سبع سنوات من النزوح... والعودة تصطدم بهاجس الأمان

تؤكد خالصة عمر النازحة من سري كانيه/رأس العين، أن العودة إلى المدينة لا يمكن أن تتم في ظل استمرار التهديدات الأمنية، مطالبةً بضمان حماية المدنيين وإخراج المجموعات المسلحة من المدينة، لضمان عودة آمنة ومستقرة إلى منازلهم.

رونيدا حاجي

الحسكة ـ بعد سبع سنوات من النزوح، تحولت عودة 410 عائلات من نازحي سري كانيه/رأس العين إلى مدينتهم إلى رحلة خوف لم تكتمل، بعدما تعرضت القافلة لهجوم مسلح أجبر العائلات على العودة إلى الحسكة، ما أعاد التساؤلات حول مدى توافر شروط العودة الآمنة وحماية العائدين.

انطلقت أول قافلة لإعادة نازحي سري كانيه/رأس العين، إلى مدينتهم العاشر من آب/أغسطس الجاري، وهي تحمل آمالاً كبيرة بالعودة إلى منازلها.

لكن ما إن وصلت القافلة إلى سري كانيه، حتى اصطدمت العائلات بواقع أمني مغاير لما كانت تأمله. فقد تعرضت القافلة لهجوم من مجموعات مسلحة، في حادثة لم تكن مجرد صدمة للعائلات العائدة، بل تحولت إلى جرس إنذار أعاد طرح السؤال الأكثر إلحاحاً؛ هل تتوافر فعلاً الشروط اللازمة لعودة آمنة ومستقرة لنازحي سري كانيه؟

وكانت قضية إعادة نازحي سري كانيه إلى مناطقهم من بين الملفات التي حظيت بأهمية في اتفاق 29 كانون الثاني/يناير بين قوات سوريا الديمقراطية والحكومة السورية المؤقتة. غير أن استهداف أول قافلة عائدة كشف أن الاتفاقات السياسية، مهما كانت أهميتها، لا تكفي وحدها لضمان عودة آمنة ما لم تترافق مع ترتيبات أمنية واضحة وآليات تحمي العائدين وتمنع تكرار الانتهاكات.

وفي أعقاب الهجوم، طالبت لجنة نازحي سري كانيه بضمانات حقيقية وآمنة للعودة، داعيةً إلى فتح تحقيق مستقل وشفاف لكشف ملابسات استهداف القافلة وتحديد المسؤوليات، إلى جانب مطالبة الحكومة المؤقتة وفريق الرئاسة والجهات الأمنية بتوضيح دورها في حماية العائدين. كما دعت اللجنة إلى اتخاذ خطوات جدية لوقف الهجمات والممارسات الرامية إلى تغيير التركيبة الديموغرافية للمنطقة، وضمان حق السكان الأصليين في العودة إلى منازلهم وممتلكاتهم والعيش بأمان في مدينتهم.

 

عودة لم تكتمل

خالصة عمر من السكان الأصليين لسري كانيه، قد حملت معها منذ عام 2019 وجع النزوح وحنيناً لم ينقطع إلى مدينتها. وبعد سبع سنوات من الغياب، وجدت نفسها أخيراً في طريق العودة، تتجه نحو منزلها محملة بآمال كبيرة بأن تستعيد المكان الذي حُرمت منه طوال هذه السنوات.

تقول خالصة عمر إنها كردية الأصل، لكنها نشأت وعاشت في مجتمع عربي، الأمر الذي جعل لغتها الكردية ضعيفة، مشيرةً إلى أنه ارتباطها بسري كانيه ظل حاضراً رغم سنوات النزوح القاسية. وبالنسبة إليها ولعائلات أخرى، لم تكن فرصة العودة مجرد انتقال من مكان إلى آخر، بل لحظة طال انتظارها، اختلط فيها الفرح بالأمل في استعادة الحياة التي انقطعت منذ سنوات.

وانضمت خالصة عمر مع عائلتها إلى القافلة الأولى المتجهة إلى سري كانيه، وهي تحمل حلم العودة إلى منزلها بعد سنوات من الانتظار. لكن الرحلة التي بدأت بالأمل لم تكتمل كما أرادت؛ فمع تدهور الوضع الأمني، اضطرت وعائلتها للعودة من جديد إلى مدينة الحسكة، لتجد نفسها مرة أخرى أمام واقع النزوح، بعد أن كانت تظن أنها على بعد خطوات من منزلها.

 

"بفرح دخلنا مدينتنا"

تروي خالصة عمر أن لحظة وصول القافلة إلى سري كانيه بدت في بدايتها أشبه بتحقق حلم طال انتظاره. دخلت العائلات المدينة بفرح كبير، وهي ترى للمرة الأولى منذ سبع سنوات شوارع المكان الذي عاشت فيه معظم حياتها "دخلنا مدينتنا بفرح. المدينة التي أمضينا فيها حياتنا كلها، وبعد كل هذه السنوات رأيناها من جديد، لكن هذه الفرحة لم تدم طويلاً".

