إحياء الكردية في روج آفا... من لغة مُهمَّشة إلى منظومة تعليمية متكاملة (1)

منذ عام 2013، شهدت روج آفا نهضة لغوية غير مسبوقة، إذ انتقلت اللغة الكردية من دائرة المنع إلى قلب العملية التعليمية، وصولاً إلى افتتاح جامعات تعتمدها لغةً للتدريس. إنها رحلة استعادة لغة وهوية، صنعتها إرادة مجتمع رفض أن تُمحى ذاكرته.

سارة عكيد

مركز الأخبار ـ تُعد اللغة الكردية إحدى اللغات الأصيلة ذات الجذور العريقة، وتنتمي إلى اللغات الآرية في منطقة بلاد ما بين النهرين (ميزوبوتاميا)، وهي اللغة الأم للشعب الكردي الذي ينتشر في مختلف أنحاء كردستان، المقسمة بين العراق وسوريا وتركيا وإيران.

وتُكتب إحدى أشهر لهجاتها، الكرمانجية، بأبجدية لاتينية تتكون من 31 حرفاً. وعلى الرغم من التحديات السياسية والثقافية التي واجهتها عبر التاريخ، حافظت اللغة الكردية على مكانتها بوصفها ركناً أساسياً من الهوية والتراث الكرديين.

 

اللغة الكردية عنصر يوحد الشعب الكردي

وتُشكل اللغة الكردية عاملاً مهماً في توحيد الشعب الكردي، لذلك يُعد تطويرها وتوسيع استخدامها في مجالات التعليم، والتاريخ، والعلوم، والفلسفة، والإعلام، خطوة أساسية للحفاظ عليها وضمان استمراريتها ونقلها إلى الأجيال القادمة.

ورغم هذه الأهمية، تعرضت اللغة الكردية على مدى عقود لسياسات الطمس والإقصاء، إذ سعت الأنظمة الحاكمة في الأجزاء الأربعة من كردستان إلى الحد من استخدامها وإنكار وجودها، من خلال فرض اللغات الرسمية للدول التي تسيطر على تلك المناطق بديلاً عن اللغة الكردية في التعليم والإدارة والحياة العامة. وفي مواجهة هذه السياسات، ابتكر الشعب الكردي وسائل متعددة للحفاظ على لغته وهويته الثقافية، ما أسهم في بقائها واستمرارها.

وفي مناطق روج آفا، افتتحت مؤسسة اللغة الكردية، عام 2007، لتكون أول لبنة في هذا المسار. عملت سراً، واستقطبت طلاباً رغم الملاحقة. ومع انطلاق ثورة روج آفا عام 2011، تحوّل التعليم بالكردية إلى مشروع مجتمعي واسع، إذ رأى الكرد في الثورة فرصة تاريخية لحماية هويتهم.

ومنذ عام 2013 شهد التعليم باللغة الكردية تطوراً متسارعاً، مع إدخال اللغة الكردية تدريجياً إلى المدارس وإضافة مواد دراسية جديدة بشكل مستمر. وفي عام 2015 بدأ تطبيق المناهج الدراسية باللغة الكردية رسمياً في الصفوف الأول والثاني والثالث من المرحلة الابتدائية، ثم توسع في عام 2016 ليشمل المرحلة الابتدائية كاملة، مع الإبقاء على حصتين أسبوعياً باللغة العربية وحصة واحدة باللغة الإنجليزية.

وفي عام 2017 امتد التعليم باللغة الكردية إلى المرحلة الإعدادية، ثم شمل جميع المراحل الدراسية عام 2018، وصولاً إلى افتتاح جامعات تعتمد اللغة الكردية لغةً للتدريس. كما أُدرجت للمرة الأولى مادتا الثقافة والأخلاق وعلم المرأة (الجنولوجيا) ضمن المناهج الدراسية الرسمية في مدارس روج آفا، في خطوة عكست توجهاً نحو تطوير منظومة تعليمية تستند إلى اللغة والهوية والثقافة المحلية.


         


        

من المنع إلى صناعة هوية تعليمية كاملة

على مدى عقود، خضعت اللغة الكردية في سوريا لسياسات ممنهجة هدفت إلى إقصائها من المجال العام. فالنظام البعثي لم يكتفِ بحظر استخدامها في المؤسسات الرسمية، بل ضيّق حتى على تداولها داخل البيوت، حيث كان يُنظر إلى التحدث بالكردية كفعلٍ مريب يستوجب المراقبة. ورغم ذلك، ظلّت اللغة حيّة في الذاكرة اليومية، وفي الأغاني والتهويدات التي حفظتها الأمهات جيلاً بعد جيل.

