من زاغروس إلى "Jin Jiyan Azadî"... مقاومة النساء عبر ألف عام (1)

في إيران وشرق كردستان، شكلت النساء عبر العصور طليعة النضال من أجل الحرية، وواجهن أنظمة الهيمنة الذكورية بمختلف أشكالها؛ من سلطة الإمبراطوريات القديمة إلى الدول القومية الحديثة، ومن هيمنة المؤسسات الدينية إلى صعود الإسلام السياسي.

تحول الهوية النسائية في إيران وشرق كردستان

 

روجبين دنيز

مركز الأخبار ـ ريادة المرأة في تاريخ إيران وشرق كردستان ليست مجرد مجموع بطولات فردية، بل هي أحد أكثر سرديات المقاومة البنيوية حيويةً في مواجهة سياسات الدولة المركزية القائمة على الاستيعاب والهيمنة. فالنساء في المجتمعين الإيراني والكردي اضطلعن عبر التاريخ بدور "القوة الطليعية" التي تحرك المقاومة المجتمعية في لحظات الأزمات.

تحول هذا الشكل من الريادة المتجذر في الذاكرة التاريخية للمجتمع الكردي وفي جذوره الديمقراطية والكومينالية، إلى آلية قوية للدفاع الذاتي ضد البنى السلطوية الذكورية المركزية. أما في المجتمعات الإيرانية، فقد اتخذت هذه الريادة في بعض الفترات طابعاً فردياً، وفي فترات أخرى طابعاً جماعياً منظماً.

ولفهم طبيعة المقاومة المجتمعية اليوم، ينبغي دراسة الكيفية التي تحولت بها هذه الإرادة، المستمدة من الإرث الأسطوري والأسس الإيمانية والذاكرة الجمعية، إلى وعي مؤسسي للمقاومة في المجالات العسكرية والسياسية والثقافية.

إن المكانة الاجتماعية للمرأة الآريانية وطابعها المقاوم يرتبطان مباشرة بالرموز الأسطورية والنظم الإيمانية ذات المحور الأمومي التي تعود جذورها إلى أعماق موزوبوتاميا. وقد منح هذا الأساس الأنطولوجي للمرأة قدسية ومشروعية أخلاقية في موقعها الحاسم داخل الحياة الاجتماعية.

 

قلعة النساء في زاغروس أربكت جيش الإسكندر الأكبر

لم يُنظر إلى مشروع الإسكندر الأكبر لنشر الهيلينستية في جغرافيا موزوبوتاميا كاحتلال عسكري فحسب، بل اعتُبر أيضاً محاولة منهجية لإبادة ثقافية. ففي بعض الروايات، تُفسر سياسة الإسكندر القائمة على تزويج أربعين ألف امرأة من زاغروس قسراً لجنوده كأداة للاندماج البيولوجي والثقافي. ويمكن اعتبار تصنيف ديموستين القائل "لدينا بغايا للمتعة، وجواري للعناية، وزوجات لإنجاب الأطفال" مثالاً يعكس العقلية الذكورية السائدة في تلك الحقبة.

في المقابل، أفسحت ثقافة المقاومة التي تطورت في جغرافيا زاغروس المجال أمام النساء لتولي أدوار فعالة في النضال العسكري والاجتماعي.

برزت في هذا النضال امرأتان كرديتان؛ يوتاب شقيقة أريو برزان، التي تولت قيادة جيش ضد الإسكندر الأكبر، وقد رسخ هذا الفهم للمقاومة الذي جمع بين روح الجبال التحررية والاستراتيجيات الدفاعية، مكانةً مهمة في الذاكرة المحلية. وبشكل مشابه، أثبتت خانم منيجه من خلال مقاومتها في قمم هورامان الوعرة أن شغف النساء بالحرية لا يمكن إخضاعه.

وتُعد هذه المقاومات أمثلة رمزية للصراع التاريخي بين ثقافة موزوبوتاميا التي ترى المرأة فاعلاً حراً ونشطاً في الحياة الاجتماعية، وبين الذهنيات الأبوية التي تسعى إلى إقصائها.


