدينة، وتحدثت عن أصالة اسمها، وتمسك أهلها بهويتهم، وذاكرتهم التي ما زالت تقاوم محاولات الطمس والإنكار.
تزوجت هوشان مصطفى في سن الثامنة عشرة، وفقاً للأعراف الاجتماعية السائدة في ذلك الوقت، وأصبحت أماً لأربعة عشر طفلاً. تُعرف بشخصيتها القوية وإرادتها الصلبة، كما تتميز بحس قيادي فطري جعلها من الشخصيات المؤثرة في محيطها الاجتماعي. وعلى الرغم من بلوغها الثمانين من العمر، لا تزال تتمتع بصحة جيدة وذاكرة حاضرة، وتواصل القيام بأعمالها اليومية بنفسها، من إدارة شؤون المنزل ورعاية المواشي إلى الاهتمام بحديقتها والعمل في تجارة القمح والشعير.
"كوباني مدينة كردية منذ تأسيسها"
تتحدث هوشان مصطفى عن علاقتها العميقة بكوباني، مؤكدة أن ارتباطها بالمدينة يتجاوز حدود المكان ليصل إلى الذاكرة والهوية. وتقول "كوباني مدينة كردية منذ تأسيسها. لم يكن العرب موجودين فيها، باستثناء عدد قليل من العائلات الأرمنية التي عاشت بيننا. لذلك فهي مدينة كردية، وهذه حقيقة لا يستطيع أحد إنكارها. إنها أرضنا التي عشنا فيها طفولتنا وشبابنا ومرحلة شيخوختنا، ولهذا فعندما تتعرض كوباني لأي هجوم، نشعر وكأن النار تشتعل في أكبادنا".
"كنا دائماً في مواجهة محاولات تعريب كوباني"
واستذكرت هوشان مصطفى محاولات طمس الهوية الكردية لكوباني "كانت الحكومات تغيّر اسم مدينتنا باستمرار، لكننا، نحن أبناء كوباني، لم نقبل بذلك يوماً. لقد كان نضالنا دائماً ضد محاولات تعريب اسم المدينة. وحتى اليوم، عندما نذهب نحن وأبناؤنا وأحفادنا إلى المناطق الخاضعة لسيطرة الحكومة، نقول إننا من كوباني ولسنا من عين العرب. هذا الموقف رافقنا منذ أيام شبابنا، وما زلنا متمسكين به حتى اليوم".
"سيبقى موطننا يحمل اسم كوباني"
وفي ختام حديثها، شددت هوشان مصطفى على تمسكها بالاسم والهوية التاريخية لمدينتها، قائلة "نشأت كوباني في البداية كمدينة على الخط الحدودي، ثم أخذت تتوسع تدريجياً حتى امتد عمرانها إلى القرى المحيطة بها. أبلغ من العمر اليوم ثمانين عاماً، وطوال حياتي كان اسمها كوباني. وفي زمن والدي كانت تُعرف بكوباني أيضاً، وكان يحدثني أن هذا الاسم متوارث منذ أيام أجدادنا وآبائنا. لذلك ستبقى كوباني باسمها، وهويتها، وتاريخها، ووجودها كما هي، مدينةً للكرد".