محامية: نحن بحاجة إلى ثورة قانونية وأن تكون للنساء دور في صياغة القوانين
تواجه النساء في سوريا انتهاكات متعددة، من الزواج والحمل القسريين إلى الاعتداءات الجنسية والزواج غير المسجل، في ظل الحرب والنزوح والفقر وضعف المؤسسات، وهي عوامل تفاقم هشاشتهن وتزيد من العوائق القانونية والاجتماعية أمام حصولهن على الحماية والعدالة.
سوركل شيخو
قامشلو ـ لا تزال قضية الزواج القسري والحمل القسري في سوريا من دون حل، وهو ما يشكل بحد ذاته انتهاكاً واضحاً لحقوق الإنسان الأساسية، ووفقاً لنظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، تُصنَّف هذه الجرائم وغيرها من الجرائم المماثلة، على المستوى الدولي، ضمن الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب المرتكبة في النزاعات المسلحة.
على الرغم من تصنيفها كانتهاكات لحقوق الإنسان، فإنها لم تصبح حتى الآن بنداً أساسياً على جدول أعمال مجلس الأمن أو مؤسسات حقوق الإنسان، بما يتيح العمل على منعها عبر وسائل وآليات مختلفة، وحتى قضية العنف القائم على النوع الاجتماعي لا تزال في مستوياتها الأكثر خطورة.
وللتعرف أكثر على أسباب هذه الظاهرة وسبل معالجتها كان لوكالتنا مع المحامية روفند خلف من مدينة قامشلو بروج آفا الحوار التالي:
لماذا لا تزال قضايا الحمل القسري والزواج القسري والعنف القائم على النوع الاجتماعي في سوريا مستمرة حتى اليوم، وما أبرز العقبات التي تحول دون حماية النساء وإنصافهن، لا سيما في ظل عدم تجريم الاعتداء الجنسي داخل إطار الزواج وإمكانية إفلات الجاني من العقوبة عبر الزواج بالضحية؟
هذه القضايا ليست منفصلة عن بعضها فالزواج القسري، والعنف القائم على النوع الاجتماعي، والحمل القسري، والجرائم المماثلة التي تليها، كلها مترابطة.
هناك ثلاثة عوامل رئيسية: أولها القانون، وثانيها الثقافة المجتمعية، وثالثها الوصول إلى العدالة والخدمات التي تقدمها المحاكم والمؤسسات الإدارية التابعة للحكومة.
الأسباب كثيرة، لكن السبب الأساسي هو القانون، فعندما تتم معالجة هذه القضايا من خلال القوانين، تأتي الخطوة التالية، وهي تغيير ثقافة عدم المساواة بين النساء والرجال، وكذلك الموقف القائم على الانتقاص من النساء عندما تُرتكب جرائم من هذا النوع بحقهن.
كما أنه عندما تُرتكب هذه الجرائم، لا يُنظر إلى المرأة باعتبارها ضحية فحسب، بل قد يُنظر إليها أيضاً باعتبارها مذنبة، وحتى عندما تُرتكب الجريمة من دون أي نية أو موافقة منها، فإنها قد تتعرض للعقاب وفقاً لذلك. من المهم جداً إعادة تعريف هذه الجرائم ووضع حلول جديدة لها.
عندما تتعرض امرأة للاعتداء أو الاغتصاب، يجب حماية حقها في طلب العدالة ومعاقبة الجاني، سواء تزوجت منه أم لا. ففي مثل هذه الحالات، تواجه المرأة ضغطاً اجتماعياً، ومن أجل الحفاظ على سمعتها، قد تُجبر على الزواج من الجاني. هذه صورة من الظلم لا يمكن قبولها، فكيف يمكن لامرأة أن تتزوج رجلاً كانت أول تجربة لها معه هي أن اعتدى عليها؟ وكيف يمكنها أن تتخيل حياة زوجية مع شخص كهذا؟
كما أننا يجب ألا ننسى العوامل الأخرى التي تساهم في هذه الأوضاع، مثل الفقر، وانعدام الاستقلال الاقتصادي، والفوضى، والحرب والنزوح، فكثير من الأسر تجد نفسها ضحية لهذه الظروف، وتضطر إلى تحمل هذه الجرائم فقط من أجل البقاء على قيد الحياة.
لماذا تزداد هذه المشكلات في مجتمعاتنا في الشرق الأوسط، وما الأسباب والعوامل الأساسية وراء ذلك؟
في مجتمعاتنا في الشرق الأوسط، تزداد هذه الجرائم بسبب الحروب والفوضى المتعددة التي خلقتها الأنظمة الحاكمة، وبسبب عدم الاعتراف بالوضع المستقل للمرأة.
الثقافة المجتمعية البائدة هي أحد الأسباب الأساسية لهذه الجرائم، وهذا يجبرنا على التركيز على تغيير المواقف الثقافية القديمة تجاه النساء.
فالزواج مؤسسة أسرية، وفهم الثقافات الأسرية وطريقة تعاملها مع النساء أمر بالغ الأهمية لكن لماذا توجد تفرقة بين الرجال والنساء، ولا سيما في مجالات الولاية والميراث والعديد من قضايا الأحوال الشخصية؟ كل ذلك مرتبط بالثقافات المجتمعية وبالظروف التي يعيش فيها الأفراد داخل مجتمعات الشرق الأوسط.
لماذا انتشرت ظاهرة الزواج غير المسجل رسمياً في المحاكم، والذي يعتمد فقط على عقد ديني أو غير رسمي؟ وكيف يمكن معالجة حرمان النساء من حقوقهن القانونية في حالات الطلاق أو وفاة الزوج؟
في الآونة الأخيرة، انتشرت ظاهرة الزواج غير المسجل لدى المحاكم، وأحد أسباب ذلك هو عدم القدرة على تسجيل هذه الزيجات لدى المؤسسات الحكومية، بسبب تعطّل هذه المؤسسات نتيجة الأزمة القائمة بين الإدارة الذاتية والحكومة.