ما إن وصلت القافلة إلى المدينة حتى تبدد ذلك الفرح، بعدما اعترضتها مجموعة مسلحة وأوقفت المركبات وأحاطت بها، فبحسب ما روته خالصة عمر بدأ المسلحون بمهاجمة القافلة بالعصي والسكاكين وأدوات أخرى، قبل أن يتصاعد الاعتداء إلى إطلاق النار على إطارات إحدى المركبات وتحطيمها.

 

"المسلحين كانوا يبدون أنهم من عناصر داعش"

تستعيد المشهد وتقول إن أفراد المجموعة كانوا يحملون السكاكين والعصي والأسلحة، وإنهم أخرجوا عدداً من الشبان من المركبة واعتدوا عليهم بالضرب، مشيرةً إلى أن المسلحين كانوا يتحدثون بلهجتين عراقية ولهجة دير الزور، لافتةً إلى أن هؤلاء كانوا يبدون أنهم من عناصر داعش، مستندةً إلى ما وصفته بملامحهم وطريقة اعتدائهم.

وفي خضم الفوضى والخوف، كانت خالصة عمر وزوجها وأطفالها في الجزء الخلفي من المركبة، يحاولون الاحتماء من الهجوم "كان الوضع صعباً ومخيفاً جداً". وفي تلك اللحظات، تدخل شخصان من سكان سري كانيه، وتمكنا من فتح باب المركبة ومساعدة العائلة على الفرار.

هربت وعائلتها إلى منزل إحدى عائلات سري كانيه، التي سارعت إلى استقبالهم وتأمين مأوى لهم. لكن الخوف لم ينتهِ هناك؛ فبعد نحو عشر دقائق، وصلت قوى الأمن إلى المكان، ونقلت العائلة إلى موقع آمن، لتنتهي رحلة العودة الأولى بخروج خالصة عمر وأطفالها من المدينة بدلاً من الاستقرار فيها.

تجربة العودة وما رافقها من خوف وهجوم ومغادرة قسرية تركت لدى خالصة عمر وعائلتها أسئلة أكبر حول مدى توفر شروط الأمان للنازحين الراغبين في العودة. وترى أن حماية المدنيين لا يمكن أن تبقى مجرد وعود، بل تحتاج إلى إجراءات واضحة تضمن سلامتهم في كل مراحل العودة، من لحظة انطلاق القافلة وحتى الوصول والاستقرار في المدينة.

وتقول إن ما جرى جعلها تشعر بأن السيطرة الأمنية لا تزال غير مكتملة "بعد هذه الحادثة، أصبح واضحاً أن الحكومة المؤقتة لا تستطيع السيطرة على الوضع الأمني بشكل كامل".

 

"لن نذهب إلى سري كانيه ما لم تدخل قوات الأمن الداخلي المدينة"

ترى خالصة عمر أن أي حديث عن عودة النازحين إلى سري كانيه يجب أن يبدأ من ضمان أمنهم، مؤكدة أن المشكلة الأمنية لا تزال العقبة الأبرز أمام عودة العائلات إلى مدينتها.

وتقول إن على الجهات المعنية، قبل إعادة العائلات، العمل على إخراج المجموعات المسلحة من المدينة، ومعالجة ملف المنازل التي استولى عليها آخرون، إلى جانب تأمين حماية فعلية للسكان العائدين "نريد العودة إلى مدينتنا. يجب إخراج المجموعات المسلحة من المدينة، وإخراج الأشخاص الذين استولوا على منازلنا".

وبحسب خالصة عمر فإن وجود قوات الأمن الداخلي إلى جانب قوات الأمن العام داخل المدينة من شأنه أن يوفر للعائلات شعوراً أكبر بالأمان ويحدّ من قدرة أي جهة على تهديدها "يجب أن تدخل قوات الأمن الداخلي المدينة قبلنا"، مضيفةً "نحن نثق بقواتنا الداخلية ونريدها أن تكون معنا".

 

"نريد حقنا في العودة"

ورغم ما حملته سنوات النزوح من ألم وانتظار، تؤكد خالصة عمر أن ذلك لم يبدد تمسكها وعائلتها بحق العودة إلى سري كانيه. وتقول إنهم لا يريدون سوى أن تتوفر لهم الحماية اللازمة ليعودوا إلى مدينتهم ومنازلهم وممتلكاتهم.

وقالت في ختام حديثها "نريد حقنا في العودة. نريد أن يتم توفير الأمن في مدينتنا وأن نعود إليها. لن نترك منازلنا وممتلكاتنا لأحد"، وترى أن استمرار الهجمات والتهديدات لا يؤدي إلا إلى دفع النازحين نحو التخلي عن حقهم في العودة، وهو ما ترفضه هي وعائلات سري كانيه التي لا تزال متمسكة بمدينتها وبحقها في استعادة حياتها فيها.