يوم تضامني مع الصحافة "المعتقلة" في تونس
لم يكن اليوم التضامني مجرد يوم تجتمع فيه المناضلات، بل كان صرخة حقيقية من أجل حرية التعبير والصحافة ومساندة لقطاع مهدد نتيجة الضغوطات المسلطة على أبنائه.
تونس ـ يضع واقع حرية الصحافة في تونس اليوم الجسم الإعلامي أمام تحدٍ مصيري، حيث لم يعد الصراع متمحور حول جودة المنتج الإعلامي، بل حول الحفاظ على أصل وجود صحافة حرة، مستقلة، وقادرة على ممارسة دورها دون خوف من الملاحقة أو السجن.
بعد أن كانت تونس رائدة في حرية الصحافة ونموذج للتعددية الصحفية في المنطقة تحولت إلى بيئة طاردة للعمل المستقل ومقيدة لأصحاب الرأي.
ويتجلى هذا التراجع في توظيف ترسانة قانونية زجرية، على رأسها "المرسوم عدد 54"، الذي استُخدم كأداة لتجريم النقد وتكييف التصريحات الإعلامية والمقالات الصحفية كجرائم تستوجب العقاب، مما أدى إلى تصنيف تونس في مراتب متأخرة دولياً في مؤشرات حرية الصحافة.
ورفضاً لهذا الواقع وتنديداً باعتقال الصحافيين، نظمت الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات، أمس السبت 13 حزيران/يونيو، يوماً مفتوحاً للتضامن والمساندة مع عائلة الصحفي المعتقل والمضرب عن الطعام، مراد الزغيدي وشقيقته مريم الزغيدي وابنته إيناس الزغيدي، اللتين كن تخضن اضراباً عن الطعام منذ أسبوع وتم حله مساء السبت بطلب من المجتمع المدني.
"نتضامن من أجل الحرية"
قالت رئيسة الجمعية التونسية للنساء الديمقراطيات رجاء الدهماني لوكالتنا، إن هذا اليوم المفتوح يأتي كأقل واجب حقوقي ونسوي يمكن تقديمه لمساندة عائلات المعتقلين الذين يخوضون معركة "الأمعاء الخاوية" دفاعاً عن الحق في الحياة والحق في التعبير.
وأضافت "إن مراد الزغيدي صحفي يدفع اليوم ثمناً باهظاً في السجون التونسية بسبب خروقات إجرائية كان يمكن التعامل معها بشكل آخر دون اللجوء إلى عقوبة السجن. لقد قضى عقوبة مدتها سنة، وتمت إضافة ثلاث سنوات ونصف أخرى، وهو حكم نعتبره قاسياً جداً ولا يتناسب مع طبيعة القضية".
وعبرت الجمعية عن قلقها البالغ إزاء الحالة الصحية والنفسية للمضربين عن الطعام، مشيرة إلى أن الإضراب المستمر لأكثر من أسبوع يشكل خطراً حقيقياً على سلامة أجسادهم وحياتهم.
وتوجهت رئيسة الجمعية بنداء إلى مراد الزغيدي ومريم وإيناس بضرورة إيقاف إضراب الطعام، مؤكدة "نحن بحاجة إليكم كمناضلين ومناضلات في المجتمع التونسي، وستنتهي هذه التجربة القاسية يوماً ما".
صرخة مقاومة من رحم اليأس
من جانبها كشفت إيناس الزغيدي، ابنة الصحفي المعتقل مراد الزغيدي، عن تفاصيل معركة "الأمعاء الخاوية" التي تخوضها العائلة احتجاجاً على الأحكام القضائية الصادرة بحق والدها، معلنةً عن تصعيد وتيرة المساندة العائلية لمواجهة ما وصفته بـ "الظلم المسلط على حرية التعبير".
وأكدت أن والدها يخوض إضراباً مفتوحاً عن الطعام منذ يوم الخميس 4 حزيران/يونيو، حيث دخل اليوم يومه العاشر على التوالي في مواجهة جسدية مباشرة مع السجن، معلنة عن انضمامها برفقة عمتها مريم الزغيدي إلى هذا الإضراب كخطوة تضامنية وإسنادية.
وصفت هذه الخطوة بأنها "صرخة يأس وفي الآن ذاته صرخة مقاومة، نحن وعائلته لن نسلم ولن نرضخ، ووجودنا في هذه المعركة هو لتأكيد صمودنا الشديد وثباتنا".
صدمة الأحكام والاستهداف الممنهج
وعن خلفيات هذا القرار، أوضحت إيناس الزغيدي أن الإضراب جاء رداً مباشراً على الحكم الاستئنافي الصادر يوم 11 أيار/مايو، والذي تزامن بدقة مريرة مع استكمال والدها لعامين كاملين وراء القضبان.
ومع إضافة حكم جديد يقضي بسجنه لثلاث سنوات ونصف إضافية، يرتفع إجمالي العقوبة الموجهة ضده إلى 4 سنوات وشهرين، وهو ما اعتبرته حكماً قاسياً وجائراً لا يمكن قبوله أو استيعابه.
وأضافت "لم نكن نتخيل يوماً أن أقف لأقول إن أبي قضى عامين في السجن وما زالت تنتظره أعوام أخرى. إنه يدفع ثمن مواقفه، وهو يعتبر نفسه، ونحن كذلك، سجين الحريات الصحفية".
معركة شاملة لحرية الصحافة التونسية
ولم تعزل إيناس الزغيدي قضية والدها عن المشهد العام في البلاد، بل وضعتها في سياق تراجع الحريات وتوجيه ضربات قاسية لقطاع الإعلام في تونس. واستشهدت في حديثها بقضايا زملاء والدها من الصحفيين المعتقلين والملاحقين.
واختتمت حديثها بعهد قاطع أكدت فيه أن العائلة لن تتراجع "نحن لن ندع هذا يمر، ولن نتركهم يستفردون بـ والدي. سندافع عن حقوقنا، وعن حرية الصحافة في تونس. رسالتنا اليوم واضحة: لن نستسلم، ولن نسمح بأن يُنسى الصحفيون المظلومون القابعون خلف قضبان السجون".