وقد أدى إغلاق هذه المؤسسات إلى تفاقم الوضع، وهناك مشكلة أخرى ناتجة عن عدم التسجيل، وهي فقدان الحقوق المتعلقة بالولاية والحصول على الوثائق اللازمة، فضلاً عن انخفاض الوعي القانوني.
ومن الأسباب الأخرى: الصعوبات المالية، وعدم فعالية الإجراءات القانونية، وغياب الوعي بعواقب عدم تسجيل الزواج.
ومن المهم رفع مستوى الوعي بالمخاطر المرتبطة بذلك، وتوفير المساعدة القانونية للنساء غير المحميات اللاتي لا يستطعن تحمل تكاليف تسجيل زواجهن.
كذلك يجب تبسيط الإجراءات القانونية وإنشاء مراكز للتوعية، من أجل تثقيف النساء حول أهمية حقهن في تسجيل زواجهن بصورة قانونية.
مع استمرار تعرض كثير من النساء لضغوط اجتماعية وأسرية للإنجاب المتكرر، ولا سيما الذكور، وما يترتب على ذلك من آثار على صحتهن الجسدية والنفسية... إلى أين تتجه هذه المشكلة، وكيف يمكن للنساء حماية أنفسهن من هذه الضغوط؟
هذا الوضع نابع من السلطة الأبوية ومن الحاجة المتصوَّرة إلى الحفاظ على سلطة الأسرة وإرثها، وهو بطبيعته يحمل نظرة تنتقص من النساء.
كما أن القانون يجرّم الإجهاض، وبذلك يحرم النساء من حق اتخاذ القرار بشأن الإنجاب، وعندما يجرّم القانون الإجهاض، فإنه يقف في هذه القضية الاجتماعية إلى جانب الرجال. هنا علينا نحن النساء أن نناضل من أجل تغيير القوانين القسرية السائدة التي تفرض الثقافة الأبوية على حقوق النساء.
وعندما يجرّم القانون هذه الأفعال بشكل تلقائي، تصبح الثقافة الأبوية أكثر قوة، فالرجل، لمجرد رغبته في إنجاب أبناء ذكور، ينتهك قدسية الزواج؛ وينهي ويدمر فعلياً رابطة الزواج وجوهرها بوصفها حياة مشتركة تقوم على المساواة والاحترام والثقة المتبادلة. ويضع الرجل، أو الزوج، هذه العلاقة بأكملها في خدمة رغباته الخاصة وتعزيز مكانته داخل الأسرة والمجتمع.
مع تصاعد العنف القائم على النوع الاجتماعي، ولا سيما ضد النساء والفتيات في سوريا، ما السبل القانونية المتاحة لحمايتهن من مختلف أشكال العنف؟
وسائل التواصل الاجتماعي، والأزمات الاقتصادية، والفقر، والنزوح، والفوضى، وغياب القوانين، وغياب المؤسسات القضائية، والتغيرات الديموغرافية في معظم المناطق التي شهدت حروباً، وعدم معرفة الجيران بعضهم ببعض، وانهيار القيم الأخلاقية؛ كلها عوامل ساهمت بشكل كبير في انتشار هذه الجرائم.
كما أدى تفكك الأسرة إلى أن يصبح الأطفال أنفسهم، حتى قبل أمهاتهم، أهدافاً لهذه الجرائم، لذلك، فإن معالجة هذه الظاهرة وهذه الجرائم لا يمكن أن تتحقق بمادة قانونية واحدة أو مادتين. يجب أن تبدأ بإصلاح الفكر المجتمعي، ثم تنتقل إلى العادات والتقاليد، وفي النهاية إلى القانون نفسه.
وينبغي أن يشمل هذا الإصلاح قوانين تجرّم بشدة هذه الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال والنساء، من أجل معالجة هذه الانتهاكات وحماية حقوق النساء.
ومن المهم إنشاء ملاجئ للنساء اللواتي تعرضن للاستغلال، وتوفير المساعدة القانونية والاستشارات النفسية لهن، حتى يتمكنّ من التخلص من آثار الجرائم التي ارتُكبت بحقهن.
كذلك يجب ترسيخ الوعي لديهن بأنهن ضحايا ولسن مذنبات، وأن من حقهن استعادة كرامتهن من خلال الإجراءات القانونية ومحاسبة الجناة.
يجب أن تكون الأسرة والمجتمع مصدراً للدعم بالنسبة إلى النساء، لا أن يتحولا إلى جدار ضدهن بسبب جريمة كنّ هن أنفسهن ضحايا لها.
هل تحمي القوانين في سوريا النساء؟ وإذا كانت القوانين لا تحميهن، فلمن يمكنهن اللجوء؟
عندما تتم كتابة القوانين، لا تؤخذ الاحتياجات الخاصة للنساء بعين الاعتبار، وعندما توجد تفرقة بين الرجال والنساء، فإننا نواجه مشكلة قانونية.
ينص الدستور على أن المواطنين متساوون في الحقوق والواجبات، لكن عندما ندرس تفاصيل القوانين والجرائم، نجد أنها تميز في حقوق النساء.
لم يكن القانون عادلاً تجاه النساء، سواء كنّ ضحايا للاغتصاب والاعتداء، أو في قضايا تقسيم الميراث وقبول الزواج، وهنا نحن بحاجة إلى ثورة قانونية وإلى أن تكون للنساء سلطة في صياغة القوانين، بحيث يُدمج صوت النساء وواقع حياتهن داخل المنظومة القانونية.