المرأة السورية من التهميش إلى مرحلة المشاركة في بناء المجتمع
تواجه النساء في سوريا منذ بداية الأزمة تحديات وعراقيل ناتجة عن حصيلة سنوات عدة من النزاعات والأزمات، وهذا ما أثر بشكل سلبي على وضع المرأة في كافة المحافل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وتعيق طريقها نحو تطور وتقدم ضمن المجتمع السوري.
نورشان عبدي
كوباني ـ تعيش النساء في العديد من المناطق السورية ظروفاً قاسية نتيجة الانتهاكات والاعتداءات التي يمارسها جهاديّي هيئة تحرير الشام التي تمثل الحكومة المؤقتة، بهدف إقصاء دور المرأة ومنع مشاركتها في صياغة مستقبل البلاد وبناء دستور جديد. هذه الممارسات تفاقم تهميش النساء وتحد من حضورهن في مسارات التغيير السياسي والاجتماعي.
تعد المرأة السورية ركيزة أساسية في المجتمع، ولا سيما في مرحلة التعافي وإعادة البناء، إلا أنها تواجه اليوم انتهاكات واسعة تشمل الاختطاف والقتل والتعذيب والاعتقال والاغتصاب، خصوصاً في مناطق الساحل والسويداء وحمص. كما تُمارس الحكومة المؤقتة سياسات إقصاء تُبعدها عن المشاركة في صياغة الدستور والمناصب القيادية، وتحول دون تثبيت حضورها ودورها في بناء سوريا الجديدة.
بصمة نضالية واحدة رغم اختلاف الجغرافيا وأساليب المقاومة
توضح نسرين ديب، المحاضِرة في كلية الزراعة بجامعة كوباني، أن واقع المرأة السورية شهد تغيرات جوهرية عبر العقود. فقبل الأزمة، تمتعت النساء بدور بارز في بناء المجتمع والتأثير في محيطهن، رغم ما عاشته البلاد من اضطهاد طويل. ومع ذلك، استطاعت المرأة أن تتعلم وتعمل، وتثبت استقلاليتها في مجتمعات عديدة.
وتبين نسرين ديب أن النساء السوريات تركن أثراً واضحاً خلال سنوات الأزمة، كلٌ وفق ظروف منطقتها وطبيعة نضالها. ففي روج آفا حملت النساء السلاح دفاعاً عن الهوية والقضية، ورفعن راية ما يؤمن به لمجتمعهن. أما في مناطق أخرى من سوريا، فقد اختارت النساء طريقاً مختلفاً للنضال عبر تعليم الأطفال وبناء جيل قادر على مواجهة آثار الحرب، فكن عماد الأسرة من جميع الجوانب.
وتشير إلى أن هذا التنوع في أساليب المقاومة يؤكد أن المرأة شريك أساسي في المجتمع، ورديف لا يمكن فصله عنه. ورغم ما واجهته من فقدان للأبناء والأزواج والآباء، وما تعرضت له من انتهاكات، استطاعت بوعيها وإصرارها حماية ذاتها، مؤكدة أن النساء، رغم عمق الجراح التي خلفتها الأزمة، واصلن النضال وتجاوزن الكثير من المحن، مثبتات أنهن جزء لا يتجزأ من مستقبل سوريا.
وتؤكد نسرين ديب أن النساء في روج آفا ومناطق الإدارة الذاتية قدمن تجربة نضالية استثنائية، إذ خضن مقاومة واسعة وأسسن حضوراً ريادياً في بناء المجتمع على المستويات السياسية والاجتماعية والثقافية، مشيرة إلى أن هذا الدور المتقدم يجعل من تجربة نساء روج آفا نموذجاً يمكن لكل امرأة سورية أن تستلهمه، وترفع من خلاله وتيرة نضالها للمطالبة بحقوقها في سوريا الجديدة، بما يضمن حضوراً فاعلاً وكياناً مستقلاً للنساء في مستقبل البلاد.
وتبين أن المرأة السورية اليوم تواجه مستويات عالية من الاضطهاد والقمع في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة المؤقتة، ما يجعل هذا الخوف سبباً مباشراً لانتشار الجهل ويحد من قدرتها على العطاء، فيُعاد إنتاج تهميشها داخل المجتمع لتصبح كما يريد الرجل والسلطة، لا كما تستحق أن تكون.
وتدعو نسرين ديب النساء في سوريا إلى تعزيز إيمانهن بذواتهن وبقدراتهن الفكرية، مؤكدة أن إدراك المرأة لواجباتها ودورها في تغيير المجتمع يمنحها القدرة على أن تكون ركناً أساسياً في بناء سوريا الجديدة، وأن تتحرر من الإقصاء الذي تمارسه الحكومة المؤقتة، مشددة على ضرورة مخاطبة وعي النساء كي يدركن قيمة ما قدمنه وما قدمته الأخريات، وأن يتحملن مسؤولية مواصلة الرسالة.
ضرورة توفير حماية قانونية عاجلة
وتوضح نسرين ديب أن النساء يعشن ظروفاً بالغة القسوة، إذ يتعرضن للاختطاف والتعذيب والعنف والاعتقال، ويُعاملن كسلع يمكن للرجل استغلالها كما يشاء، لافتة إلى أن هذه الممارسات تستهدف بشكل خاص النساء من غير الطائفة السنية، ما يجعل الانتهاكات أكثر انتشاراً في مناطق الساحل السوري وحمص، حيث سُجلت حالات اختطاف لفتيات صغيرات، في مشهد يعكس خطورة وضع المرأة هناك.
وتحذر من أن استمرار هذا الواقع دون قانون رادع سيؤدي إلى تدهور أكبر، وسيحرم النساء من فرص الحياة وبناء الذات، مؤكدة على ضرورة سن تشريعات واضحة لحماية النساء ضمن إطار الدولة الجديدة، بما يضمن حقوقهن وواجباتهن كمواطنات.
وفي ختام حديثها، تشدد نسرين ديب على أن النساء في سوريا بحاجة إلى التركيز على نقطتين أساسيتين: الإيمان بالفكر والقدرة على تطوير الذات رغم الخوف والاضطهاد، لأن المرأة قادرة على حماية نفسها ومجتمعها وهويتها. كما تدعو إلى إقرار تشريع للأحوال الشخصية يضمن حقوق الجميع، وإلى وقف الانتهاكات، مع ضرورة وجود دستور وقانون يحمي وجود المرأة وهويتها، شرط أن يُطبّق فعلياً على أرض الواقع لا أن يبقى مجرد نص مكتوب.