ناشطة حقوقية: لا سلام دائم في المنطقة دون أن تتحرر المرأة
ترى الناشطة الحقوقية رحمة الفالحي، أن تحقيق سلام دائم في الشرق الأوسط يظل رهيناً بتحرر المرأة وتمكينها، معتبرة أن أي مسار للسلام لا يضع النساء في صلبه يبقى ناقصاً وقابلاً للانهيار.
إخلاص الحمروني
تونس ـ في خضم النزاعات التي تعصف بعدد من البلدان العربية، من فلسطين إلى سوريا، مروراً بالعراق وليبيا واليمن، تبرز قضية المرأة كإحدى أكثر القضايا إلحاحاً وتعقيداً. وفي كل هذه المناطق، تكشف التجارب الميدانية أن النساء لسن فقط متأثرات بالحروب، بل يشكلن عنصراً أساسياً في إعادة بناء المجتمعات وتحقيق السلام.
لفهم وضع المرأة في هذه البلدان وتسليط الضوء على دورها الهام في تحقيق السلام، كان لوكالتنا مع الناشطة الحقوقية رحمة الجمعي الفالحي، الحوار التالي:
كيف تقيمين وضع المرأة في مناطق النزاع؟
يمكن التأكيد على أن وضع المرأة في مناطق النزاع يعد من أكثر الأوضاع هشاشة وتعقيداً، نظراً لتداخل عدة عوامل تؤثر عليها بشكل مباشر. فالمرأة في هذه السياقات تتحمل آثار الحرب من جهة، وآثار التمييز الاجتماعي من جهة أخرى، وهو ما يضاعف من حجم المعاناة التي تعيشها.
فهي تعيش في حالة مستمرة من الخوف وانعدام الأمان، إذ تصبح حياتها مهددة في كل لحظة نتيجة القصف أو أعمال العنف، ولا تملك أي ضمانات لحمايتها أو حماية أسرتها. كما أن هذا الوضع يدفعها في كثير من الأحيان إلى النزوح أو اللجوء، ما يعني فقدانها للاستقرار الذي كانت تعيشه، وانتقالها إلى بيئات جديدة تفتقر لأبسط مقومات الحياة.
وفي هذه الظروف، تفقد المرأة خصوصيتها وحقها في العيش الكريم، كما تُحرم من الخدمات الأساسية مثل الماء الصالح للشرب، الغذاء، الرعاية الصحية، التعليم، والعمل. وتضطر في كثير من الحالات إلى ترك كل ما كانت تملكه خلفها، لتبدأ من جديد في بيئة قاسية، تبحث فيها فقط عن الحد الأدنى من الأمان.
ما أبرز التحديات والانتهاكات التي تواجهها النساء في هذه المناطق؟
تواجه النساء في مناطق النزاع الكثير من التحديات والانتهاكات، التي تمسّ مختلف جوانب حياتهن. ومن أبرز هذه التحديات العنف القائم على النوع الاجتماعي، الذي يتفاقم بشكل كبير في سياقات النزاع، إلى جانب العنف الجنسي الذي يُستخدم في بعض الحالات كأداة أو سلاح في الحروب، حيث تتعرض النساء للخطف والاغتصاب والتهميش وفقدان الأمان.
كما تعاني النساء من أشكال متعددة من العنف الاقتصادي، إذ يتم استغلالهن في العمل في ظروف قاسية وغير عادلة، إضافة إلى تعرضهن للعنف المعنوي والمادي. وفي بعض الحالات، تصل هذه الانتهاكات إلى حد الاتجار بالبشر، وهو من أخطر ما يمكن أن تتعرض له هذه الفئة.
كيف تنظرين إلى العلاقة بين تحرر المرأة وتحقيق السلام في المنطقة؟
ترتبط قضية تحرر المرأة ارتباطاً وثيقاً بتحقيق السلام في المجتمعات. فالمرأة ليست فقط جزءاً من المجتمع، بل هي عنصر أساسي في بنائه واستقراره، إذ تلعب دوراً محورياً في تربية الأجيال وتنشئتها على القيم والسلوكيات التي تؤثر في مستقبل المجتمعات.
كما أن المرأة تساهم بشكل فعّال في مختلف المجالات، بما في ذلك المجال الاقتصادي، حيث تُظهر في العديد من القطاعات، خاصة الفلاحية وغيرها، قدرة كبيرة على العمل والإنتاج وتحمل المسؤولية. وبالتالي، فإن إقصاءها أو تهميشها يعني إضعاف المجتمع ككل.
ومن هذا المنطلق، فإن تحرر المرأة وتمكينها من حقوقها الأساسية يساهمان بشكل مباشر في تعزيز الاستقرار وبناء السلام، لأن المجتمع الذي يحترم حقوق جميع أفراده هو مجتمع أكثر توازناً وقدرة على تجاوز الأزمات.
لا يمكن الحديث عن سلام دائم في ظل غياب العدالة الشاملة لأن السلام لا يقتصر على غياب النزاعات المسلحة، بل يتطلب وجود منظومة عادلة تضمن حقوق جميع الفئات. وعندما يتم إقصاء النساء من المشاركة في صنع القرار السياسي أو المجتمعي، فإن هذا الإقصاء يخلق خللاً في التوازن المجتمعي، ويجعل أي سلام قائم سلاماً هشاً وقابلاً للانهيار.
وقد أثبتت التجارب والدراسات أن مشاركة النساء في عمليات السلام تسهم في تعزيز استدامته، لأن النساء يقدمن رؤى مختلفة وشاملة تأخذ بعين الاعتبار احتياجات مختلف الفئات، بما في ذلك الأطفال.
كما أن عدم تمكين المرأة اقتصادياً واجتماعياً يؤدي إلى إعادة إنتاج نفس الظروف التي ساهمت في نشوء النزاعات، وهو ما يجعل المجتمعات عرضة لتكرار الأزمات. لذلك، فإن تمكين المرأة ومنحها مكانتها التي تستحقها يعد شرطاً أساسياً لبناء سلام حقيقي ومستدام.
هل يلعب المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية دوراً أساسياً في تحقيق السلام؟
يضطلع المجتمع المدني والمنظمات الحقوقية بدور محوري في دعم النساء في مناطق النزاع. ويتمثل هذا الدور أساساً في نشر الوعي بأهمية حقوق المرأة وتعزيز ثقافة المساواة والتسامح والتعايش السلمي داخل المجتمعات.
كما تعمل هذه المنظمات على تمكين النساء اقتصادياً واجتماعياً، من خلال توفير برامج تدريب تساعدهن على اكتساب مهارات جديدة والانخراط في سوق العمل، مما يساهم في تحسين أوضاعهن المعيشية ومنحهن قدراً من الاستقلالية.
إضافة إلى ذلك، تقدم هذه الجهات الدعم القانوني للنساء اللواتي تعرضن لانتهاكات، وترافقهن في مسارات التقاضي، كما توفر لهن الدعم النفسي والاجتماعي، خاصة في الحالات المرتبطة بالعنف أو النزوح القسري.
ورغم التحديات الكبيرة التي تواجه عمل المجتمع المدني في مناطق النزاع، مثل صعوبة الوصول إلى هذه المناطق أو القيود المفروضة على النشاط، فإن العديد من المنظمات تواصل العمل بإصرار، سعياً لنشر القيم الإنسانية، والمساهمة في الوساطة، وبناء السلام، واقتراح حلول عملية للنزاعات، بما يعزز فرص الاستقرار في هذه المجتمعات.