         


        

تقول همرين حسين عضوة معهد اللغة الكردية، إن التعليم بدأ داخل المنازل قبل تأسيس المعهد، حين فتح الأهالي بيوتهم لتعليم أبنائهم لغتهم الأم. لافتةً إلى أنه عندما انسحب النظام من المدارس، لم يسمح المجتمع الكردي بانقطاع التعليم. فُتحت الصفوف الأولى، ثم توسعت التجربة لتشمل الإعدادية والثانوية. كما أُدرجت مواد جديدة مثل الثقافة والأخلاق وعلم المرأة، في خطوة هدفت إلى بناء منظومة تعليمية تستند إلى الهوية المحلية.

وتصف همرين حسين تلك المرحلة بأنها كانت ولادة تعليم جديد "المعلم كان طالباً ومعلماً في الوقت نفسه، يدرّس ويتابع دراسته في المعاهد والأكاديميات، مدفوعاً بإيمان عميق بأن اللغة ليست مادة دراسية، بل حق وجود".

وتؤكد أن الكرد لن يعودوا إلى سياسة "الدولة الواحدة واللغة الواحدة"، وأن اسم "الجمهورية العربية السورية" لا يعكس التعدد القومي في البلاد، ولا يعبّر عن وجود الشعب الكردي ولغته، التي يجب أن تُعترف دستورياً "كل كردي يحمل ألم الحرمان من لغته. لذلك لم يكن هدفنا توفير فرص عمل، بل حماية وجودنا".

وتشدد على أن ثورة روج آفا انطلقت أيضاً لحماية اللغة الكردية، وأن "كل حرف فيها يمثل تضحيات الشهداء". وترى أن النقاش اليوم لم يعد حول "حق التعليم بالكردية"، بل حول "تثبيت هذا الحق دستورياً"، لأن المناهج والمعلمين والأجيال التي تربّت على هذه اللغة أصبحت واقعاً لا يمكن التراجع عنه.

 
         


        

عفرين... انطلاقة التعليم الكردي

بين عامي 2012 و2018 شهدت مقاطعة عفرين (سابقاً) تطوراً كبيراً في قطاع التعليم، إذ بلغ عدد الطلبة قبل الاحتلال التركي للمنطقة نحو 50 ألف طالب في مختلف المراحل الدراسية.

وفي السادس من أيلول/سبتمبر 2011 افتُتحت أول مدرسة تُدرّس باللغة الكردية في قرية "دوراقليا" التابعة لناحية شرّا، بالتزامن مع جهود لتأسيس مؤسسة تُعنى باللغة الكردية، ومنذ ذلك الحين أصبحت اللغة الكردية تُدرّس في مدارس عفرين بمعدل ثلاث إلى أربع حصص أسبوعياً.

 

المدارس والأكاديميات ومعهد اللغة الكردية

كان افتتاح "مدرسة الشهيد فوزي الابتدائية" في ناحية شرّا من أوائل الخطوات العملية، تلاه تأسيس "معهد اللغة الكردية"، غير أن إقناع المجتمع بقبول المناهج الكردية لم يكن أمراً سهلاً، لأن المدارس كانت تعتمد حتى عام 2012 مناهج النظام السوري.

وفي عام 2013 افتُتحت "أكاديمية الشهيد فرزاد كمانكر" لإعداد الكوادر التعليمية، وخضع المعلمون في بدايتها لدورات تدريبية استمرت شهرين، حيث شارك في كل دورة نحو ثلاثين معلماً ومعلمة تلقوا دروساً في قواعد اللغة الكردية وآدابها، وتخرج من الأكاديمية 650 معلماً ومعلمة، قبل افتتاح "أكاديمية الشهيدة آرين ميركان" التي واصلت المهمة نفسها في إعداد المعلمين.

كما افتُتحت في "أكاديمية الشهيدة زوزان" معاهد متخصصة في الزراعة، وتكنولوجيا المعلومات، وعلوم الحاسوب، والميكانيك، والآداب، وشارك فيها نحو 400 معلم ومعلمة من اختصاصات متعددة، شملت شؤون المرأة، والفلسفة، والفيزياء، والكيمياء، والتاريخ، والجغرافيا، والاقتصاد، وخضع هؤلاء لدورات تأهيلية مكّنتهم من تدريس طلاب المرحلتين الإعدادية والثانوية.
        

معهد فيان آمارا

وفي عفرين تأسس "معهد الشهيدة فيان أمارا"، المعروف أيضاً باسم "معهد فيان للغة والأدب الكرديين"، بهدف إعداد معلمين متخصصين في مختلف الاختصاصات، ويُعد هذا المعهد أول مؤسسة أكاديمية متخصصة في اللغة والأدب الكرديين في المنطقة.

