أطفال سوريا تحت وطأة العنف… حماية غائبة وجرائم بلا رادع

أكدت مديرة مكتب حماية الطفل التابع لهيئة المرأة في روج آفا، نودم شيرو، أن حجم الانتهاكات والجرائم المرتكبة بحق الأطفال في سوريا يتجاوز قدرة المؤسسات المحلية على منعها، في ظل ضعف آليات الحماية والمساءلة وغياب التعاون الفعّال بين الجهات المعنية.

سوركل شيخو

قامشلو ـ بعد أكثر من عقد على اندلاع الحرب في سوريا، لا تزال الطفولة تدفع الثمن الأكبر لأزمة إنسانية لم تنتهِ آثارها. وبينما يواجه الأطفال ظروفاً قاسية من النزوح والفقر والحرمان من التعليم والرعاية الصحية، تبقى الفتيات الأكثر عرضة للخطر، في ظل تصاعد أشكال العنف والاستغلال والانتهاكات التي تهدد سلامتهن وحقوقهن الأساسية.

لا تتوقف المخاطر عند حدود الفقر والنزوح؛ إذ تواجه الفتيات خطر الزواج المبكر والقسري، إلى جانب الاعتداءات الجنسية والاستغلال وغياب الحماية الكافية، وقد كشفت جرائم مروعة شهدتها مناطق مختلفة حجم الخطر الذي يحيط بالطفلات، من بينها مقتل غلا خميس الصالح، البالغة من العمر ثلاثة أعوام، خنقاً في ريف دير الزور الشرقي، ومقتل نور في درعا بعد تعرضها لاعتداء جنسي من عمّها، إضافة إلى وفاة فرح الحمود، التي لم يتجاوز عمرها عامين ونصف، إثر اعتداء تعرضت له.

 

"لا يمكننا منع الاعتداءات على الأطفال في سوريا"

وحول أوضاع الأطفال والأزمات الاقتصادية والإنسانية التي تثقل كاهلهم، قالت مديرة مكتب حماية الطفل التابع لهيئة المرأة في روج آفا، نودم شيرو، إن "المكتب يواصل تنفيذ برامج وأعمال تهدف إلى حماية الأطفال واحتضانهم، إلا أن حجم الانتهاكات على مستوى سوريا يتجاوز قدرة المؤسسات المحلية على منعها".

وأشارت إلى أن الأطفال يواجهون أشكالاً متعددة من الانتهاكات والجرائم، بينها الاعتداءات الجنسية والاستغلال والقتل، إضافة إلى حالات مرتبطة بالعنف داخل الأسرة.

وأكدت نودِم شيرو أن الأطفال يدفعون الثمن الأكبر لهذه الأزمات، قائلةً إن حجم الانتهاكات التي يتعرضون لها يكشف عن فجوة خطيرة في حماية حقوقهم "هذه الحقيقة لا يمكن إخفاؤها، فالأطفال يتعرضون لانتهاكات متواصلة، وهذا يدل على أن حقوقهم لا تحظى بالحماية التي ينبغي أن تحظى بها".

 

حرمان الأطفال من حقوقهم

وقالت إن استمرار الإفلات من العقاب يؤدي إلى تكرار الانتهاكات، ويجعل الأطفال عرضة للعنف والاستغلال والقتل "حقوق الأطفال تُنتهك، ويختفي الأطفال أنفسهم، ثم يُقتلون مرة أخرى".

واعتبرت أن عدد الأطفال الذين قُتلوا في سوريا منذ آذار/مارس 2011 وحتى تشرين الثاني/نوفمبر 2024، والبالغ 30 ألفاً و293 طفلاً، يكشف حجم الكارثة التي تعرضوا لها خلال سنوات الحرب. مؤكدةً أن هذا الرقم لا ينبغي التعامل معه كإحصائية عابرة، بل باعتباره دليلاً على حجم الجرائم والانتهاكات التي طالت الأطفال.

وشددت على أن حماية الأطفال مسؤولية جماعية تبدأ من المؤسسات المختصة وتمتد إلى الأسرة والمجتمع والقضاء والحكومة ومنظمات المجتمع المدني، قائلةً إن "أساس العالم يبدأ من الطفولة"، وإن حماية حق الطفل في الحياة يجب أن تترافق مع ضمان حقوقه في الصحة والتعليم وتأمين مستقبله.

وفي ظل المرحلة الانتقالية التي تمر بها سوريا، ترى نودم شيرو أن ضعف المؤسسات والآليات القانونية القادرة على حماية الأطفال يتركهم أمام مخاطر العنف والاستغلال والقتل، مشيرةً إلى أن غياب المحاسبة يفاقم هذه الانتهاكات ويحول دون ردع مرتكبيها.

واستشهدت بحالة طفلة تبلغ من العمر ثلاث سنوات تعرضت، بحسب ما ذكرت، لاعتداء جنسي ثم قُتلت، متسائلةً "كيف يمكن أن يُعتدى على طفلة بهذا العمر ثم تُقتل؟". معتبرةً أن هذه الجريمة تكشف الحاجة إلى تعامل حكومي عاجل وجاد مع الانتهاكات المرتكبة بحق الأطفال، وضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من العقاب.

