بين الحرية الشخصية وضوابط المهنة... قضية لؤة خلف تعيد الجدل حول حدود سلطة النقابات

أعادت واقعة توقيف المحامية الشابة لؤة خلف عن العمل بقرار تأديبي صادر عن نقابة المحامين فتح نقاش واسع داخل الأوساط القانونية والحقوقية، بعدما تجاوزت القضية حدود الإجراءات النقابية لتتحول إلى ساحة جدل امتدت إلى مواقع التواصل الافتراضي.

أسماء فتحي

مصر ـ مع تصاعد التفاعل مع القضية، برزت تساؤلات حول التوازن بين الحفاظ على تقاليد المهنة والضوابط المنظمة لممارستها، وبين احترام الحقوق والحريات الشخصية للمحامين والمحاميات، خاصة مع تداول معلومات وصور شخصية للمحامية على نطاق واسع، وما تبع ذلك من مواقف متباينة بين مؤيد لقرار النقابة باعتباره إجراءً تنظيمياً، ومعارض اعتبره مساساً بالحريات الشخصية.

يرصد التقرير أبعاد القضية من خلال قراءة قانونية قدمتها هبة عادل، المحامية بالنقض ورئيسة مجلس أمناء مؤسسة "المحاميات المصريات لحقوق المرأة"، والتي تناولت خلفيات القرار، وحدود اختصاص النقابة، والفصل بين الحياة الخاصة والالتزامات المهنية، إلى جانب رؤيتها لسبل تطوير منظومة تدريب وتأهيل المحامين الجدد، بما يسهم في الحد من تكرار مثل هذه الوقائع.

 

خلفية الأزمة 

وترى المحامية هبة عادل، أن الجدل الذي صاحب القضية اتسم بقدر كبير من الالتباس، مشيرة إلى أن عدداً من التعليقات والبيانات المتداولة لم يستند إلى متابعة دقيقة لإجراءات التحقيق أو إلى القرار الصادر عن النقابة.

وتوضح أن القرار صدر عن النقابة العامة للمحامين، وليس عن النقابة الفرعية كما روج البعض، وجاء عقب تحقيق أُجري مع لؤة خلف بشأن شكاوى تتعلق بأدائها المهني، مؤكدة أن ارتداء الحجاب لم يكن محل التحقيق أو سبباً للقرار، وفقاً لما ورد في بيان النقابة وما أُعلن عن وقائع التحقيق.

 

الزي المهني... أعراف مهنية أم تقييد للحرية؟

وتؤكد هبة عادل، أن الالتزام بالزي المهني ليس إجراءً مستحدثاً داخل نقابة المحامين، بل يمثل أحد الأعراف الراسخة التي جرى العمل بها على مدار سنوات طويلة، موضحة أن المحامي يلتزم أثناء وجوده داخل المحاكم والنقابات بمظهر رسمي يتناسب مع طبيعة المهنة، شأنه في ذلك شأن أصحاب عدد من المهن القضائية الأخرى.

وترى أن هذا الالتزام لا يرتبط بالمعتقدات أو الاختيارات الشخصية، وإنما يهدف إلى الحفاظ على الصورة المهنية للمحامي، وتمكين الجهات القضائية والمتقاضين من تمييزه داخل المحاكم، بما يسهم في تفعيل الضمانات القانونية المقررة له أثناء أداء عمله، خاصة في ظل ما شهدته السنوات الماضية من وقائع تعدٍ على محامين بدعوى عدم التمييز بينهم وبين المترددين على المحاكم.

وتشير إلى أن نقابة المحامين تحرص، من خلال معهد المحاماة وبرامج التدريب، على تعريف المحامين الجدد بالأعراف المنظمة للمهنة، باعتبارها جزءاً من التأهيل المهني الذي يسبق مباشرة العمل بصورة كاملة، مؤكدة أن الالتزام بهذه الضوابط ينسحب على المحامين والمحاميات دون تمييز.

 

هل تجاوز الجدل حدود القضية؟

وترى هبة عادل، أن ما شهدته القضية من تداول لصور خاصة ومعلومات شخصية مثّل أحد أكثر جوانب الأزمة إشكالية، مؤكدة أن مناقشة أي قرار نقابي لا تمنح الحق في اقتحام الحياة الخاصة أو إعادة نشر محتوى شخصي، طالما لم يختر صاحبه إتاحته للتداول العام.

وتضيف أن النقاش كان من الممكن أن يظل محصوراً في حدود القرار والإجراءات المتخذة، إلا أن تداول الصور والادعاءات غير الموثقة نقل القضية إلى مساحة من الاستقطاب، غلبت عليها ردود الفعل والانطباعات أكثر من الاعتماد على الوقائع القانونية.

 

التضامن الحقوقي

ومع اتساع دائرة الجدل، أعلنت مؤسسات حقوقية وعدد من المبادرات تضامنها مع لؤة خلف، معتبرة أن الواقعة تثير مخاوف تتعلق بالحقوق والحريات الشخصية، وترى أن التضامن مع النساء في حد ذاته يظل قيمة مهمة، وأن الدفاع عن النساء ومساندتهن يمثل جزءاً من الرسالة التي عملت عليها لسنوات من خلال مؤسسة "المحاميات المصريات لحقوق المرأة".

وقالت إن التضامن إذا بُني على وقائع غير دقيقة فقد يؤدي، من حيث لا يقصد أصحابه، إلى تعقيد الأزمة بدلاً من الإسهام في حلها، مؤكدة أن احترام حقوق الأفراد يجب أن يترافق دائماً مع احترام حق الجمهور في الحصول على معلومات صحيحة ودقيقة.