         


        

جسد المرأة ميداناً للغزو والهيمنة والوصم

أدى اعتماد الزرادشتية ديناً رسمياً للدولة في عهد الإمبراطورية الساسانية إلى تحول كبير في الجوانب التحررية والاجتماعية للتعاليم الدينية. فقد أدى اتحاد الدين بالسلطة السياسية إلى دفع المرأة بشكل منهجي إلى موقع "المواطنة من الدرجة الثانية". وفي تلك الفترة، شكل نظام المَهر الأساس القانوني الذي يُعرّف المرأة بوصفها "مِلكاً" يُنقل من الأب إلى الزوج.

كما أن تفسير رجال الدين للعمليات البيولوجية للمرأة، وخاصة فترة الحيض، بوصفها "نجاسة" أو "تلوثاً طقوسياً"، أسهم في ترسيخ أنماط دينية تهدف إلى ضبط جسد المرأة والتحكم به. وقد حُوصرت المرأة في أماكن مظلمة ومعزولة باعتبارها "مُدنِّسة للمقدسات". أما بنية الحرم في قصور الساسانيين، فقد اختزلت المرأة إلى نموذج "العبدة المطيعة" في خدمة الحاكم.

وبالمثل، فإن نظام (الزواج المؤقت)، التي وُصف بأنه "دعارة قانونية"، جعل المرأة متاحة للرجل لمدة محددة وبمقابل مالي، مما حولها إلى مجرد سلعة. وفي هذا السياق، أصبحت المرأة "شيئاً صامتاً" يُعرَّف ضمن حدود الملكية.

ولم يؤدِّ دخول الإسلام إلى إيران إلى إزالة الاستبداد الساساني القائم، بل عززه أكثر. فقد أطلق مفهوم عملية نهب القيم الاجتماعية، ووصف النساء بـ "الغنائم"


         


        

المقاومات الفلسفية والإيمانية في مواجهة الذهنية الذكورية

لقد مثلت تعاليم ماني ومزدك التي نشأت كحركات معارضة للسلطة المركزية، موقفاً ثورياً ضد النظام السائد، من خلال دفاعها عن فكرة المساواة بين المرأة والرجل ومبدأ المشاركة المجتمعية. فقد تطور تعليم ماني القائم على "النور" وفكرة الحياة الجماعية عند مزدك ليشكلا أحد أقوى الاعتراضات على العلاقات التي تُحوِّل المرأة إلى مِلك، وعلى البُنى الاجتماعية غير المتكافئة.

أما حركة الخُرمية، التي استمدت جذورها من معتقدات مزوبوتاميا القديمة وثقافة ميثرا، فقد برزت كحركة مقاومة اجتماعية تضع الحياة والحرية في مركز رؤيتها. وفي ثورة بابك الخرمي، التي أصبح فيها اللون الأحمر رمزاً للمقاومة، لم تكن النساء مجرد داعمات لوجستيات، بل شاركن مباشرة في القتال بوصفهن فاعلات أساسيات في المقاومة.

إن محاولة القوى المهيمنة إدانة هذه الحركات بوصفها "فساداً" أو "انحلالاً" تمثل دليلاً تاريخياً على أن النماذج الاجتماعية التي تدافع عن المساواة بين المرأة والرجل كانت تعد تهديداً كبيراً لبنى السلطة القائمة.

وقد شكلت القيمة الاجتماعية والروحية التي منحتها هذه الأنظمة الفكرية والإيمانية للمرأة الأساس الأخلاقي للمقاومة ضد السلطة الذكورية المركزية. إن هذا الإرث التاريخي المتغذي من اليارسانية، والتقاليد الزرادشتية، وثقافات الإلهة الأم في موزوبوتاميا القديمة، قد شرعن دور المرأة في الحياة الاجتماعية، ومهد ثقافياً لتولي النساء أدوار القيادة في فترات الأزمات والحروب.

