"وادي كرسه"... حين يصبح الجبل ذاكرة الإيزيديين وملاذهم الأخير
عندما هاجم داعش شنكال لجأت العديد من الإيزيدين إلى جبل شنكال ووادي كِرسه، هذا الارتباط بين الإيزيديين والجبل ليس وليد اللحظة فلطالما شكل جزءاً من ذاكرتهم وأمانهم.
كلستان عزيز
شنكال ـ في شمال جبل شنكال، حيث تمتد السفوح الهادئة وتلتقي الطبيعة بذاكرة الألم، يقع وادي كِرسه؛ المكان الذي لم يكن مجرد جغرافيا عابرة، بل تحوّل إلى شاهد حي على تاريخ الإيزيديين.
في هذا الوادي بدأت حكايات جديدة تُكتب بعد الثالث من آب/أغسطس 2014، حين لجأت عائلات إيزيدية إلى الجبل هرباً من هجمات داعش ومن بين هؤلاء، تتحدث الأم عدول من عشيرة خالطة، القادمة من قرية رَمبوسي، عن رحلة النزوح التي انتهت بها إلى سفح الجبل، حيث تعيش منذ سنوات في وادي كِرسه، محاولةً إعادة ترتيب حياةٍ انقطعت فجأة.

تقول الأم عدول إن وجود الإيزيديين في هذا المكان لم يكن وليد اللحظة، بل امتداد لعلاقة تاريخية قديمة مع الجبال، علاقة شكلت، بحسب كبار السن، شرط البقاء والنجاة، وتضيف "إذا بقي للإيزيديين وجود، فسيبقى في جبل شنكال"، في إشارة إلى إيمان متجذر بأن الجبل ليس مجرد مأوى، بل جزء من الهوية.
قبل قرون، كان وادي كِرسه منطقة مفتوحة لعدد من العشائر مثل ملا ميخ من قبيلة كوشادي، ومع مرور الزمن تحوّل إلى فضاء واسع يضم تجمعات وقرى متعددة.

وتحمل منطقة ملك كادينكا بدورها طبقة أخرى من الذاكرة، إذ تشير الروايات المحلية إلى أنها أُنشئت خلال الحرب العالمية الأولى لإيواء الأرمن الفارين من المجازر العثمانية، بعدما فتح الإيزيديون أبوابهم لهم وشاركوهم الطعام والمأوى، غير أن هذا الموقف الإنساني انتهى لاحقاً بهجمات عام 1918 التي أعادت مشهد العنف إلى المنطقة.
تستعيد الأم عدول تلك الحكايات قائلة إن الإيزيديين، كلما واجهوا الفتاوى والتهديدات، وجدوا في الجبل حماية لا توفرها السهول، لذلك عادوا إلى سفوحه وبنوا بيوتهم قربه "كلما تعرضنا للخطر، كان الجبل هو من يحمينا".

ومع مرور السنوات، امتلأ وادي كِرسه بالمنازل من جديد، بعد أن عاد إليه سكان من رَمبوسي وتل عزير ومناطق أخرى، في حركة نزوح معاكسة أعادت تشكيل الخريطة السكانية للمكان.
وتشير الأم عدول إلى أن الإيزيديين كانوا تاريخياً مرتبطين بالجبال، قبل أن تُدفع أعداد كبيرة منهم إلى السهول، حيث عاشوا في مناطق لم تكن، بحسب وصفها، ملائمة لحياتهم لكنها ترى أن العودة إلى الجبل اليوم ليست مجرد خيار، بل استعادة لجزء من الذات.
في وادي كِرسه، تتجاور العشائر المختلفة مثل فَقير، ألدخي، كركورك، حبابي، بير، شيخ، زنديني، جيلكا، خالطة، قيراني وولاتي، حيث يعتمد السكان على ينابيع طبيعية مثل "بيرا خاي" و"دادوش" و"علي بيك"، في حياة بسيطة بين الزراعة والرعي.

تحت سماء مفتوحة وهدوء تمتزج فيه الطبيعة بالذاكرة، يعيش الرعاة أيامهم، فيما يواصل السكان التمسك بفكرة أن الجبل هو الضمانة الأخيرة للاستمرار في عالم يزداد اضطراباً.
وتختم الأم عدول حديثها بنبرة تحمل مزيجاً من القلق واليقين "الأماكن الأخرى ليست لنا. أطفالنا الذين يكبرون بعيداً لا يعرفون من نحن. ثقافتنا وإيماننا وحياتنا كلها هنا، في هذا الجبل".