تقرير يكشف الانتهاكات بحق النساء العاملات في الزراعة الموسمية
كشفت حركة المرأة الحرة (TJA) في تقريراً جديد لها عن حجم الانتهاكات التي تتعرض لها النساء العاملات في الزراعة الموسمية، مسلطاً الضوء على ظروف العمل القاسية، وغياب الحماية، وتفاقم الفقر والعنف والتمييز.
مركز الأخبار ـ تواجه النساء العاملات في القطاع الزراعي في العديد من المناطق ظروفاً قاسية تتراوح بين الاستغلال الاقتصادي وغياب الحماية الاجتماعية، وصولاً إلى المخاطر الصحية والعنف القائم على النوع الاجتماعي، وتؤكد التقارير أن الانتهاكات ليست حالات فردية، بل جزء من منظومة أوسع من عدم المساواة والتمييز.
أصدرت حركة المرأة الحرةTJA تقريراً بعنوان "العمل غير المرئي والمخاطر التي تهدد حياة النساء في العمل الزراعي الموسمي"، تناولت فيه الانتهاكات التي تتعرض لها العاملات في هذا القطاع، مسلّطاً الضوء على الظروف القاسية التي تواجهها النساء.
وأكدت الحركة أن مساهمتهن الأساسية في العمل الزراعي ما تزال غير مرئية وغير معترف بها بالشكل الكافي، مشيراً إلى حجم المخاطر التي تهدد حياة العاملات الزراعيات خلال مواسم العمل، وإلى ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لحمايتهن وضمان حقوقهن.
وغطا التقرير مركز مدينة رها وأحيائها وكشف عن الجوانب المتعددة من الفقر وانعدام الأمن والعنف والتمييز وعدم المساواة التي تواجهها النساء، مؤكداً أن العمل الزراعي الموسمي ليس مجرد نشاط اقتصادي، بل هو أيضاً ساحة لإعادة إنتاج أوجه عدم المساواة بين الجنسين، مشيراً إلى أن النساء يعملن باستمرار في كل من الإنتاج الزراعي والعمل المنزلي، مما يعرضهن للاستغلال بأشكال متعددة.
وكشف التقرير أن غالبية النساء اللواتي شملتهن المقابلات تتراوح أعمارهن بين 25 و55 عاماً، وأن الانخراط في العمل الزراعي الموسمي يبدأ غالباً في سن مبكرة، مشيراً إلى أن نسبة كبيرة من النساء يدخلن هذه الدورة في سن صغيرة ويواصلن العمل لسنوات طويلة ضمن الظروف نفسها دون أي تحسن يُذكر.
كما بيّن التقرير أن معظم العاملات متزوجات ويعشن ضمن أسر كبيرة أو ممتدة، وهو ما يضاعف الأعباء الملقاة على عاتقهن، إذ يجدن أنفسهن مجبرات للجمع بين العمل الإنتاجي في الحقوق ورعاية الأسرة في الوقت ذاته.
وأكد أن الغالبية العظمى من النساء لديهن مستويات تعليمية متدنية، حيث تبقى نسبة كبيرة منهن في المرحلة الابتدائية أو لا يتلقين أي تعليم على الإطلاق، كما أن العمل الموسمي يعيق تعليم الأطفال، وتعبر النساء عن هذا الوضع بقولهن "لا يستطيع أطفالي الذهاب إلى المدرسة بانتظام"، وتشير الأبحاث إلى أن هذه الحلقة المفرغة تستمر عبر الأجيال مما يُعيد إنتاج الفقر.
"لا يمتلكن سلطة اتخاذ القرار"
ولفت التقرير إلى أن النساء تشاركن في العمل الزراعي الموسمي في الغالب بدافع الضرورة الاقتصادية، فقلة فرص العمل المحلية وظروف العمل غير المستقرة وتفاقم الفقر، كلها عوامل تجبر النساء على الهجرة مع عائلاتهن، وتقول النساء عن هذا الوضع "رغم أنني لا أرغب في المغادرة، إلا أنني مضطرة لذلك، فلا توجد وظائف أخرى" وتكشف هذه الصورة أن العمل الموسمي ليس خياراً، بل هو نتيجة لعدم المساواة الهيكلية.
أوضح التقرير أن يوم النساء العاملات يبدأ في ساعات الصباح الأولى، فبعد إعداد الطعام ورعاية الأطفال وإنجاز الأعمال المنزلية، يتوجهن إلى الحقول للعمل، وبعد يوم طويل من الجهد الزراعي الشاق، يعدن مساءً لاستكمال المهام المنزلية، وتصف النساء هذه الحلقة اليومية بقولهن "أطبخ في الصباح، ثم أذهب إلى الحقول، والعمل لا ينتهي في المساء"، وبين التقرير أن ساعات العمل اليومية للنساء تصل إلى ما بين 14 و16 ساعة، وهو ما يعني عملياً حرمانهن من حقهن في الراحة.