ولم يقتصر التعليم باللغة الكردية على عفرين، بل امتد أيضاً إلى الشهباء وحلب (حيي الشيخ مقصود والأشرفية) وسري كانيه/رأس العين، حيث افتُتحت مدارس تعتمد اللغة الكردية.

ومع انتقال المعهد لاحقاً إلى منطقة الشهباء لمواصلة تقديم خدماته التعليمية، توسعت برامجه لتشمل عدداً من التخصصات العلمية والأدبية، من أبرزها الرياضيات، والعلوم، والفيزياء، إلى جانب اللغة والأدب الكرديين، ليواصل دوره في إعداد الكوادر التعليمية وخدمة المجتمع.


         


        

سري كانيه... نظام تعليمي متعدد اللغات

اعتمدت الإدارة في سري كانيه/رأس العين نظاماً تعليمياً متعدد اللغات، حيث كانت الدراسة تُقدَّم باللغات الكردية والعربية والسريانية، كما وُضعت مناهج دراسية جديدة استندت إلى فلسفة "الأمة الديمقراطية" وإلى تاريخ المنطقة، وضمت المدينة 117 مدرسة ابتدائية، و32 مدرسة إعدادية، وأربع مدارس ثانوية، وكان عدد من هذه المدارس يعتمد التدريس بلغتين.

وبالتوازي مع ذلك، افتُتحت عدد من الأكاديميات التي تولت إعداد المعلمين فكرياً وتربوياً، إلى جانب أكاديميات متخصصة في مختلف الاختصاصات، ونظمت هذه المؤسسات دورات تدريبية مفتوحة وأخرى مغلقة، تخرج فيها مئات المعلمين الذين التحقوا لاحقاً بسلك التعليم.

ورغم الهجوم الذي شنته الدولة التركية على منطقة عفرين واحتلالها، واضطرار السكان إلى النزوح نحو منطقة الشهباء، إلا أنهم لم يتخلوا عن التعليم بلغتهم الأم، فتحولت مخيمات النزوح إلى صفوف دراسية، وواصل الأطفال تعليمهم باللغة الكردية.

وتكرر المشهد نفسه مع أهالي سري كانيه/رأس العين عقب الهجوم التركي عام 2019، إذ حرص الأهالي رغم ظروف النزوح القاسية، على عدم انقطاع أطفالهم عن الدراسة، فاستمر التعليم داخل مخيمات اللاجئين.

 

التعليم باللغة الأم جعل التعلم والحياة أكثر سهولة

         


        

من كوباني تقول عزيزة إسماعيل إحدى أقدم المعلمات في قطاع التعليم، إن كل كردي حاول تعلم لغته الأم في ظل حكم البعث تعرض للملاحقة والاعتقال "الطفل الذي ينشأ متحدثاً بلغته الأم يواجه صعوبات كبيرة عندما يُجبر على الدراسة بلغة أجنبية منذ سنواته الأولى".

 

أول مدرسة كردية في كوباني

وذكرت عزيزة إسماعيل بأول مدرسة كردية في كوباني "كان ذلك عام 2015، وحملت اسم مدرسة الشهيد عثمان، تخليداً لأحد مقاتلي المدينة الذين شاركوا في الدفاع عنها، وتضم كوباني اليوم (106 مدارس)، يدرس فيها نحو (27 ألفاً و700 طالب)، ويعمل فيها قرابة (1150 معلماً)، ويبقى المطلب الأساسي للأهالي والطلاب هو تلقي التعليم بلغتهم الأم، لأن وجود الإنسان مرتبط بلغته، وعندما تُحظر اللغة يصبح وجود أصحابها مهدداً".

 

"نظامنا التعليمي قائم على الفهم لا الحفظ"

وأوضحت أن التعليم في عهد النظام السوري كان قائماً على رؤية السلطة وحدها "المناهج السورية تخلو تماماً من أي حديث عن تاريخ الشعب الكردي، وكان ذلك صادماً بالنسبة لنا لأننا لم نكن نعرف تاريخنا الحقيقي، أما اليوم، فتتضمن مناهجنا مادة علم المرأة (جنولوجيا)، التي تتناول قضايا المرأة وحريتها ودورها في المجتمع، كما تهدف المناهج الكردية إلى إعداد طالب يمتلك المعرفة من مختلف الجوانب، بخلاف مناهج النظام التي تعتمد على التلقين والجمود، ويعتمد نظامنا التعليمي على الفهم والتقييم، بحيث لا ينتقل الطالب إلى المرحلة التالية إلا بعد استيعاب المواد الدراسية وفهمها بشكل كامل".

يتبع...