تحت خطاب الكراهية... الغجر بين الإبادة والتهميش (2)
أكدت بيرفو يلماز من مجتمع الروم المعروفين باسم "الغجر" أنهم ما زالوا يواجهون أشكالاً متعددة من التمييز والتهميش، سواء في التعليم أو الحياة اليومية، مشيرةً إلى أن الصور النمطية والخرافات التي تُلصق بهم تُعمق عزلتهم وتشرعن خطاب الكراهية ضدهم.
روشان سلام
مركز الأخبار ـ يُعد مجتمع "روم" أحد أقدم المجموعات الثقافية في أوروبا والشرق الأوسط، وقد حافظ على هويته المميزة رغم قرون من التنقل والتغيّرات الاجتماعية والسياسية، ويتميز هذا المجتمع بتراث غني وعادات اجتماعية متوارثة، فيما لا تزال قضاياه المتعلقة بالاندماج والاعتراف الثقافي محور نقاش في العديد من الدول.

يعيش مجتمع "روم"، المعروفين تاريخياً باسم "الغجر"، تحت وطأة سياسات التمييز والتهميش التي استهدفت الأقليات عبر العصور، وبالتركيز على هذا المجتمع الذي كثيراً ما يُساء فهمه بفعل الصور النمطية، تحدثنا مع بيرفو يلماز، وهي من أصول "روم" وعبدية، حول مفاهيم العدالة والتضامن والوعي الجماعي الذي نجحت نساء الروم في ترسيخه داخل مجتمعهن، وتقول بيرفو يلماز التي وُلدت ونشأت في حي تقطنه عائلات من الروم، إنها لم تدرك انتماءها إلى أقلية إلا خلال سنوات دراستها الابتدائية، حين بدأت تسمع خطاب الكراهية وتواجه مظاهر العزلة.
وتصف تلك السنوات قائلةً "كنتُ أدرس في مدرسةٍ يندر فيها وجود طلاب الغجر، ولأنك من الغجر يتوقعون منك ارتكاب جريمة وهذا ما يُولّد الخوف في نفسك، فإذا أخطأ طفل آخر يقولون إنهم مجرد أطفال أما إذا كان طفلاً من الغجر فيقولون إنهم لصوص هنا أدركتُ أنني مختلفةٌ من خلال معاناتي من هذا التمييز البغيض".
وأشارت إلى أنها كثيراً ما تعرضت للتهميش بسبب هويتها، سواءً في المناسبات الاجتماعية أو خلال مقابلات العمل "في مقابلة عمل قلتُ إنني من الروم، فكان الرد لا سمح الله، كيف يمكن أن يكون ذلك؟" مؤكدةً أن مثل هذه العبارات قادرة على إهانة مجتمع كامل وإقصائه "بعضهم كان يقول لي أنتِ لا تبدين كغجرية، كانت هذه العبارات شديدة السُمية".
"أن الخرافات التي تُلصق بالروم مثل تصويرهم على أنهم لصوص أو ميالون للجريمة تؤثر بعمق على حياتنا اليومية، وخاصة على الأطفال، فالمجتمع يصفنا مسبقاً على أننا لصوص ميالون للعنف، أو متعاطون، ما يمنح خطاب الكراهية غطاءً زائفاً من الشرعية، هذه الصور النمطية لا تستند إلا إلى أحكام مسبقة"، وفقاً لما أوضحته.
تستعيد بيرفو يلماز ذكريات طفولتها، حين كانت تسمع من بعض المعلّمين الذين يُفترض أنهم قدوة تربوية عبارات من قبيل "لا تكوني واحدة منهم" مضيفةً أن وقع هذه الكلمات كان مؤلماً، لأنها كانت تستهدف هويتها مباشرة، وتؤكد قائلة "لكنهم كانوا مجتمعي" في إشارة إلى التناقض القاسي بين ما كانت تسمعه من أحكام إقصائية وبين انتمائها الحقيقي الذي شكّل جزءاً أساسياً من حياتها وهويتها.
