شيرين كردستان… شهيدة الحرية
ندى مانا
اليوم أصبح اسم شيرين علم هولي جزءاً من الذاكرة الجريحة التي لا تنطفئ في كردستان. فتاة خرجت من أعماق القرى المنسية والجبال المغمورة بالضباب؛ من أرض عاشت لعقود تحت ظلال الفقر والتمييز والحروب والتضييق الأمني والإقصاء الثقافي، لكنها لم تستسلم يوماً، فكردستان ليست مجرد جغرافيا، بل أرض تتوارث فيها الأجيال الحزن والمقاومة معاً. مكان تمزج فيه الأمهات التهاليل بصوت البكاء والانتظار، وتتعلم فيه الفتيات معنى الخوف والتمييز والبقاء قبل أن يعشن طفولتهن كاملة.
نشأت من تلك الأرض التي تحمل رياحها الباردة رائحة المنفى، وتحفظ جبالها أسماء الذين صمتوا في السجون أو رحلوا على أعواد المشانق، ففي القرى النائية في شمال كردستان، يتعلم الأطفال غالباً كيف يعيشون مع غياب الأب، وحداد الأخت، والفقر والخوف، قبل أن يتعلموا الكتابة، وفي جغرافيا كهذه، لا يكون كون المرأة امرأة مجرد هوية، بل شكلاً دائماً من أشكال الصمود في مواجهة العالم.
كانت شيرين علم هولي فتاة مناضلة تحمل أحلاماً إنسانية بسيطة؛ حلم الحياة والحرية والتعلّم والضحك، وأن يأتي يوم لا يُعاقَب فيه الناس بسبب لغتهم الأم أو لباسهم أو هويتهم أو أحلامهم، لكن في أرض تتسلل فيها السياسة حتى إلى البيوت الطينية في القرى، قد تتحول الأحلام البسيطة نفسها إلى جريمة.
عندما اعتُقلت، ظنت السلطات أنها ستنهار تحت ضغط التحقيق والتعذيب والحبس الانفرادي. أرادوا تحطيم امرأة شابة من الداخل؛ امرأة كانت بالكاد تتحدث الفارسية، وقد تحوّل ضعفها اللغوي إلى أداة إضافية لممارسة العنف ضدها، لكن المحققين لم يدركوا أن بعض البشر تتجذر أرواحهم في مكان أعمق من الخوف، فقد كانت روح شيرين تستمد قوتها من جبال كردستان؛ من تاريخ طويل من المقاومة والتهجير القسري والمنفى والبقاء.
وفي روايات السجينات اللواتي عرفنها، كانت شيرين امرأة هادئة لكنها صلبة. لم تكن تصرخ أو تدّعي البطولة، لكن في صمتها كان شيء يعجز آلة القمع عن كسره. حتى تحت التعذيب، كانت تتحدث عن الإنسانية والحرية وحق الإنسان في الحياة، وفي رسائلها لم يكن هناك توسّل، بل حقيقة فقط؛ حقيقة السجون التي يُكسَر فيها الإنسان مراراً قبل إعدامه، كي يُطفأ صوته.
كتبت عن الزنازين الباردة، وعن الليالي التي كان فيها وقع أقدام المحققين في الممرات يجمّد قلوب السجينات رعباً، وعن اللحظات التي يُغلق فيها باب الزنزانة الحديدي، فيهبط الصمت أثقل من أي تعذيب، وعن نساء كنّ يحدّقن في الجدران لساعات طويلة كيلا ينسين أنهن ما زلن بشراً، ومع ذلك، وفي قلب تلك العتمة، كانت السجينات يقرأن الشعر لبعضهن، ويروين القصص، ويضمدن جراح بعضهن البعض، ويهمسن بلغتهن الأم خفيةً كيلا تُنسى.
لم يكن السجن بالنسبة للنساء الكرديات مجرد مكان للاعتقال، بل امتداداً لحرب طويلة استهدفت أجسادهن ولغتهن وهويتهن وذاكرتهن. لم تكتفِ السلطة بسجنهن، بل أرادت التحكم بأصواتهن، وإسكات لغتهن، وحتى محو ذكراهن من الذاكرة الجماعية، لكن في تلك الزنازين نفسها، اتخذت المقاومة شكلاً آخر. نساء حُرمن من الزيارة والعلاج وحتى التواصل مع عائلاتهن، ومع ذلك كنّ ما زلن يتقاسمن الأمل فيما بينهن.

