بعد حكم "لا ضرر"... نساء قابس في تونس يواجهن تلوثاً يهدد الصحة والحياة

في قابس، لا يحتاج التلوث إلى تقارير لإثبات وجوده؛ يكفي أن تنظر في وجوه الأطفال أو في نتائج التحاليل. وتؤكد الناشطة لينا الظاهري "القضاء يقول لا ضرر… وأجسادنا تقول العكس".

زهور المشرقي

تونس ـ أسدل القضاء التونسي الستار، أواخر شباط/فبراير الماضي، على واحدة من أكثر القضايا البيئية إثارة للجدل في قابس، بعد أن قضت المحكمة الابتدائية بـ "رفض الدعوى لعدم ثبوت الضرر" في الملف المتعلق بإيقاف الوحدات الملوِّثة التابعة للمجمع الكيميائي. قرارٌ أثار موجة واسعة من الاستياء بين الأهالي والناشطات البيئيات، وبينما يؤكد الحكم غياب الأدلة، يصرّ سكان قابس على أن الضرر حاضر في تفاصيل حياتهم، من أمراض تنفسية مزمنة إلى ارتفاع حالات السرطان والعقم وتشوهات الأجنة.

لم تكن القاعة باردة بسبب المكيفات، بل لأن سبع جلسات مرافعة، ومجلدات من التقارير الفنية، ودموع أمهات انتظرن خارج الباب، انتهت كلها إلى أربع كلمات نطقها القاضي أواخر شباط الماضي "رفض الدعوى لعدم ثبوت الضرر". أربع كلمات فقط، لكنها كانت كافية لتجعل الهواء أثقل في رئة قابس، حيث يقاوم الأهالي منذ سنوات التلوث الصادر عن المجمع الكيميائي.

خارج قاعة المحكمة الابتدائية، كان "الضرر" ينتظر بهيئات متعددة: طفل يتنفس بصعوبة، امرأة تحمل نتائج تحاليل تشير إلى سرطان جديد، وأخرى تصارع العقم، وأب يُعدّد أسماء الجيران الذين دفنهم هذا الشتاء.

في قابس، لا يُقاس الضرر بالملفات، بل بعدد المقابر التي اتسعت، وعدد الكوابيس التي تحوّلت إلى تشخيصات طبية، وعدد الأرحام التي أعلنت العجز، لأكثر من 70 عاماً، دخل المجمع الكيميائي المدينة تحت شعار "التنمية والشغل".

اليوم، الشعار الذي يتردد في غرف الولادة، وفي طوابير العلاج الكيميائي، وفي مدارس تُكسر فيها عظام الأطفال من أصغر سبب سقوط، هو "الموت البطيء".

هذا ليس تقريراً عن حكم قضائي فقط، بل شهادة من مدينة اعتبرها القضاء "سليمة"، بينما أجساد نسائها تصرخ يومياً بالعكس. إنها حكاية "لا ضرر" المكتوبة بالحبر، و"الضرر" المكتوب بالسرطان والعقم والهشاشة والاختناق.

 

من قاعة المحكمة إلى غرف الأطفال

انتهت سبع جلسات من المرافعات والتقارير الفنية إلى جملة واحدة صدمت ناشطات قابس "رفض الدعوى لعدم ثبوت الضرر".

هكذا أسدلت المحكمة الابتدائية الستار، أواخر شباط/فبراير، على الدعوى الاستعجالية التي رفعتها هيئة المحامين لإيقاف الوحدات الملوثة، بعد مسار قضائي انطلق في 23 تشرين الأول/أكتوبر 2025. الحكم الذي كان ينتظر أن يكون "بارقة أمل"، تحوّل إلى شرارة غضب جديدة في شوارع المدينة.

"كيف لا يثبت الضرر ونحن ندفن موتانا بالسرطان كل أسبوع؟"، تتساءل الناشطة في حملة "Stop Pollutionلينا الظاهري، وتقول "القضاء يقول لا ضرر، وأجسادنا تقول العكس".