 

الطليعات والحركات النسائية

في إيران، شكلت البنى الاجتماعية التي أوجدتها الأنظمة الإسلامية واقعاً منظماً أعاد تشكيل جسد المرأة وإرادتها تحت تأثير مختلف أشكال الهيمنة. وكانت النساء الفئة التي عانت أكثر من هذا النظام الذكوري، إذ أصبح القمع هو الحقيقة الأساسية التي تواجهها المرأة في جميع طبقات المجتمع وفي كل المجالات.

وبما أن أيديولوجيا الجناح الراديكالي للإسلام السياسي في إيران ترى النساء "مجرمات محتملات" يهددن النظام الاجتماعي، فقد طور النظام آليات ضغط مكثفة لإخضاعهن للانضباط الذكوري. ومن أجل قمع أي تعبير جنسي، أنشأ النظام قوات "ثأر الله" وهي شرطة أخلاقية سريعة التدخل.

ومع ذلك، تمتلك إيران رصيداً تاريخياً وثقافياً غنياً للغاية. وينطبق هذا الإرث التحرري والثقافة المقاومة أيضاً على حركة النساء، إذ يشكل أساساً حياً لحيوية النضال النسائي اليوم.

في إيران خلال أربعينيات القرن التاسع عشر، ازداد انتشار البابية (التي عرفت لاحقاً بالبهائية) بعد أن دافعت عن قضايا العدالة الاجتماعية والحرية وحقوق الفرد، وإصلاح الضرائب الجائرة، والاعتراف بمكانة المرأة، وإلغاء تعدد الزوجات، وتجريم العنف ضد النساء، إضافة إلى إصلاحات تعليمية.

عندما تطورت "حركة الباب الإصلاحية" في شيراز عام 1844، أعلن مؤسسها نفسه "الباب". وقد أولت الحركة أهمية خاصة لتحرير المرأة. لكن نظام ذلك العصر اعتبر الحركة تهديداً مباشراً، فبدأ بتنظيم ردود فعل وقمع منظم ضد أتباعها.

وفي عام 1850، أُعدم الباب مع 28 من أتباعه، بينهم قُرة العين، أول ناشطة نسوية في تاريخ إيران والتي لعبت دوراً بارزاً في الدفاع عن حقوق النساء.

ورغم إعدام قادتها، استمرت الحركة البابية في التأثير داخل إيران، وظل المعارضون من الأقليات والمثقفون والنساء يدعمون أفكارها.

وفي العصر الحديث، ما زال البهائيون يتعرضون للقمع في إيران؛ ففي ثمانينيات القرن العشرين قُتل أو أُعدم نحو 200 بهائي، وفي عام 2005 اعتُقل 65 بهائياً.

 

النساء الرائدات

قرة العين (1814–1852)

تعد فاطمة البرغاني، أول امرأة ناشطة معروفة في إيران، وقد ولدت عام 1814 في قزوين كابنةٍ لزعيم ديني. عُرفت باسم قرة العين، وباسمها الحقيقي فاطمة البرغاني، وبلقبها "الطاهرة" وكانت شاعرة بارزة، وعضواً قيادياً في حركة الباب خلال القرن التاسع عشر.

كانت نموذجاً للمرأة الإيرانية المتعلمة، إذ درست العلوم الدينية بالعربية والفارسية. وفي سن الرابعة عشرة تزوجت من ابن عمها، وهو أيضاً رجل دين. وفي عام 1828 سافرت مع شقيقتها إلى العراق، حيث واصلت دراساتها الدينية في النجف وكربلاء.

منحت نفسها اسم قرة العين ومن ثم انضمت إلى الحركة البابية لتصبح من أبرز قادتها، كما شاركت في القتال إلى جانب البابيين، وفي تلك الفترة قُتلت العديد من النساء اللواتي شاركن في النشاط السياسي متنكرات بزي الرجال خلال هجمات الدولة على المدنيين.

طالبت قرة العين بمنح النساء حقوقاً متساوية وبحظر تعدد الزوجات، واتهمت من قبل المجتمع بمعاداة الدين، وفي عام 1850 أُعدمت خلال مجزرة البابيين.