كما كشف التقرير أن النساء يُوظَّفن بأجور متدنية، وغالباً ضمن القطاع غير الرسمي، ولا تحصل نسبة كبيرة منهن على أجر مساوٍ لأجر الرجال رغم قيامهن بالعمل نفسه، كما لا يمتلكن سلطة اتخاذ القرار بشأن دخلهن، لافتاً إلى أن السيطرة الاقتصادية تبقى معظمها بيد الرجال، الأمر الذي يعيق استقلال المرأة الاقتصادي ويُكرّس استمرار البنية الأبوية.
وأضاف التقرير "تعيش معظم النساء في مخيمات خيام، في ظروف تفتقر إلى البنية التحتية الأساسية، ويُعدّ الحصول على المياه النظيفة محدوداً، كما أن مرافق دورات المياه والاستحمام غير كافية، وتصف النساء وضعهن "لا توجد دورات مياه؛ أحاول تجنب شرب الماء حتى لا أضطر إلى الذهاب إلى هناك" وتترك هذه الظروف آثار خطيرة على الصحة المرأة البدنية والنفسية على حد سواء.
عرقلة الوصول إلى الرعاية الصحية
ونوه التقرير إلى أن الغالبية العظمى من النساء إلى تفتقرن الضمان الاجتماعي، ويواجهن عقبات كبيرة في الحصول على الرعاية الصحية، فوسائل النقل والتكاليف وحواجز اللغة تجعل الوصول إلى الرعاية الصحية صعباً، وتعبر النساء عن هذا الوضع "لا أستطيع الذهاب إلى المستشفى، إنه بعيد جداً ومكلف للغاية" كما يؤثر نقص منتجات النظافة الصحية أثناء الدورة الشهرية بشكل مباشر على صحة المرأة.
وسلط التقرير الضوء على معاناة النساء من المشاكل الصحية نتيجة ساعات العمل الطويلة، ورفع الأثقال، وقلة النظافة، وسوء التغذية، ومع ذلك غالباً ما تبقى هذه المشاكل دون علاج، ويُذكر أن حقوق المرأة في الراحة والإجازات والحصول على خدمات الرعاية الصحية تُنتهك فعلياً، مؤكداً أن النساء تواجهن العنف والتحرش وانعدام الأمن في أماكن العمل وفي مخيمات الخيام على حد سواء، وتفيد نسبة كبيرة من النساء بتعرضهن للتحرش، وتؤكد أغلبية كبيرة منهن أنهن لا يشعرن بالأمان، وتعبر النساء عن الضغط الذي يتعرضن له بقولهن "هناك من يضايقنا، لكننا لا نستطيع قول شيء".
كما تواجه النساء وفقاً للتقرير التمييز والإقصاء في المناطق التي يهاجرن إليها، وتزيد الاختلافات اللغوية والحواجز الثقافية من صعوبة حصولهن على الخدمات، مما يؤدي إلى عزلتهن وتفاقم شعورهن بانعدام الأمان.
عمالة الأطفال
وبحسب التقرير هناك عدداً كبيراً من الأطفال يُجبرون على العمل في الحقول، فالأطفال الذين يتسربون من المدارس يُجبرون على الانخراط في العمل في سن مبكرة، وتضطر النساء إلى اصطحاب أطفالهن إلى أماكن العمل لعدم وجود أماكن آمنة لتركهم فيها، وتطالب النساء بمساكن آمنة وضمان اجتماعي، ورعاية صحية، وفرص تعليمية للأطفال وظروف عمل إنسانية، ويؤكدن على ضرورة توفير الاحتياجات الأساسية كالماء النظيف، والنظافة الشخصية، والسكن، والأمن.
يؤكد التقرير أن التحديات التي تواجهها النساء ليست مشكلات فردية، بل هي قضايا بنيوية ناتجة عن منظومة مترابطة من الفقر، وانعدام الأمن، والعنف، وعدم المساواة، حيث يغذي كل عامل منها الآخر، مشيراً إلى أن التنظيم والنضال الجماعي، وإبراز قيمة عمل المرأة تمثل مسارات ضرورية للتغيير.
وخلص التقرير إلى أن الانتهاكات التي تتعرض لها النساء في العمل الزراعي الموسمي تتطلب تدخلاً عاجلاً، وتدعو إلى تبني سياسات قائمة على حقوق الإنسان لضمان الحماية والعدالة للعاملات في هذا القطاع.