التعليم باللغة الكردية... حق يطالب الكرد بتكريسه في المدارس والجامعات السورية

مع تصاعد النقاش حول مستقبل التعليم في سوريا، يتمسك الكرد بحقهم في التعليم بلغتهم الأم، باعتباره أساساً لحماية هويتهم وثقافتهم وتاريخهم، وضماناً للتنوع اللغوي في البلاد.

نورشان عبدي

كوباني ـ تمثل اللغة الكردية في المدارس دور وأهمية تربوية وثقافية في بناء جيل صاعد واعي بثقافته وتاريخه، وبإتقان لغته الأم سيحافظ هذا الجيل على تراثه وثقافته، لذلك من الضروري اعتماد اللغة الكردية في المناهج التعليمية لطلاب المناطق الكردية في سوريا.

تُعد اللغة لدى الشعوب والمجتمعات ركيزة أساسية للحفاظ على الهوية وصون التاريخ والثقافة، وبالنسبة للشعب الكردي في سوريا، تمثل اللغة الكردية جزءاً جوهرياً من تاريخه وهويته ووجوده الثقافي. وانطلاقاً من ذلك، شكلت ثورة التاسع عشر من تموز/يوليو عام 2012 محطة مهمة في نضال الشعب الكردي من أجل حماية لغته، التي تعرضت على مدى عقود لسياسات التهميش والصهر ومحاولات طمس الهوية.

وخلال سنوات النضال والمقاومة، تحققت العديد من المنجزات في مجال التعليم باللغة الكردية، بدءاً من المراحل التعليمية الأولى، وصولاً إلى المعاهد والجامعات، بما أسهم في ترسيخ حضور اللغة الكردية في الحياة التعليمية والثقافية.

ومن هذا المنطلق، تبرز أهمية دعم وتطوير التعليم باللغة الكردية في المدارس السورية، باعتبار المدرسة المؤسسة الأساسية في بناء الأجيال وتكوين وعيها الثقافي والفكري. فإتاحة التعليم باللغة الأم لا تسهم فقط في حماية اللغة من الاندثار، بل تعزز أيضاً ارتباط الأجيال بثقافتها وتاريخها وهويتها، وتساعد على بناء جيل يعتز بلغته ويحافظ عليها، ويدافع عن إرثه الثقافي والتاريخي، بما يضمن استمرارية الهوية الكردية للأجيال القادمة.

في الآونة الأخيرة، كان هناك الكثير من المفاوضات والحوارات بين الإدارة الذاتية في روج آفا والحكومة المؤقتة حول اعتماد اللغة الكردية كلغة أساسية، كما وعُقد في 29 تموز/يوليو الماضي، اجتماعاً بين وزير التربية والتعليم وممثلين عن الأحزاب الكردية في مجلس الشعب السوري، وتداولت مواقع التواصل بعض من النقاط والتصريحات من الاجتماع بأن أحد الأعضاء اقترح بعدم إدراج اللغة الكردية في المدارس والجامعات في هذه المرحلة والاكتفاء بالتحدث بها داخل المنازل فقط، وأثارت هذه التصريحات ردود فعل غاضبة من الشعب الكردي، مطالبين باعتماد لغتهم في مدارسهم وجامعاتهم.

وتحدثت المعلمة فاطمة الشيخ عثمان عن مستوى التعليم في المنطقة، مشيرةً إلى التطور الذي شهده قطاع التعليم، ولا سيما اعتماد التعليم باللغة الأم. كما علقت على التصريحات الأخيرة التي أعقبت اجتماع وزير التعليم مع ممثلين كرد في مجلس الشعب، مؤكدةً أهمية مراعاة خصوصية المنطقة وحق الطلبة في التعليم بلغتهم الأم، والحفاظ على التنوع اللغوي والثقافي.

وعن نظام ومستوى التعليم في روج آفا وخاصة بمدينة كوباني، أوضحت فاطمة الشيخ عثمان، أن النظام التعليمي في المدينة بدأ بالتأسيس خلال عامي 2012 و2013، بالتزامن مع انطلاقة ثورة التاسع عشر من تموز، التي شهدت تحولات سياسية واجتماعية وتعليمية كبيرة في المنطقة.