 

صديقة دولت‌ آبادي


         


        

وُلدت صديقة دولت ‌آبادي عام 1882 في أصفهان. ونظراً لأنها زُوجت في سن صغيرة، أولت اهتماماً خاصاً بالمنظمات التي تعنى بالفتيات. ففي عام 1917 أسست أول مدرسة للبنات في أصفهان، ثم افتتحت عام 1918 مدرسة أم المدارس للفتيات الفقيرات. وفي العام نفسه أسست جمعية نساء أصفهان، وفي عام 1919 أصدرت أول صحيفة نسائية في أصفهان بعنوان "صوت المرأة" (زبان زنان).

بسبب اعتراض رجال الدين وانتقادها لمعاهدة "وُثوق الدولة"، تعرضت لضغوط أجبرتها على إغلاق الصحيفة، فانتقلت إلى طهران حيث أعادت نشر "صوت المرأة" شهرياً. وفي عام 1921 أسست في طهران جمعية "قيم المرأة".

سافرت إلى باريس عام 1923 ودرست إدارة الأعمال في جامعة السوربون. وفي عام 1926 مثّلت المرأة الإيرانية في المؤتمر الدولي للتضامن من أجل حق المرأة في التصويت. وبعد عودتها إلى إيران عام 1927، خلعت الحجاب وأعلنت عام 1935 معارضتها للباس الإجباري.

عملت مفتشة لتعليم النساء في وزارة المعارف، ثم مفتشة لمدارس البنات، وبعد ذلك عُينت عام 1936 في جمعية النساء. وفي عام 1947 مثلت المرأة الإيرانية في مؤتمر المرأة الدولي للسلام والحرية وقدمت خطاباً بعنوان "المرأة الإيرانية".

أعادت صديقة دولت ‌آبادي في تشرين الثاني/نوفمبر 1942 إصدار "صوت المرأة" في شكل مجلة من 48 صفحة. وتوفيت عام 1962 عن عمر ناهز 80 عاماً. وفي آب/أغسطس 1980 تعرض قبرها وقبر والدها وشقيقها للتخريب على يد متطرفين إسلاميين.

أما أرشيفها الشخصي ووثائقها، إضافة إلى أرشيف صحيفة ومجلة "صوت المرأة" التي تعد مصدراً أساسياً لدراسة حركة النساء في النصف الأول من القرن العشرين، فقد سلمته عائلتها إلى معهد التاريخ الاجتماعي الدولي في قسم الشرق الأوسط وآسيا الوسطى.

 

من قلعة دمدم إلى خاتون زيدان

في شرق كردستان، وتحديداً في منطقة برادوست غرب بحيرة أورمية، شكلت مقاومة قلعة دمدم بقيادة خاني لب زيرين خلال عامي 1609 ـ 1610 انتفاضة أسطورية ضد الإمبراطورية الصفوية. وتعد هذه المقاومة أحد أقوى الرموز في الذاكرة الجماعية الكردية لوعيهم في الدفاع الذاتي لمواجهة سلطة الدولة المركزية. لم تكن مقاومة القلعة مجرد صراع عسكري، بل كانت أيضاً تعبيراً تاريخياً عن التضامن الاجتماعي وثقافة المقاومة الجماعية. وفي هذا السياق، تحولت الأدوار الجندرية، وأصبحت النساء فاعلات مباشرات في المقاومة.

وتبرز خاتون زيدان كأحد أهم رموز النساء الكرديات الشجاعات اللواتي دافعن عن القلعة المحاصرة. كانت زوجة أحد أمراء أردلان، وبعد وفاة زوجها تولت القيادة ونظمت قوات شعبية من النساء والرجال لمواجهة الجيش الصفوي.

لم تقتصر استراتيجية خاتون زيدان على ساحة القتال، بل شملت أيضاً الدفاع عن النفس. فقد جعلت النساء اللواتي لا يستطعن المشاركة المباشرة يرتدين ملابس الرجال لإظهار الجيش أكثر عدداً، كما هدفت إلى منع استهداف النساء على أساس "الشرف" في حال وقوع الأسر. وهكذا أصبحت النساء ليس فقط داعمات للمقاومة، بل ركائز أساسية في بناء الدفاع وتنظيمه.