كانت النساء الكرديات في سجون الجمهورية الإسلامية، وما زلن، حافظاتٍ للذاكرة الجماعية لشعبهن فكل واحدة منهن كانت تحمل جزءاً من تاريخ كردستان المُغيَّب؛ تاريخاً من التمييز والمجازر والتهجير القسري والإقصاء الثقافي. حاولت السلطة دفع اللغة الكردية إلى الهامش، وتحويل الثقافة الكردية إلى قضية أمنية، وجعل الهوية الكردية مسألة سياسية وجريمة بحد ذاتها، ولم يكن ذلك مجرد قمع سياسي، بل شكلاً من أشكال محو الذاكرة التاريخية بصورة بطيئة ومستنزِفة. لكن النساء الكرديات لم يسمحْن لهذه الذاكرة بالموت.
في زنازين كرماشان، وإيفين، وقرتشك، وأورمية، وسنه، كانت هناك نساء قضين سنوات شبابهن خلف القضبان؛ نساء كان يمكن أن يكنّ معلمات أو طالبات أو أمهات يعشن حياة هادئة، لكن مصائرهن ارتبطت بالتحقيقات والمنفى وانتظار أحكام الإعدام. كثيرات منهن حُرمن من العلاج، ومن لقاء عائلاتهن، وحتى من التحدث بلغتهن الأم ومع كل هذا القمع، حافظن على كرامتهن الإنسانية.
من زينب جلاليان؛ المرأة التي حملت لسنوات قيود المرض والمنفى والزنازين الباردة دون أن تركع أمام القمع، إلى بخشان عزيزي ووریشه مرادي اللتين تحول اسماهما إلى راية لصمود النساء الكرديات؛ ومن نرجس محمدي وكلرخ إيرايي وسبيدة قليان وشهناز طبري اللواتي ما زلن يتنفسن المقاومة في قلب السجون، إلى مريم أكبري منفرد التي قضت سبعة عشر عاماً من شبابها في الأسر، وسمية رشيدي التي تركت حياتها ثمناً للصمود؛ جميعهن يشكلن أجزاءً من ذاكرة مجروحة لكنها لا تُهزم، لذاكرة نساء لم تنحنين تحت سياط التعذيب وضغط الاعترافات القسرية، ولم يسمحْن للحقيقة أن تُدفن في ظلام الزنازين.
وبجانب هذه الأسماء، تقف عشرات النساء المجهولات أيضاً؛ نساء بلا أسماء معروفة، لكنهن عظيمات، ربما لم تتصدر صورهن عناوين الإعلام يوماً، إلا أنهن وقفن في صمت السجون الخانق كالجبل، ودفعن ثمن المقاومة بأجسادهن المنهكة، وبسنوات شبابهن المحترقة، وأحياناً بأرواحهن. إنهن الرواية الحية لجيل تعلّم أن الحرية لا يمكن إخمادها بالسجن أو التعذيب أو الموت.
وإلى جانب كل هذه الأسماء، كانت هناك نساء لم يعرفهن أحد؛ نساء مرضن في الزنازين الانفرادية، ونساء انتظرن الزيارة لسنوات، وأخريات نُسِين بصمت. بعضهن حتى بعد الإفراج عنهن لم يغادرن السجن حقاً، لأن السجن بقي عالقاً في ذاكرتهن وأرواحهن، لقد كنّ الأعمدة الصامتة للمقاومة؛ نساء لم يسجل التاريخ الرسمي أسماءهن، لكن ذاكرة الناس لن تنساهن.
كانت شيرين علم هولي واحدة من أكثر الوجوه إشراقاً في هذا التاريخ الجريح. لم تسمح للسجن أن يملأ قلبها بالكراهية. حتى في أهلك الأيام، كانت تكتب عن الأمل؛ عن حلم يوم يكبر فيه الأطفال الكرد بلا خوف، ويوم لا تدفع فيه النساء ثمن أبسط حقوقهن الإنسانية بالسجن أو الإعدام. وبين جدران إيفين الباردة، ظلت تحمل حلم الحرية، وكأن كردستان كلها كانت تتنفس في قلبها.
