وقفة في بغداد... أمهات يناشدن القضاء بحماية مصلحة الطفل وإنصاف الأسرة

للمطالبة بحماية حقوقهن وحقوق أطفالهن، خرجت النساء العراقيات في وقفة احتجاجية أمام مجلس القضاء الأعلى في بغداد، رافعات شعارات تدعو لإنصاف الأمهات ومراجعة قرارات الحضانة، وسط الجدل حول تطبيق المدونة الجعفرية وآثارها الأسرية.

رجاء حميد رشيد

بغداد ـ أجمعت المشاركات في الوقفة الاحتجاجية أمام مجلس القضاء الأعلى في بغداد على ضرورة حماية مصلحة الطفل ووقف تغيير عقود الزواج بإرادة منفردة، مؤكدات أن تطبيق المدونة الجعفرية بأثر رجعي يفاقم معاناة الأمهات ويهدد الاستقرار الأسري.

صدحت أصوات الأمهات العراقيات الشيعيات اليوم السبت 18 تموز/يوليو، من أمام مجلس القضاء الأعلى في بغداد، بهتافات تطالب بإنصافهن "ألا من ناصر ينصر الأمهات، ويحمي الأطفال، ويصون الأسرة العراقية؟"، مطالبات أصحاب الضمائر الحية، وكل من يؤمن بالعدالة والإنصاف، بالوقوف إلى جانب هذه القضية الإنسانية.

 

مصلحة المحضون قبل كل شيء

وقالت أم عبد الله (ر. و) إن الأمهات خرجن في تظاهرة سلمية للمطالبة بتفعيل الفقرة (86) الخاصة بمصلحة المحضون، مؤكدة أن منح الحضانة للأب بعد إجراءات شكلية لا يراعي مصلحة الطفل، ولا سيما أن كثيراً من الآباء لا يستطيعون التفرغ لرعايته بسبب التزاماتهم العملية.

وأضافت أن من أبرز مطالبهن أيضاً رفض تحويل عقود الزواج إلى المدونة الجعفرية بإرادة منفردة، رغم انتهاء العلاقة الزوجية منذ سنوات، مشيرة إلى أن طليقها الذي تركها وهي حامل ولم يعرف حتى اسم ابنته، عاد بعد صدور المدونة للمطالبة بحضانة أطفاله، رغم أنها لم تتزوج حفاظاً على استقرارهم.

كما طالبت بإعادة النظر في القرار (93) الخاص بسن الحضانة، معتبرةً أنه يخلط بين القانون المدني وأحكام المدونة الشرعية، ودعت رئيس مجلس القضاء الأعلى ورئيس الوزراء إلى الاستجابة لمطالب الأمهات اللواتي يواصلن التظاهر منذ صدور المدونة.

 

"لسنا ضد المدونة"

وقالت أم متضررة وهي مهندسة وحاصلة على شهادة الماجستير تدعى (ك، ع)، إنها انفصلت عن زوجها عام 2019 بعد شهرين فقط من الزواج، بينما كانت حاملاً في شهرها السابع، مؤكدة أنه لم يسأل عن ابنته طوال السنوات الماضية ولم يطالب حتى بمشاهدتها، قبل أن ينفذ قرار المشاهدة بعد إقرار المدونة عام 2025.

وأضافت أن ابنتها، البالغة من العمر ست سنوات، لم تكن تعرف والدها وعند لقائه لأول مرة أصيبت بالخوف وقالت "هذا حرامي وليس أبي"، مشيرة إلى أنها تولت تربية ابنتها ورعايتها في منزل أهلها.

 

"أطفالي هم الضحية"

وبصوت تخنقه العبرات، روت أم محمد (ح. م) معاناتها، قائلة إنها أم لثلاثة أطفال، تخلى والدهم عنهم منذ سنوات وتزوج من أخرى، ثم قام بتحويل عقد الزواج إلى المدونة الجعفرية من دون علمها أو موافقتها، رغم أنه متزوج ولم يحرص حتى على رؤية أطفاله.

وأضافت أنها تحملت وحدها مسؤولية تربيتهم ولديها طفل مريض يحتاج إلى رعاية خاصة، متسائلة "كيف يُحوَّل عقد زواج مضى عليه 18 عاماً إلى المدونة؟"، وطالبت بأن تكون مصلحة المحضون هي الأساس في جميع القرارات، محذرةً من الآثار النفسية التي قد تصيب الأطفال إذا أُبعدوا عن أمهاتهم، مؤكدة أن أبناءها يرفضون العيش مع والدهم لأنهم لا يعرفونه.