وأشارت إلى أنه في المراحل الأولى من تأسيس النظام التعليمي، لم تكن هناك مناهج موحدة ومتكاملة تغطي مختلف المراحل الدراسية، إلا أن العمل على تطوير العملية التعليمية استمر تدريجياً، إلى أن أصبحت المدارس في كوباني وريفها تعتمد مناهج دراسية باللغة الكردية.

وأكدت أن الطلبة في كوباني أتيح لهم الدراسة بلغتهم الأم، أي اللغة الكردية، منذ الصف الأول وحتى المرحلة الجامعية، إلى جانب تعليم اللغات الأخرى، وفي مقدمتها العربية والإنكليزية من أجل تعزيز التواصل والتعايش بين مختلف المكونات.

واعتبرت أن هذا النموذج التعليمي يعكس محاولة لتوسيع نطاق التعليم ليكون أكثر شمولاً، من خلال منح المكونات التي تعيش في المنطقة حق التعلم بلغاتها الأم، بما يسهم في حماية اللغات والثقافات المحلية وتعزيز التنوع الثقافي واللغوي، إلى جانب بناء جيل مرتبط بلغته وهويته وقادر على التواصل مع محيطه.

 

اللغة تشكل الركن الأساسي في بناء المجتمعات

وعن أهمية التعليم باللغة الأم بالنسبة للشعب الكردي، أوضحت فاطمة الشيخ عثمان أن اللغة تشكل ركناً أساسياً في بناء المجتمعات، وتعبر عن هوية المكونات وتاريخها وثقافتها، لافتةً إلى أن الشعب الكردي في سوريا حُرم لفترات طويلة من حقه في التعليم بلغته الأم، رغم حفاظه عليها من خلال استخدامها داخل المنازل.

وأكدت أن استخدام اللغة الكردية في الحياة اليومية وحده لا يكفي لحمايتها من الاندثار، بل يجب أن تكون حاضرة في المدارس أيضاً، مشيرةً إلى أن تعليم الطفل بلغته الأم يساعده على الفهم والتعبير بشكل أفضل، وينعكس إيجاباً على تطوره ومستواه التعليمي مقارنةً بتلقيه المناهج بلغة ثانية.

 

"ليس من حق أحد صهر وإمحاء لغتنا وهويتنا"

وقالت فاطمة الشيخ عثمان إن ما نُشر عبر مواقع التواصل الافتراضي حول الاجتماع أثار مخاوف بشأن مستقبل اللغة الكردية في التعليم، مؤكدةً أن استخدام اللغة الأم داخل المنازل وحده لا يكفي لحمايتها، بل يجب ضمان حق الكرد في استخدامها في الحياة العامة والمؤسسات والمدارس.

وأضافت أن تعليم الأجيال القادمة بلغتها الأم ضرورة، مستذكرةً تجربتها الشخصية في الدراسة ضمن مدارس النظام السابق، حيث واجهت صعوبة في التعبير عن آرائها واحتياجاتها باللغة العربية، مؤكدةً أن التعبير باللغة الأم يمنح الطالب قدرة أكبر على الفهم والمشاركة والتطور.

وشددت على ضرورة الاعتراف باللغة الكردية في القوانين والدستور السوري، معتبرةً أن من لم يعش تجربة الحرمان من التعليم باللغة الأم لا يستطيع تقدير حجم المعاناة التي عاشها الكرد، ولا ينبغي أن يكون ذلك سبباً في تهميش لغتهم أو إنكار هويتهم ووجودهم.

وأشارت إلى أن "عندما نعود لتاريخ الشعب الكردي في العالم والشرق الأوسط نرى بأن الكرد مروا بالكثير من حملات الإبادة والمجازر والتهجير، فضلاً عن ممارسات صهر وإمحاء هويته ولغته وتاريخه، واليوم ليس من حق أي أحد إنكار لغتنا وهويتنا".

وطالبت المعلمة فاطمة الشيخ عثمان الحكومة المؤقتة والأحزاب والشخصيات الكردية المشاركة في طاولات الحوار بإيصال مطالب الشعب وحقوقه، ولا سيما حقه في التعليم باللغة الأم، مؤكدة على ضرورة أن تراعي المفاوضات حقوق جميع المكونات والشعوب في سوريا، مع ضمان خصوصية الشعب الكردي في التعلم باللغة الكردية، باعتبار ذلك حقاً أساسياً.