لفهم هذه المفارقة، يكفي مغادرة أروقة المحكمة والدخول إلى بيوت قابس. هناك لا يظهر "الضرر" في وثائق قانونية، بل في تفاصيل الحياة اليومية "الإرهاق، الصداع، ضيق التنفس... أصبحت أعراضاً عادية" بحسب ما أوضحته لينا الظاهري "حتى زوارنا من خارج المدينة يستيقظون منهكين".

 

أجساد النساء... السجل الحقيقي للكارثة

إذا كان القضاء يبحث عن "ثبوت الضرر" في التقارير، فإن الناشطات يُشرن إلى أجسادهن كأدلة حية "الأمراض الأخطر تمس النساء في صحتهن الإنجابية"، تقول لينا الظاهري "نتحدث عن عقم، عن تشوهات جينية في المواليد، عن سرطان في كل دار تقريباً"، مبينة أن الأمر لا يقف عند ذلك، إذ تشير إلى انتشار هشاشة العظام بين الأطفال "والدتي معلمة، وتخبرني أنه لا يكاد يمر شهر دون أن ينكسر أحد التلاميذ. هذا لم يعد طبيعياً".

وأضافت "وجوههم شاحبة... هذا لوننا الجديد" وتتهم الناشطات السلطات بـ"امتلاك الأرقام والتستر عليها"، مضيفة "نحن لا نملك إحصائيات، لكن الدولة تملكها. مرضانا في مستشفيات الدولة، وهي تعرف من مات بالسرطان ومن ولد بتشوهات".

ورغم ذلك، تشير إلى غياب بنية صحية قادرة على استيعاب حجم الكارثة، مثل مستشفى جامعي متخصص.

 

من وعود العمل إلى تهمة التخوين

العودة إلى الوراء تفسر صدمة الحكم. فالمجمع الكيميائي، الذي دخل المدينة تحت شعار التنمية، غيّر ملامحها تدريجياً، وأوضحت "خسرنا الواحة البحرية الوحيدة في المتوسط، خسرنا البحر، خسرنا الهواء... والآن نخسر بعضنا".

ولفتت إلى أن الأزمة ما تزال مستمرة، حيث سُجلت مؤخراً نحو 20 حالة اختناق، أغلبها في صفوف الأطفال، مع ظهور أعراض عصبية.

كما تستحضر موجة الاحتجاجات التي بدأت من تموز/يوليو إلى كانون الأول/ديسمبر، وبلغت ذروتها في إضراب 11 كانون الأول، الذي شارك فيه حوالي 160 ألف شخص، احتجاجاً على ما تصفه الناشطات بـ"المقاربة الأمنية"، التي شملت استخدام الغاز المسيل للدموع والإيقافات واتهامات بالتخوين.

 

ماذا بعد "لا ضرر"؟

اليوم، وبعد الحكم القضائي، تجدد ناشطات قابس نداءهن "قضيتنا ليست محلية، بل قضية كل التونسيين" وتربط الناشطات بين قابس ومناطق أخرى تعاني من التلوث، مثل الحوض المنجمي وصفاقس ورواد، معتبرات أن "أي انتصار هنا هو أمل للجميع".

المطلب، كما تؤكد، لم يتغير منذ إطلاق حملة "Stop Pollution" عام 2012 "هواء نظيف، بحر غير ملوث، ومياه صالحة للشرب".

وتستحضر تصريح الرئيس قيس سعيد الذي وصف قابس عام 2014 بأنها "مدينة منكوبة"، مؤكدة في ختام حديثها أن "النكبة لا تزال مستمرة إلى يومنا هذا وحكم "عدم ثبوت الضرر" لا يلغي الضرر الذي نعيشه كل يوم... في أجسادنا، وفي أجساد أطفالنا".