 

مطالب الأمهات مشروعة

وقالت الناشطة في حقوق المرأة أنسام سلمان رئيسة منظمة "آيسن" لحقوق الإنسان والتنمية المستدامة، إن مشاركتها جاءت دعماً للأمهات في وقفتهن الاحتجاجية، التي تُعد العاشرة، لمناشدة رئيس مجلس القضاء الأعلى النظر في مطالبهن المشروعة بشأن تطبيق المدونة الجعفرية.

وأضافت أن الأمهات يطالبن بإعادة النظر في القرار (93)، الذي يعتبرنه مجحفاً بحقهن وحق أولادهن، فضلاً عن رفض تغيير عقود الزواج بإرادة منفردة، وعدم تطبيق المدونة الجعفرية على العقود المنتهية، معربةً عن أملها في أن يستجيب مجلس القضاء الأعلى لمطالب الأمهات، بما ينسجم مع القوانين والاتفاقيات الدولية التي صادق عليها العراق.

 

حماية حقوق المرأة والطفل

وقالت الناشطة الإعلامية لينا علي، المدافعة عن حقوق المرأة والطفل، إن الوقفة أمام مجلس القضاء الأعلى تأتي لمساندة الأمهات، مؤكدة أنها ليست الأولى ولن تكون الأخيرة للمطالبة بحقوقهن، مطالبةً بعدم تغيير عقد الزواج إلا بموافقة الطرفين، وأن يكون للطفل حق الاختيار بين والديه عند بلوغه سن السابعة، فضلاً عن عدم تطبيق قانون المدونة بأثر رجعي وإنما من تاريخ صدوره.

واعتبرت أن تطبيقه بأثر رجعي قد يؤدي إلى تفاقم المشكلات الأسرية، داعيةً إلى مراجعة القانون وتعديل التفاصيل التي ترى أنها تمس حقوق المرأة والطفل.

 

"مصلحة الطفل فوق كل اعتبار"

وقرأت إحدى الأمهات المتضررات بياناً باسم الأمهات العراقيات الشيعيات، وأكدت أن العدالة وسيادة القانون تمثلان أساس بناء الأسرة العراقية وحماية المجتمع، مشيرةً إلى أن تطبيق بعض أحكام الحضانة وفق تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم (1) لعام 2025 ترتب عليه آثار طالت عدداً من الأمهات وأطفالهن، إذ فقدت أمهات حضانة أطفالهن أو رعايتهم في ظروف يرون أنها لا تراعي مصلحة الطفل الفضلى.

وأوضح البيان أن تطبيق هذه الأحكام على الأمهات دون موافقتهن، استناداً إلى اختيار الطرف الآخر، يثير إشكالات قانونية وإنسانية، ولا سيما في الحالات التي تؤدي إلى فصل الطفل عن والدته دون تقييم فردي لظروفه الاجتماعية والنفسية.

وطالب البيان باعتماد مصلحة الطفل الفضلى معياراً أساسياً في جميع قرارات الحضانة، بما ينسجم مع الدستور العراقي والالتزامات القانونية، إعادة النظر في آلية تطبيق تعديل قانون الأحوال الشخصية رقم (1) لعام 2025، وعدم إخضاع أي أم لأحكامه إلا بناءً على اختيارها الحر والصريح.

كما طالب مجلس القضاء الأعلى بإعادة النظر في القرار (93) الصادر عن الهيئة الموسعة والعدول عنه، لما يسببه من آثار سلبية على المحضون وحرمانه من والدته لسنوات طويلة، وضمان عدم استخدام الأطفال وسيلة للضغط أو الانتقام في النزاعات الأسرية، إضافة إلى فتح حوار قانوني ومجتمعي يضم المختصين في القانون والشريعة وعلم النفس والاجتماع ومنظمات حقوق الإنسان، للوصول إلى حلول تحقق العدالة وتحفظ حقوق جميع أفراد الأسرة، وفي مقدمتهم الأطفال.

وأختتم البيان بالتأكيد على إن الأمهات العراقيات يؤكدن أن هذه المطالب لا تستهدف طرفاً بعينه، وإنما تنطلق من الحرص على حماية الأسرة العراقية، وترسيخ مبادئ العدالة والرحمة، وضمان أن تكون مصلحة الطفل هي الاعتبار الأول في كل قرار يتعلق بمستقبله.