في صباح إعدامها وإعدام رفاقها، ربما كان السماء أثقل من المعتاد. كانت حبال المشانق قد أُعدّت لإضافة أسماء جديدة إلى قائمة المعدومين. ظنت السلطة أن الموت هو نهاية الحكاية. فالإعدام بالنسبة لها لم يكن مجرد عقوبة، بل استعراضاً للقوة، ومحاولة لبث الرعب في المجتمع، وكسر النساء، وإخماد حلم المقاومة. لكن التاريخ أثبت مراراً أن الإعدام لا يقود دائماً إلى الصمت؛ فأحياناً تجعل المشنقة الاسم خالداً.
في التاسع عشر من أيار/مايو 2010، أُعدمَت شيرين علم هولي مع رفاقها فرزاد كمانكر، علي حيدريان، فرهاد وكيلي، ومهدي إسلامي، لكي يخاف الآخرون؛ لكي تتعلّم الفتيات الكرديات الصمت، ولكي يستسلم السجناء، ولكي تُخمَد المقاومة، لكن اسم شيرين عبر جدران السجن، وانتشر في أزقة كردستان، وبقي حيّاً في الأغاني والكتابات على الجدران، وتردّد في دموع الأمهات الثكالى، وبعد سنوات، وُلد من جديد في الشوارع التي كانت النساء يهتفن فيها "المرأة، الحياة، الحرية".
كانت الانتفاضة الثورية Jin Jiyan Azadî امتداداً تاريخياً لصوت النساء اللواتي لم يخفت صوتهن في السجون عبر السنين؛ نساء عشن المقاومة في الزنازين الانفرادية قبل أن تمتلئ الشوارع بالهتافات. شيرين، زينب، وريشة، بخشان، وعشرات النساء الأخريات، كنّ قد كتبن معنى هذا الشعار بأجسادهن وحياتهن قبل أن يسمعه العالم.
واليوم، حين يُذكر اسم شيرين علم هولي، فإن الحديث يكون عن جيل اختار الحياة بين الرصاص والسجن؛ عن نساء تعلّمن أن الحرية يمكن أن تبقى حيّة حتى خلف القضبان. نساء أدركن أن السلطة تستطيع سجن الأجساد، لكنها عاجزة عن إعدام الأحلام.
السلطات السياسية تظن دائماً أنها باقية؛ تحكم بالسجون والسلاح وحبال المشانق، وتتصور أنها قادرة حتى على التحكم بالتاريخ، لكن بعد سنوات، تُنسى أسماء كثيرة من أصحاب السلطة، بينما تبقى أسماء أشخاص مثل شيرين حيّة في ذاكرة الشعوب. فتاة قروية مقيّدة اليدين أصبحت أكثر خلوداً من جميع المحققين الذين حاولوا كسرها.
وربما، الآن، في مكان ما بين جبال كردستان المغمورة بالضباب، لا تزال أم تحتفظ بثياب ابنها الذي أُعدم داخل صندوق قديم؛ أمٌّ تعيش من جديد كل ألم سنوات الانتظار كلما سمعت اسم شيرين، وربما تحمل امرأة شابة صورة شيرين في إحدى المظاهرات، من دون أن تكون قد رأتها يوماً، لكنها تشعر بعمق بأنها تواصل جزءاً من أحلامها التي لم تكتمل.
وربما، حين تعبر الرياح ليلاً بين جبال كردستان، تحمل معها أسماء النساء والرجال الذين أُعدموا؛ أسماء أولئك الذين أرادت السلطة محوهم من ذاكرة التاريخ، لكن الناس حوّلوهم إلى أناشيد بطولية، وكتابات على الجدران، وذاكرة جماعية حيّة.
رحل جسد شيرين علم هولي، لكنها تحوّلت إلى جزء من الروح الجماعية للنساء الكرديات؛ إلى صوت ما زال يُسمع من خلف جدران السجون، وإلى ذكرى لا تُدفن، وإلى شعلة لا تنطفئ حتى في أكثر الزنازين ظلمة.