ورغم أن حقوق الأطفال منصوص عليها في القوانين السورية، تؤكد نودم شيرو أن المشكلة تكمن في ضعف تطبيقها على أرض الواقع، مشيرةً إلى أن الأطفال لا يحصلون على الحماية التي تكفلها لهم القوانين، في ظل استمرار الاستغلال والقتل والعنف الأسري "لا يمكننا القول إن حتى 2% من حقوق الأطفال تتم حمايتها في سوريا".

 

محاسبة مرتكبي الجرائم تتطلب تعاوناً فعلياً

وتحدثت نودِم شيرو عن الصعوبات التي تواجه جهود حماية الأطفال، مؤكدةً أن مكتب حماية الطفل التابع لهيئة المرأة في روج آفا، لا يستطيع العمل بمعزل عن المؤسسات الأمنية والقضائية. وأن حماية طفلة تعرضت لاعتداء جنسي ومحاسبة مرتكبي الجرائم تتطلب تعاوناً فعلياً من الجهات المختصة، مشيرةً إلى أن غياب هذا التعاون يحدّ من قدرة المكتب على أداء مهامه.

ولفتت إلى أن الأطفال في مختلف المحافظات السورية، ولا سيما في القرى والمناطق النائية التي عانت طويلاً من التهميش، يواجهون حرماناً من حقوق أساسية، في مقدمتها التعليم والرعاية الصحية والدعم النفسي. وأوضحت أن ضعف الخدمات يجعل من الصعب حتى تقييم مستوياتهم التعليمية بصورة دقيقة، في وقت تتفاقم فيه احتياجات الأطفال النفسية والاجتماعية.

 

"يجب ألا تكتفي اليونيسف بنشر البيانات"

وانتقدت نودم شيرو دور منظمة الأمم المتحدة للطفولة "اليونيسف"، داعيةً إلى الانتقال من توثيق الانتهاكات والإعلان عن أعداد الأطفال الذين قُتلوا أو تعرضوا للاستغلال والاختطاف إلى تنفيذ برامج وحلول ملموسة للحد منها.

وشددت على ضرورة إعطاء الصحة النفسية للأطفال أولوية في المدارس والمراكز الصحية ورياض الأطفال والمخيمات، مؤكدةً أن حماية الطفل مسؤولية تتطلب تعاون المؤسسات المعنية كافة.

وأضافت أن مكتب حماية الطفل لا يستطيع مواجهة هذه الأزمات بمفرده، داعيةً إلى تفعيل المؤسسات الأمنية والقضائية وتعزيز التنسيق بينها وبين الجهات المعنية بحماية الأطفال، بهدف الوقاية من الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، في ظل الأزمة الإنسانية والأمنية التي تشهدها سوريا.

 

"لا تتعاونوا مع الحكومة في التستر"

ووجهت نودِم شيرو نداءً إلى أسر الأطفال الذين تعرضوا لانتهاكات، داعيةً إياها إلى رفع صوتها والمطالبة بالعدالة ومحاسبة مرتكبي الجرائم، مؤكدةً أن ضعف الوعي المجتمعي يجعل كثيراً من الأسر تتردد في كشف الانتهاكات خوفاً من نظرة المجتمع.

وشددت على ضرورة ألا يتحول الخوف من "الفضيحة" أو "حديث من حولهم" إلى وسيلة لإخفاء الجرائم، لأن صمت الأسر، بحسب قولها، يسهم في استمرار الاعتداءات وحرمان الأطفال من حقوقهم. ودعت الأسر إلى الاستفادة من الوسائل الإعلامية والقانونية المتاحة لكشف الانتهاكات والدفاع عن حقوق أطفالها.

 

"أطفال حديثو الولادة يُتركون"

وأشارت نودم شيرو إلى حالات لأطفال حديثي الولادة يُتخلى عنهم في الطرقات أو قرب حاويات القمامة أو أمام أبواب المساجد، مرجعةً ذلك إلى عوامل عدة، أبرزها المشكلات الأسرية والفقر وتدهور الوضع الاقتصادي.

وأوضحت أن سوريا تفتقر إلى نظام واضح وموحد لرعاية هؤلاء الأطفال، إذ تتولى بعض الأسر رعايتهم، بينما يُحال آخرون إلى دور الأيتام بقرار قضائي. محذرة من أن ترك الأطفال دون رعاية وحماية يعرضهم لمخاطر الاستغلال والاعتداء الجنسي والاختطاف والقتل والاتجار بالبشر وتعاطي المخدرات.

وفي ختام حديثها، دعت نودم شيرو الحكومة المؤقتة إلى توفير رعاية مؤقتة وآمنة لهؤلاء الأطفال، ووضع خطط تضمن مستقبلهم وتحميهم من التشرد والاستغلال والانتهاكات.