"تعرّضنا للتمييز"
تحمل بيرفو يلماز هوية عبدال إلى جانب هويتها الرومية، وتشير إلى أن أفراد مجتمعها يتعرضون للتهميش من قِبل جماعات دينية وعرقية تُعد مختلفة داخل البلاد "بصفتنا غجراً علويين نرغب في الذهاب إلى الجيم آفي، وهو مكان عبادة العلويين لكنهم لا يسمحون لنا بالدخول، يطردوننا بعبارات مثل أنتم غجر، ولا علاقة لنا بالغجر"، لافتةً إلى أن جماعات عرقية أخرى قد تنظر إلى ما يتعرضون له من تمييز من زاوية مختلفة، أو تعتقد أنهم لم يخوضوا نضالاً كافياً "نحن نناضل من أجل حقوقنا الأساسية، ومع ذلك يبدو نضالنا من أجل الهوية أقل أهمية في نظر البعض".
"نحاول البقاء"
وترى أن الصورة الشائعة عن الغجر بوصفهم شعباً "يعيش على الترحال" ليست سوى انعكاس لضرورة فُرضت عليهم أكثر مما هي خيارٌ ثقافي، وتصف الأمر بقولها إن الترحال لا يعني الانتقال الموسمي بين الصيف والشتاء، بل هو تلك الإقامة المؤقتة التي تُفرض عليهم أينما حلّوا، فوالدتها وجدتها اعتدن النظر إلى التنقّل كجزء طبيعي من الحياة لا كعلامة على الإقصاء، غير أن الواقع يكشف عن سياسة تهجير واضحة تدفع الناس بعيداً عن أحيائهم ومدنهم، فتجعل من الترحال قدراً لا مهرب منه.
ولفتت إلى أن هذا التهجير القسري يُقدَّم أحياناً وكأنه جزء من ثقافة الروم، بينما هو في جوهره جرح مفتوح يقطع صلتهم بالمكان ويمنعهم من بناء جذور ثابتة، وتستحضر المقولة المتداولة "جئنا من العدم، ولن نذهب إلى العدم"، مشيرةً إلى أن مجتمعها يعيش في حالة معلّقة بين الوصول والرحيل، مؤكدةً أن الفلسفة التي تلخّص حياة مجتمعها ليست الغياب، بل البقاء رغم كل ما يُنتزع منهم ورغم كل ما يُعاد تشكيله قسراً.
"المرأة فاعلة في مجتمع الروم"
وعن دور المرأة في مجتمع الروم، أوضحت أنها كانت نشطة وتُعيل أسرها من خلال الحرف اليدوية كصناعة الزهور وحياكة السلال، إلا أن النظام الرأسمالي قد ألحق ضرراً كبيراً بهذه المهن "لطالما كانت المرأة فاعلة في مجتمعنا، يُقال إن الروم ينحدرون من مجتمع أمومي وهذا النمط شائع أكثر في المجتمعات البدوية، لكن مع استقرارنا، أصبح نظامنا أكثر أبوية ومع ذلك تبقى المرأة مجبرة على العمل لأن العبء عليها أثقل، ومع اندثار مهنها التقليدية لم يعد أمامها الكثير من الخيارات، لقد عملت نساء الروم في مجالات متعددة وحتى في الموسيقى كان لهن حضور بارز رغم أن الرجال هم الأكثر ظهوراً".
"النساء جدار الحماية"
وأكدت أن تأثير النظام الرأسمالي وهيمنة العقلية الذكورية أحدثا تحولات عميقة في بنية مجتمع الروم، مشيرةً إلى أن النساء ما زلن يشكلن محوراً أساسياً في الحياة الاجتماعية داخل الأحياء "أن التضامن بين النساء ينشأ بصورة طبيعية مدفوعاً أيضاً بضرورات فرضها القمع وإدارة الفقر، إذ أصبحت النساء بمثابة خط الدفاع الأول في مواجهة العزلة التي يدفع إليها المجتمع، أن مجتمع الروم يتميز بروح الدعم المتبادل داخل الأحياء حيث يهب الجميع لمساندة بعضهم عند وقوع أي ظرف طارئ"، لافتةً إلى أن التهميش المتواصل والتضييق على وجودهم في أحيائهم قد يفضيان أحياناً إلى حالة من الانغلاق تجعل استقبال الغرباء أمراً صعباً.