 

شهناز خاتون

تُعد شهناز خاتون إحدى الشخصيات النسائية التي تَرِد أسماؤهن في الروايات التاريخية الكردية ضمن سياق المقاومات التي نشأت ضد الصفويين. ويُشار إليها بوصفها زوجة القائد المحلي هلو خلال الصراعات التي شهدتها منطقة أردلان.

لم يقتصر دور شهناز خاتون على الدعم، بل تولت دوراً تنظيمياً ومقاوماً مباشراً. فقد أسست وحدة مسلحة تضم نحو خمسة عشر امرأة، وشاركت بفاعلية في الدفاع ضد القوات الصفوية، لتصبح إحدى الرموز النسائية البارزة في تاريخ المقاومة الكردية.

 

فترة البهلوي ومقاومة قدم خير

خلال عهد رضا شاه، فُرضت سياسات مركزية هدفت إلى تفكيك البُنى الاجتماعية المحلية وفرض هوية موحدة تُهمّش الوجود الكردي. وتُعد مقاومة قدم خير في جبال لرستان إحدى أبرز الانتفاضات الاجتماعية التي ظهرت في مواجهة هذه السياسات المركزية.

بعد مقتل شقيقها مراد خان، تولت قدم خير القيادة، وحولت التضاريس الجبلية إلى مجال دفاعي استراتيجي، واستطاعت مقاومة جيش البهلويين لفترة طويلة. لم ترَ قدم خير سياسات رضا شاه مثل "كشف الحجاب" كخطوات لتحرير المرأة، بل اعتبرتها أدوات لتعزيز سيطرة السلطة المركزية على جسد المرأة وهويتها. ولهذا رفضت عروض رضا شاه بالزواج والعفو قائلة "شعبي لن يكون ملكك".

وبعد فشل الأساليب العسكرية، لجأ رضا شاه إلى وعود السلام لخداعها ودفعها إلى الاستسلام، لكنه نكث بوعده لاحقاً، وتعرضت لتعذيب شديد. فقد رُبطت من شعرها بحصان وسُحلت حتى تكسرت عظامها، ثم سجنت ثلاث سنوات قبل أن تُعدم.

شكلت هذه الوحشية إحدى أعمق الندوب في الذاكرة الكردية، ودليلاً على الثمن الباهظ الذي دفعته المرأة القائدة في مواجهة الدولة المركزية.

 

مرزية أحمدي أوسكوئي


         


        

 

تُعدّ مرزية أحمدي أوسكوئي إحدى الرائدات في النضال الثوري ضد نظام الشاه، وقد كانت معلمة وشاعرة ومناضلة لعبت دوراً بارزاً داخل الحركات الثورية في إيران خلال أواخر الستينيات وبداية السبعينيات. عُرفت في إيران، وخاصة في شرق كردستان، كإحدى الشخصيات النسائية التي انخرطت في الكفاح المسلح والسياسي ضد النظام البهلوي القمعي.

كانت مرزية أوسكوئي من الكوادر النسائية في حركة "فدائيي خلق"، ولم يقتصر تأثيرها على المجال السياسي فحسب، بل برزت أيضاً في المجال الفكري والثقافي من خلال دورها كمعلمة وشاعرة معروفة بين الناس. وقد أصبحت رمزاً لمرحلة جديدة باتت فيها النساء فاعلات مباشرات في النضال الثوري.

في سبعينيات القرن الماضي، تعرضت مع مجموعتها لحصار خلال اشتباك مع قوات النظام. وكما كان الحال في العديد من التنظيمات السرية آنذاك، كان المناضلون يحملون معهم السيانيد لتجنب الوقوع في الأسر وما يرافقه من تعذيب قاسٍ قد يؤدي إلى انتزاع المعلومات. ووفقاً لهذا المبدأ، تناولت مرضية أحمدي أوسكوئي السيانيد وأنهت حياتها بينما كانت مصابة بجروح خطيرة، رافضة الاستسلام.