 

قراءة قانونية لطبيعة القرار

أثار قرار وقف المحامية عن العمل تساؤلات بشأن مدى تناسب العقوبة مع طبيعة الواقعة، وما إذا كانت هناك بدائل تأديبية أقل حدة يمكن اللجوء إليها، خاصة أنها لا تزال في بداية مسيرتها المهنية.

وتوضح هبة عادل، أن تقييم القرار لا يمكن فصله عن المركز القانوني للمحامية وقت وقوع المخالفة، مشيرة إلى أن لؤة خلف كانت مقيدة بجدول المحامين تحت التمرين، وهي مرحلة لا يكتسب فيها المحامي جميع الصلاحيات التي تخول له مباشرة المهنة بصورة مستقلة، وإنما يمارس عمله تحت إشراف المحامي المقيد عليه ووفق الحدود التي رسمها قانون المحاماة.

وتشير إلى أن التحقيقات وفق ما أعلنته النقابة تضمنت شكاوى تتعلق بمحاولة مباشرة إجراءات لا يجيزها القانون للمحامي تحت التمرين، وهو ما استدعى تدخل النقابة باعتبارها الجهة المختصة بحماية قواعد ممارسة المهنة، معتبرة أن الهدف من القرار، وفق هذا التصور، لا يقتصر على توقيع الجزاء، وإنما منع تكرار المخالفة وحماية المحامي نفسه من التعرض لمسؤولية قانونية مستقبلاً.

وفي المقابل، ترى أن الواقعة تفتح الباب أمام مراجعة منظومة العقوبات التأديبية داخل النقابة، بحيث لا يقتصر التعامل مع المخالفات على الجزاءات التقليدية، وإنما يمتد إلى تبني إجراءات إصلاحية وتدريبية تسهم في رفع كفاءة المحامين الجدد وتعزيز معرفتهم بحقوقهم وواجباتهم القانونية.

 

تطوير منظومة التدريب... وقاية قبل العقاب

وترى هبة عادل أن مثل هذه الوقائع تكشف الحاجة إلى تطوير أدوات تأهيل المحامين، وليس الاكتفاء بتوقيع العقوبات بعد وقوع المخالفة، مؤكدة أن الاستثمار في التدريب والتوعية يمثل أحد أهم وسائل حماية شباب المهنة.

وتقترح في هذا الإطار إدخال برامج واختبارات دورية للتأكد من إلمام المحامين الجدد بقانون المحاماة والإجراءات المنظمة لعملهم، إلى جانب توفير منصات إلكترونية تتيح لهم متابعة التعديلات التشريعية والاطلاع على أحدث الأحكام والمستجدات القانونية.

وتعتبر أن النقابة، إلى جانب المؤسسات المهنية ومنظمات المجتمع المدني، تتحمل مسؤولية مشتركة في إعداد جيل جديد من المحامين يمتلك المعرفة القانونية والمهارات العملية، بما يعزز جودة الممارسة المهنية ويحافظ على مكانة المهنة وثقة المجتمع فيها.

 

تمكين المحاميات

وبعيداً عن تفاصيل الواقعة، ترى هبة عادل، أن أوضاع المحاميات في مصر شهدت تطوراً ملحوظاً خلال العقدين الماضيين، بعد سنوات من التشكيك في قدرتهن على العمل داخل المهنة، مؤكدة أن التحدي لم يعد متعلقاً بإثبات حق المرأة في ممارسة المحاماة، وإنما بتوفير بيئة مهنية عادلة تدعم جميع المحامين والمحاميات على قدم المساواة.

وتستعيد تجربة مبادرة "المحاميات المصريات"، التي انطلقت عام 2004 تحت اسم "محاميات مصريات... خطوات للأمام"، موضحة أن المبادرة جاءت في وقت كان يُنظر فيه إلى المحاميات باعتبارهن استثناءً داخل المهنة، وهو ما دفع القائمين عليها إلى تنظيم برامج تدريبية ومسابقات للمرافعة، استهدفت رفع الكفاءة المهنية والثقة بالنفس، وتوفير أدوات معرفية تساعد المحاميات على تطوير أدائهن داخل ساحات المحاكم.

وترى أن المرحلة الحالية تتطلب تجاوز الخطاب القائم على التفرقة بين المحامين والمحاميات، والانتقال إلى خطاب مهني يقوم على تكافؤ الفرص والحقوق والواجبات، معتبرة أن التحديات التي تواجه شباب المهنة اليوم أصبحت مشتركة، وتفرض تطوير منظومة التدريب والتأهيل بما يواكب الزيادة الكبيرة في أعداد المحامين.

وتؤكد أن نقابة المحامين، رغم ما تواجهه من تحديات تنظيمية في ظل اقتراب عدد أعضائها من مليون محامٍ، مطالبة بتحديث أدواتها الرقابية والتدريبية، ووضع آليات أكثر فاعلية لمتابعة المحامين تحت التمرين، بما يضمن حصولهم على التدريب الحقيقي، وليس الاكتفاء بالإجراءات الشكلية.

 والجدير بالذكر أن قضية لؤة خلف، تكشف عن تعقيدات تتجاوز حدود واقعة فردية أو قرار تأديبي، إذ أعادت إلى الواجهة أسئلة قديمة ومتجددة حول حدود اختصاص النقابات المهنية، وآليات مساءلة أعضائها، والتوازن بين الحفاظ على تقاليد المهنة وصون الحقوق والحريات الشخصية، كما سلطت الضوء على الدور الذي باتت تلعبه مواقع التواصل الاجتماعي في تشكيل الرأي العام، وما قد يترتب على تداول المعلومات غير المكتملة من اتساع دائرة الجدل قبل اتضاح الحقائق.