وتابعت بيرفو يلماز حديثها قائلة إن الغجر غالباً ما يُستبعدون أو يُنظر إليهم من خلال صورة رومانسية مبالغ فيها تُختزل في عبارات من قبيل "أنتم تحبون الحياة" موضحةً أن واقعهم بعيد تماماً عن هذه الصورة، فهم عملياً محاصرون داخل أحيائهم ومعزولون عن المجتمع الأوسع، مضيفةً أنهم يحاولون بناء منظومة عدالة خاصة بهم وخلق أمن ذاتي داخل مجتمعهم، في ظل غياب كافٍ للدعم والحماية من مؤسسات الدولة "أن هذا الوضع دفعهم إلى مزيد من التماسك الداخلي، حيث أصبح التضامن وحماية بعضهم البعض ضرورة يومية".
وأضافت "أن العيش في عزلة بعيداً عن العالم الخارجي له آثار سلبية خطيرة، إن الخوف من مغادرة الحي شائع بشكل خاص بين النساء، نظراً لوجود تمييز قائم ضدهن لا سيما في مجال العمل، يخشى الناس مغادرة الحي لأنهم يُهمشون باستمرار، يؤثر هذا الوضع على النساء بشكل أكبر ويجعلهن يبتعدن عن التطورات، وبسبب الضغوط الخارجية والضغوط التي يمارسها الرجال على النساء داخل مجتمعنا، لا تستطيع النساء والفتيات الحصول على التعليم، ويُجبرن على النضوج في سن مبكرة جداً".
وتؤمن بيرفو يلماز بأن التضامن بين نساء الروم مثال يُحتذى به، من خلال دعم النساء بعضهن بعضاً في كل المجالات "لنفترض أن إحداهن وجدت عملاً خارج مجتمعها، فتأتي وتُشرك الأخرى فيه، إن التضامن بين النساء أمرٌ رائع حقاً، أعتقد أنه يمكن أن يكون مثالاً يُحتذى به للعديد من المجتمعات النسائية، عندما تُحقق إحدى النساء إنجازاً تُسارع الأخرى إلى الانضمام إليها، نُمارس هذا التضامن بشكلٍ رائع، وقد تطور هذا الوضع جزئياً نتيجةً لتأثيرات العزلة خاصةً عندما يتعلق الأمر بالعمل أو بتجارب حياتية قيمة، يُمكننا مشاركتها مع بعضنا البعض عندها تُصبح المرأة ملاذاً آمناً للمرأة، هذا التضامن يُلمس بوضوح في أحيائنا، سواءً في المدرسة أو العمل، ندعم بعضنا بعضاً في كل المجالات".
واختتمت بيرفو يلماز حديثها بالتأكيد على أن الغجر يعيشون داخل حدود غير مرئية فُرضت عليهم عبر الزمن، مشيرةً إلى أن هذه الجدران خلقت صورة نمطية مزدوجة، فمن جهة يشعر الغجر بأنهم غير مقبولين في المجتمع، ومن جهة أخرى يظن الآخرون أنهم يفضلون العيش في عزلتهم "أن كلا التصورين لا يعكس الواقع".
وكامرأة غجرية، أكدت أنها لا تريد لأي طفل غجري أن يواجه التمييز أو أن تتحطم أحلامه كما حدث مع كثيرين قبلهم، لافتةً إلى إنها وصلت إلى ما وصلت إليه بعد تجاوز تجارب صعبة، ولا ترغب في أن يمر أي طفل بالطريق ذاته".
غداً: عالمة النفس فاتوش كايتان، التهميش يدفع الأفراد إلى خارج المجال العام والديمقراطي.