وبعد وفاتها، قامت قوات النظام بربط جثمانها خلف مركبة وسحبه في الشوارع بهدف بث الرعب بين الناس وقمع روح المقاومة. وقد بقي هذا الحدث واحداً من أكثر الأمثلة الرمزية حضوراً في ذاكرة الحركات الثورية الإيرانية، ودليلاً على العنف الممنهج والعداء الخاص الذي واجهته المناضلات.

 

جمهورية مهاباد ومينا قاضي

 


         


        

لعبت النساء دوراً طليعياً مهماً في الحركات الاجتماعية التي نشأت رفضاً لسياسات نظام بهلوي الهادفة إلى إنكار الهوية الكردية. وتعد جمهورية مهاباد الكردية التي تأسست عام 1946 نقطة تحول تاريخية، إذ تجاوزت فيها مكانة المرأة حدود البُنى العشائرية التقليدية واتجهت نحو أشكال سياسية ديمقراطية كومينالية.

برزت مينا قاضي كإحدى أبرز الشخصيات التنظيمية والدبلوماسية في تلك المرحلة. فهي من مؤسسات اتحاد نساء كردستان، ولم يقتصر نشاطها على المستوى المحلي، بل سعت إلى بناء شبكة تضامن نسائية إقليمية من خلال التواصل مع رائدات أخريات مثل حبسة خان نقيب وكُلزار خانم شيكاك ويُظهر ذلك أن تجربة مهاباد لم تكن مجرد إعلان محلي للذات، بل جزءاً من يقظة اجتماعية عابرة للحدود.

أسهم إصدار مجلة " Hélale"، وجهود التعليم باللغة الأم، والحملات المناهضة للزواج القسري في تعزيز الدور الاجتماعي والسياسي للمرأة. وقد دفعت العديد من النساء ثمناً باهظاً خلال هذا النضال؛ فشخصيات مثل كجين نغدە التي فقدت بصرها تحت التعذيب، ما زالت حاضرة بقوة في الذاكرة الجماعية للمقاومة.

أما مينا قاضي نفسها، فقد عانت من مآسٍ كبيرة بعد إعدام زوجها ووفاة أطفالها، لكنها رغم ذلك لم تتخلَّ عن إرادتها السياسية، وظلت متمسكة بموقفها حتى في ظروف السجن والنفي.

 

رمز المقاومة الفكرية والثقافية... مستورة أردلان


         


        

 

استمر الصراع الجندري بأشد صوره حتى في المجال الجمالي. ففي الأدب الفارسي الكلاسيكي، جرى تسويق الرموز الذكورية بوصفها "حكمة". ففي كتاب "سير الملوك" الذي كتبه نظام الملك، يُعرَّف وجود المرأة في المجال العام بأنه "فساد للدولة"، بينما تعد أوامر سعدي مثل "لا ينبغي للمرأة أن تذهب إلى السوق ولا أن يُسمع صوتها" مثالاً واضحاً على تحول الأدب إلى أداة قمع.

ومع ذلك، استطاع صوت المرأة أن يخترق جدار الصمت. فمستورة أردلان إحدى أوائل النساء في العالم اللواتي كتبن التاريخ، إلى جانب العارفة اليارسانية خاتون رمزبار والطبيبة ريحانة اللورستاني، حافظن على "القوة الواعية" للمرأة عبر الفن والعلم.

أما الشاعرتان فروغ فرخزاد وبروين اعتصامي، اللتان تُعرفان بـ "المتمردات الحداثيات"، فقد شكلت قصائدهما صرخة في وجه صمتٍ دام ألف عام. وقد لعبت الريادة النسائية الكردية دوراً تأسيسياً في حماية الذاكرة الجمعية واللغة والهوية التاريخية.

تعد مستورة أردلان من أوائل المؤرخات في الشرق الأوسط. وبفضل إتقانها لغات الكوراني والسوراني والفارسية والعربية، لم تكتب في تاريخ مستورة أردلان مجرد سرد تاريخي، بل كشفت أيضاً عن الدور التأسيسي للمرأة في كتابة التاريخ. وجودها يبرهن أن التاريخ ليس تسلسلاً ذكورياً محضاً، بل إن النساء أيضاً صانعات للذاكرة الجمعية وحاملات لها ومفسّرات لمعانيها.

