نسج السجاد... حرفة تتلاشى ونساء يتمسكن بما تبقى

منذ أكثر من نصف قرن، تشكل ورشة كويه لنسج السجاد اليدوي بإقليم كردستان مساحة عمل وذاكرة لنساء المدينة، لكن تراجع اليد العاملة النسائية اليوم يضع هذا الإرث أمام خطر الإغلاق.

شيا كويي

كويه ـ في مدينة كويه بإقليم كردستان، تقف ورشة كويه شاهدة على خمسة عقود من العمل النسائي المتواصل، حيث نسجت مئات النساء خيوط السجاد كما نسجن تفاصيل حياتهن داخل هذا المكان.

منذ اللحظة الأولى التي يدخل فيها الزائر إلى ورشة كويه لنسج السجاد اليدوي، يرى نساءً يعملن بصمتٍ وتركيز، بأصابعٍ خبيرة تنسج خيوط السجاد اليدوي كما لو أنهن ينسجن أعمارهن نفسها. بعضهن أمضين حياتهن كاملة بين جدران هذا المكان الذي تحوّل إلى مصدر رزق، وملاذ اجتماعي، وذاكرة جماعية لنساء المدينة.

تأسست الورشة في الأول من أيار/مايو عام 1971، ولا تزال قائمة في مركز كويه بإقليم كردستان حتى اليوم. ورغم بقائها مفتوحة، فإنها لم تعد تشبه نفسها في سنواتها الذهبية؛ فبعد أن كانت تضم نحو 300 عاملة وتنتج ما يقارب 100 متر من السجاد اليدوي شهرياً، تراجع العمل بنسبة 90%، ولم يبقَ فيها سوى 30 امرأة فقط.

ورشة السجاد اليدوي لم تكن مجرد مكان للعمل، بل كانت على مدى 55 عاماً مساحةً لحياة كاملة. نساءٌ بدأن العمل فيها منذ عمر التاسعة، وأخريات وجدن فيها باباً للرزق والاستقلال. لكن غياب التعيينات الجديدة منذ عام 2013، وبقاء كثير من النساء في المنازل، جعلا الورشة مهددة بالفراغ وربما الإغلاق.

 

"إذا لم تُفتح التعيينات ستغلق الورشة"

تقول بهار شيخ عثمان، التي تعمل في الورشة منذ 13 عاماً، أن "الورشة كانت تستقبل فتيات بعمر 9 أو 10 سنوات. العمل مستمر، لكن معظم العاملات القديمات أصبحن ربات بيوت. ومنذ 2013 لم تعين أي عاملة جديدة. إذا استمر الوضع هكذا ستغلق الورشة، لأنها تعتمد بالكامل على الأيدي النسائية".

وترى أن أهمية الورشة تتجاوز الجانب الاقتصادي "العمل هنا يمنح النساء راحة نفسية، ويتيح لهن الاختلاط والتواصل. كثيرات يرغبن بالعمل، لكن لا توجد فرص".

وتصف يوم العمل "نبدأ من الثامنة صباحاً حتى الواحدة ظهراً. العمل صعب، لكنه يصبح محبباً مع الوقت. ورش كثيرة في السليمانية وحرير وكسنزان وشقلاوة وسوران أُغلقت. لو كانت النساء قادرات على العمل من منازلهن لكان أفضل، لكن هذا غير متاح لدينا".

 

حياكة معالم كوية… من الخيط إلى النقشة

تشرح إحدى العاملات طبيعة العمل قائلة "القطع الكبيرة تحتاج إلى سنة كاملة، والصغيرة تُنجز خلال شهر. معظم أعمالنا مستوحاة من معالم كويه مثل القشلة وتشوارتقان. إذا طلب أحدهم رسماً معيناً ننفذه له".

وتضيف "نبدأ بخيوط الأساس، ثم نرسم النقشة وننفذها. أعمالنا تختلف تماماً عن السجاد الموجود في الأسواق؛ عملنا يدوي وله روح، بينما ما في السوق مصنوع بالآلات".

 

مكان تاريخي وثقافي

تقول غُلال عثمان، التي تعمل منذ 18 عاماً "في البداية كان العمل صعباً، لكنني اليوم ماهرة وسعيدة. أعمالنا تعكس الثقافة الكردية، وكثير من الناس يزورون الورشة. حتى الجامعات والمدارس ترسل طلابها ليتعرفوا على هذا المكان".

وتتابع "الورشة وفّرت فرص عمل كبيرة للنساء. كثيرات بدأن العمل منذ عمر التاسعة. كان العمل يمنحهن دخلاً، ويتيح لهن الخروج من المنزل والاختلاط، وهذا كان مصدر سعادة لهن".

 

أربعة عقود من الحياكة

من جانبها تقول نَمام حمد مصطفى، التي بدأت العمل في الورشة عام 1979 "بدأت العمل وأنا في التاسعة من عمري. كانت أختي تعمل قبلي، وكنت أجلس بجانبها لأتعلم. أحببت العمل منذ اللحظة الأولى".

ولفتت إلى أن عملها جزء من حياتها "أصنع كل شيء بيدي، وهذا يمنحني شعوراً بالاستقلال. هذا العمل ساعدني في تربية أولادي ومنحني القدرة على إدارة حياتي".

وعن الفرق بين الماضي والحاضر في الورشة، "في السابق كان عملنا أجمل. كانت هنا ما بين 200 إلى 300 امرأة يعملن في الورشة. صحيح أن رواتبنا كانت قليلة، لكنها كانت تكفينا. كنا نأتي من الساعة الثامنة صباحاً حتى الثالثة بعد الظهر، وكان لدينا مطبخ نتناول فيه الطعام. كنا سعداء جداً، وكانت هناك مكافآت، وكان العمل وفيراً".

وتضيف "العمل يمنح المرأة شعوراً بالفخر لأنها تعتمد على نفسها ولديها عمل خاص بها. ورغم أن حياكة السجاد عمل شاق، فإن الأدوات التي نستخدمها مثل المقص والمِزرب والخطّافة كثيراً ما تسبب لنا جروحاً وإصابات في اليدين. كما أن النظر يضعف مع الوقت، ونُصاب بآلام الظهر بسبب الجلوس الطويل، إضافة إلى الحساسية التي تسببها المواد التي نستخدمها".