 

فرخرو بارسا


         


        

 

تعد فرخرو بارسا من أبرز الشخصيات في حركة النساء في إيران، وهي أول امرأة تتولى منصب وزيرة وأول من بين النساء اللواتي دخلن البرلمان في عهد محمد رضا شاه. دافعت عن حقوق المرأة، ودخلت البرلمان عام 1963 حيث عملت على تعزيز المكانة القانونية والاجتماعية للنساء، ودعت إلى إصلاحات في قانون الأسرة، وحق المرأة في التعليم، ومشاركتها في الحياة العامة، كما طالبت بإدراج التربية الجنسية في المناهج الثانوية.

في 27 آب/أغسطس 1968 أصبحت أول وزيرة للتعليم في إيران، وقادت تحولات مهمة في مجال التعليم. وخلال فترة عملها كمعلمة أحياء، كانت معروفة بتقديم دروس تطوعية للسجينات خارج أوقات الدوام. وبفضل سياساتها التعليمية، تمكنت ملايين النساء من الوصول إلى فرص تعليمية أوسع، بما في ذلك الجامعات، وازدادت مشاركة النساء في المجال العام.

بعد ثورة 1979، حوكمت فرخرو بارسا من قبل النظام الجديد للجمهورية الإسلامية، واتهمت بجرائم مثل "معاداة الله" و"إفساد القيم الاجتماعية"، وصدر بحقها حكم الإعدام. وكانت من أوائل الشخصيات السياسية النسائية التي أُعدمت بعد الثورة، وظلت خلال محاكمتها متمسكة بموقفها في الدفاع عن حرية المرأة.

وقد أصبحت عبارتها الشهيرة "أنا طبيبة؛ لا أخاف الموت. الموت لحظة. أفضل الموت على قبول الحجاب الإجباري"، رمزاً في ذاكرة الحركة النسائية الإيرانية.

أُعدمت فرخرو بارسا في 8 أيار/مايو 1980، وبقيت حياتها ووفاتها رمزاً تاريخياً لنضال النساء في إيران من أجل التعليم والحرية والمساواة.

 

هوما دارابي


         


        

 

كانت هوما دارابي طبيبة وأكاديمية إيرانية أنهت دراستها في الولايات المتحدة قبل أن تعود إلى بلادها بعد الثورة. وقد اتخذت موقفاً معارضاً واضحاً تجاه السياسات القمعية التي فُرضت على النساء في ظل الجمهورية الإسلامية، وخاصة فرض الحجاب الإجباري وتشديد الرقابة على حضور المرأة في الحياة العامة.

خلال عملها الطبي، استقبلت هوما دارابي عدداً كبيراً من النساء اللواتي تعرضن للعنف والاعتداء الجنسي، ما لفت انتباهها إلى حجم الانتهاكات التي كانت تمارس بحق النساء. ووفق روايات محلية وتقارير حقوقية، تعرضت بعض النساء لسوء معاملة قاسٍ وعنف جنسي خلال الاحتجاز، وهو ما جعل هوما دارابي أكثر صراحة في انتقاد النظام.

في عام 1994، نفذت هوما دارابي واحدة من أكثر الاحتجاجات صدمة في تاريخ الحركة النسائية الإيرانية، إذ أضرمت النار بنفسها في ساحة عامة بطهران احتجاجاً على القمع، والحجاب الإجباري، والعنف الممنهج ضد النساء.

وقد بقيت هذه الحادثة رمزاً مؤلماً في الذاكرة الجماعية، ودليلاً على مدى الضغط الذي تعرضت له النساء في إيران، وعلى استعداد بعضهن لدفع أثمان قصوى في مواجهة سياسات الدولة تجاه أجسادهن وهوياتهن.

غداً: ولادة الحركات النسائية الحديثة في إيران وشرق كردستان